الأخت التي خبأت صوتها
لم تكن إميليا تتذكر طفولتها كما يتذكرها الآخرون. لم تكن تستعيد بيتاً كاملاً أو أياماً مرتبة. كانت الذاكرة تأتيها على هيئة أصواتٍ منفصلة: ضحكة أختها، احتكاك قدرٍ نحاسي فوق الموقد، نافذةٌ تصفق في ليلةٍ ممطرة، ثم نغمةٌ طويلة جعلت جسدها يتعلم الخوف قبل أن يعرف اسمه.
كانت سيرين أكبر منها بثماني سنوات. لم تكن أجمل فتاةٍ في القرية، ولم تكن تحلم بأن تصبح مغنيةً مشهورة. كانت تغني لأنها تحب أن ترى إميليا تنام وهي تسمعها. كان صوتها صافياً، لكنه ليس معجزةً خارقة؛ كان دافئاً، فيه خشونةٌ خفيفة عند النغمات المنخفضة، وشيءٌ يضيء حين تصعد إلى طبقةٍ أعلى.
كانت إميليا تطلب منها أغنيةً واحدة كل ليلة.
«أعيديها.»
«غنيتها ثلاث مرات.»
«الرابعة أفضل.»
كانت سيرين تضحك وتبدأ من جديد. ثم تضع يدها على رأس أختها وتقول: «حين تكبرين، ستغنينها بنفسك.»
لم تكن إميليا تحب الغناء أمام الناس. كانت تخاف أن يخرج صوتها غريباً، أو أن يضحك أحد. لذلك كانت سيرين تغني بدلاً منها، وتخبرها أن لكل شخصٍ صوتاً لا يشبه غيره، وأن الاختلاف ليس خطأً يحتاج إلى إصلاح.
في ذلك الشتاء، وصلت إلى القرية عربةٌ سوداء تحمل رايةً صغيرةً عليها هلالٌ وثلاثة خطوطٍ ملتفة حوله. قيل إن أصحابها يبحثون عن فتياتٍ يملكن أصواتاً نادرة للعمل في قصرٍ كبير. لم يذكروا اسم القصر، ولم يقولوا إن العمل مؤقت. قدموا مالاً يكفي لعلاج المرضى وإطعام العائلات.
رفضت سيرين في البداية. لكنها عرفت أن أمها تحتاج إلى الدواء، وأن أختها الصغيرة لن تستمر في المدرسة إذا لم يجدوا عملاً. وقبلت أن تذهب إلى اختبارٍ واحد.
لم تعد في ذلك المساء.
ذهبت إميليا إلى الطريق تبحث عنها، فوجدت امرأةً مسنةً تبيع الخبز قرب البوابة. قالت لها إن العربة أخذت سيرين إلى مبنىً خارج المدينة، وإن الفتاة كانت تضحك حين صعدت، لأنها ظنت أنها ستعود ومعها مالٌ يكفي لتشتري لإميليا حذاءً جديداً.
مر يومان.
ثم جاء الليل الثالث.
سمعت إميليا صوتاً من جهة النهر. لم يكن غناءً كاملاً، بل نغمةً واحدة تتكرر، ثم تتشقق في نهايتها. عرفت صوت أختها. خرجت من البيت دون أن توقظ أمها، وتتبعت الصوت حتى وصلت إلى مبنىٍ حجري محاطٍ بسياجٍ مرتفع.
كان هناك رجالٌ يلبسون ثياباً رمادية. على أبوابهم الرمز نفسه. حاولت أن تتسلل من فتحةٍ في السور، لكنها سقطت فوق الحصى وجرحت ركبتها. لم تبكِ. زحفت حتى وصلت إلى نافذةٍ منخفضة، ورأت داخل القاعة.
كانت سيرين واقفةً فوق منصةٍ معدنية، وأمامها رجلٌ طويل القامة يحمل آلةً وتريةً ضخمة. كان وجهه مغطى بقناعٍ يحجب الجزء العلوي منه. خلفه جناحان أسودان، لا يشبهان أجنحة الطيور تماماً؛ أطرافهما تتحرك كالدخان، فيما بقيت بنيتهما ثابتةً وثقيلة.
كان فارخان أصغر مما صار عليه لاحقاً في ذاكرة إميليا، لكن حضوره لم يكن أقل رعباً.
رفع قوسه. بدأ العزف.
طلب من سيرين أن تتبع النغمة. فعلت. طلب منها أن تصعد نصف درجة. فعلت. ثم طلب منها أن تعيدها من دون أن تتنفس بين الجملتين.
حاولت. انقطع صوتها في النهاية.
لم يصرخ فارخان. لم يبدُ غاضباً. نظر إلى الآلة، ثم إلى الفتاة، وقال: «أعيديها.»
كانت سيرين ترتجف. «أحتاج إلى نفس.»
«الصوت لا يحتاج إلى خوف.»
«أنا لا أستطيع.»
رفع القوس مرةً أخرى. خرجت من الأوتار نغمةٌ حادة، ثم اندفعت صاعقةٌ رفيعة من طرفها إلى المنصة. ارتجف جسد سيرين. لم تكن الصاعقة كبيرةً بما يكفي لتحرق القاعة، لكنها مرت عبر المعدن الذي تقف عليه، وصعدت إلى جسدها.
صرخت.
أغلقت إميليا فمها بيديها كي لا تصرخ معها.
رفع فارخان رأسه قليلاً. «لقد كسرت النغمة.»
