اليد التي اختارت
لم يذهب جورج إلى المعركة مع كالن لأنه أراد أن يموت. كان يكره الموت، ويعرف جيداً أن شجاعةً لا ترى الخطر ليست إلا جهلاً يرتدي درعاً. لكنه كان يعرف أيضاً أن توم لم يكن ليصل إلى فريق الثريا لو لم يفتح له جورج الباب.
في الطريق إلى الممر الجانبي، توقف جورج عند صخرةٍ مغطاة بالغبار. أخرج من جيبه قطعةً صغيرة من الجلد، كانت تحمل شعار نقابة المغامرين. مرر إبهامه عليها، ثم أعادها.
قال: «حين وصلتني أول رسالةٍ من توم، كان يرفق معها قائمةً بأسماء الأطفال الذين يدعم مدارسهم. أرسل صوراً للكتب، وللمقاعد، وللوجبات التي يقدمها. لم يكن كل شيءٍ كذباً. وهذا ما جعلني أصدقه.»
قلت: «أنت لم تكن تعرف ما في القبو.»
«لا.»
«ولم تكن تريد أن يموتوا.»
«لا.»
«إذن ماذا تريد مني أن أقول؟»
نظر إليّ. «لا أريد منك أن تقول شيئاً. أريد فقط أن تعرف أنني لا أطلب منك أن تثق بي كما كنت تثق بي قبل ذلك.»
لم أكن أعرف إن كنت أثق به. كنت أعرف أنه وقف معي حين لم أستطع البكاء وحدي، وأنه ظل يحمل ذنبه دون أن يطلب مني أن أعفيه. لكنني لم أستطع أن أنسى أنه كان الرجل الذي قال لنا إن توم يستحق الثقة.
قلت: «لا أعرف إن كنت قد سامحتك.»
أومأ. «هذا حقك.»
«لكنني أعرف أنك الآن هنا.»
نظر إلى سيفه. «وهذا ما أستطيع تقديمه.»
لم يتصافحا. لم يكن هناك عناقٌ ولا وعدٌ كبير. مشينا فقط، وكل واحدٍ منا يعرف أن الآخر قد لا يعود من الممر.
بعد دقائق، قال جورج: «إذا فقدت السيطرة أمامها، سأمنعك.»
«كيف؟»
رفع رمحه. «سأقف في الطريق.»
«ستقتل نفسك.»
«ربما. لكنني لن أسمح لك بأن تموت وأنت تظن أن موتك سيعيد أحداً.»
كان ذلك أقرب إلى الاعتذار الذي استطاع تقديمه.
✦ ✦ ✦
حين عادت غوتيا إلى الممر، لم تعد تبتسم.
كان الضباب الأسود يخرج من قرنيها بكثافةٍ أكبر، والهواء حولها يتحرك في دوائرٍ متعارضة. شعرت بأن الضغط يتغير قبل أن تتحرك، فدفعت المانا إلى قدميّ كي لا أفقد توازني. أما جورج فوقف إلى جانبي، وقد رفع رمحه أمام صدره.
قالت غوتيا: «هل أخبرك زوجي بكل شيء؟»
«لا.»
«إذن ما زلت تملك نصف الحقيقة.»
«وأنتِ تملكين النصف الذي اختار قتل الناس.»
ضحكت. «تظن أنني اخترت؟»
«اخترتِ أن تفعلي بالآخرين ما فعلوه بك.»
تحركت السلسلة من الأرض قبل أن تنهي ضحكتها. لم أرَها تنطلق؛ شعرت فقط ببرودة المعدن قرب عنقي. انحنيت، فمرّت فوق رأسي، ثم عادت من الخلف. صدها جورج برمحه، لكن السلسلة التفّت حوله وسحبته إلى الأمام.
لم أتركه. أطلقت تعويذةً مائية على السلسلة، ثم جمدت سطحها. تشققت طبقة الجليد عند أول حركةٍ من غوتيا، لكنها منحت جورج لحظةً كي يفك يده.
قال لي: «لا تقترب منها من الأمام. إنها تريد أن تجعل كل ضربةٍ منك تمر عبر السلسلة.»