كانت سيرين على ركبتيها. حاولت النهوض، ثم وضعت يدها على حلقها. لم يقترب منها أحد. لم يحاول مساعدتها. عاد فارخان إلى العزف، كأن التجربة لم تنتهِ بعد.
سمعت إميليا أختها تقول اسماً واحداً.
«إميليا...»
لم يكن النداء موجهاً إلى أحدٍ في القاعة. كان نداءً خرج من ذاكرةٍ تعرف أن أختها قد تكون قريبة.
في تلك اللحظة، تعثر أحد الحراس بصندوقٍ قرب النافذة. التفت نحو الصوت، ورأى ظل الطفلة. انحنت إميليا واختبأت خلف الجدار، لكنها لم تستطع الهرب. أمسك بها رجلٌ من كتفها، وسحبها إلى الداخل.
كانت سيرين قد سقطت على جانب المنصة. كان صدرها يرتفع بصعوبة، وشفتيها تتحركان دون صوت. حاولت إميليا الوصول إليها، لكن الحارس شدها إلى الخلف.
نظر فارخان إلى الطفلة. لم يسأل من تكون. لم يبدُ عليه الفضول. اكتفى بأن قال: «هذا الصوت صغيرٌ جداً.»
ثم أدار ظهره.
لم تكن إميليا مهمةً بالنسبة إليه. لم يرَ فيها أختاً، ولا شاهدةً، ولا خطراً. كانت مجرد صوتٍ لم ينضج بعد.
توقفت سيرين عن الحركة قبل أن يسمح أحدٌ لإميليا بالاقتراب. لم يصرخ أحدٌ باسمها. لم يتوقف العزف. حين حاولت إميليا أن تصرخ، لم يخرج صوتها. كان حلقها مغلقاً، ويداها تقاومان الحارس حتى نزعت أظافرها من جلده.
لم يخرج إيثان من القاعة ومعه إميليا في اللحظة نفسها. كانت الفوضى قد بدأت، والنار التي اندلعت في إحدى غرف المختبر قطعت الطريق بين المنصة والممر. وحين انشغل الحراس بإخلاء الأجهزة والسجلات، زحفت الطفلة إلى فتحةٍ خلفية، وخرجت إلى الغابة دون أن تعرف إن كانت قد نجت أم أنها تركت أختها خلفها للمرة الأخيرة.
ظلت تمشي حتى نفدت قوتها. لم تكن تعرف الطريق إلى القرية، ولم تجرؤ على العودة إلى البيت. نامت بين جذور شجرة، واستيقظت على المطر، ثم تابعت السير على طول مجرى الماء. في اليوم الثاني، سرقت قطعة خبزٍ من عربةٍ متوقفة، ثم أعادتها حين رأت طفلاً يبكي قربها. لم تكن تعرف كيف تطلب المساعدة. كانت كلما سمعت صوت وترٍ بعيدٍ تختبئ، وكلما سألها أحدٌ عن اسمها أغلقت فمها بيديها.
بعد أيام، وجدها إيثان عند محطةٍ مهجورة على الطريق الشمالي. كان يتتبع أخبار فتياتٍ اختفين من القرى، وقد قادته آثار العربة السوداء إلى أطراف المنشأة. لم تكن إميليا تعرف من يكون. ظنت أنه أحد رجال المؤسسة، فتراجعت حتى اصطدمت بالجدار.
لم يمد يده إليها فوراً. خلع قفازه ووضعه على الأرض، ثم جلس على مسافةٍ تسمح لها بالهرب.
قال: «لن أعيدك إلى هناك.»
لم تصدقه.
«اسمك؟»
لم تجب.
«هل هناك أحدٌ ينتظرك؟»
نظرت إلى الطريق خلفه. لم تقل إن أختها كانت تنتظرها، وإن الانتظار انتهى قبل أن تعرف كيف تودعها.
حين حاولت الوقوف، سقطت. عندها اقترب إيثان وحملها، لا كمن يحمل غنيمةً أو دليلاً، بل كطفلةٍ لم يعد في ساقيها ما يكفي لحملها. أخذها إلى القصر، وطلب من الخدم أن يتركوا لها غرفةً قرب الفناء، وأن لا يسألوها عن ماضيها حتى تتكلم بنفسها.
لم تقل اسم سيرين إلا بعد أسابيع. ولم تغنِّ بعدها أمام أحد.
تعلمت كيف تضبط تدفق المانا، وكيف تجعل الطاقة تمر عبر خيطٍ ضيقٍ لا يتسرب. كان إيثان يريدها أن تتعلم حماية نفسها، لكنها أرادت أن تفهم كيف يمكن لصوتٍ واحد أن يتحول إلى سلاحٍ يقتل إنساناً.
صارت تعمل في القصر، ثم أوكل إليها إيثان تدريب كالن على ضبط المانا. لم تخبره بالماضي. لم تكن تريد أن تجعل تدريبها اعترافاً، ولم تكن تريد أن تضع موت سيرين في يد شخصٍ آخر.
والآن، كانت تقف على المرتفع المقابل لفارخان.
رأت جناحيه الأسودين يتسعان فوق السماء، وسمعت النغمة الأولى التي لم تنسها. لم تتذكر وجهه بقدر ما تذكرت الطريقة التي توقف بها عن النظر إلى سيرين حين انتهى صوتها.
أغمضت عينيها لحظة.
لم تكن تريد الانتقام فقط. كانت تريد أن تجبره، ولو مرةً واحدة، على أن يرى فيمن أمامه إنساناً لا آلة.
لكنها كانت تعرف أن فارخان لم يكن رجلاً يمكن أن يتعلم ذلك بالكلام.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!