كانت غوتيا تسمعنا. رفعت يدها، فضغطت الريح على صدري. حاولت التقدم، لكن الهواء صار كالجدار. أطلقت دفعةً نارية إلى الأرض، فارتفع الغبار واندفع حولي. لم يكن الهدف إصابتها؛ أردت أن أرى اتجاه الهواء. تحرك الغبار في خطوطٍ واضحة، وكشف أن الريح لا تأتي من حولها فقط، بل تخرج من أطراف المنجل نفسه.
قلت لجورج: «منجلها هو مركز الضغط.»
«إذن لا تدعه يقترب.»
اندفعت غوتيا. انخفضت بجسدها، ثم دارت حول نفسها. لم يكن دوراناً عادياً؛ جرّت معها حلقةً من الهواء المضغوط، فامتدت حولنا كجدارٍ شفاف. اصطدمت بها كتفي، وشعرت كأن شيئاً غير مرئي قطع الجلد. تراجعت، ورأيت الدم يسيل من تحت الثوب.
أطلق جورج رمحه نحو ساقها. انحنت، ثم سحبت السلسلة. لم يكن الرمح قد أصابها، لكنه أجبرها على تغيير اتجاهها. استغليت الحركة، ووجهت سيفي نحو المنجل. اصطدم النصلان، فارتجت ذراعي حتى مرفقي.
كانت أقوى مما تذكرت.
قالت وهي تدفعني: «أنت ابن زيك، لكنك لا تحمل شيئاً منه سوى السيف.»
«يكفيني.»
«لا. أبوك كان يعرف أن القوة لا تعيد الموتى. أما أنت، فتظن أن قتلِي سيعيد لك بيتك.»
كادت تصيبني. لم تكن كلماتها صحيحة، لكنها أصابت شيئاً قريباً من الحقيقة. كان جزءٌ مني يريد أن يراها تسقط فقط كي لا أضطر إلى رؤية القبو والقرية مرةً أخرى.
تدخل جورج. ضرب كتفها بطرف الرمح، فاضطرت إلى التراجع. قالت له: «أنت أيضاً تحمل ذنباً لا يخصك.»
تجمدت عيناه لحظة.
«أخبره يا سيد النقابة. أخبره كيف أرسلت أصدقاءه إلى توم.»
لم يتراجع جورج. «أعرف.»
«أنت الذي فتحت الباب.»
«أعرف.»
«وهم الذين ماتوا.»
«أعرف.»
كانت الكلمات تسقط منه من دون دفاعٍ أو إنكار. لم يكن يريد أن يبرئ نفسه. لكنه لم يسمح لها أن تستخدم ذنبه سلاحاً ضدّي.
قال: «لكنني لن أتركك تختارين من يموت بعدهم.»
اندفعت غوتيا نحوه. أطلقت منجلها، ثم جعلت الهواء حول النصل ينضغط إلى حافةٍ رفيعة. رأيت المسار قبل أن يصل، ودفعت المانا في الأرض لأرفع حاجزاً صخرياً. انشطر الحاجز، لكن الضربة انحرفت قليلاً.
تقدمت غوتيا بسرعةٍ غير متوقعة. لم تكن الريح تحركها فقط؛ كانت تخفف مقاومة الهواء حول جسدها، فتصل إلى المكان قبل أن أتمكن من قراءة الحركة. ضربتني بمقبض المنجل، فارتطم رأسي بالصخرة. سمعت جورج ينادي باسمي، ثم لم أرَ إلا ظلالاً متقطعة.
حاولت النهوض. كانت يدي اليسرى لا تستجيب جيداً. رأيت غوتيا ترفع السلسلة فوق رأس جورج. تحركت نحوه، لكن الهواء ضغط على صدري وأجبرني على الركوع.
قالت: «لن أقتلك الآن. أريدك أن ترى.»
انطلق المنجل نحوي، لكن غوتيا لم تكن تستهدف صدري وحده. كانت قد جعلت شفرة الريح تدور حول السلسلة، ثم أطلقتها من زاويةٍ ثانية نحو رقبتي. لم يكن أمامي وقتٌ لأصد الضربتين.
رأيت جورج يفهم قبل أن أفهم. لم يحاول التراجع، ولم يرفع درعه. لف السلسلة حول ساعديه، ثم دفع جسده بكامله إلى الأمام، وأدار الرمح عرضياً ليعلق المنجل في زاويةٍ تمنع الشفرة من الوصول إليّ.
صرخت باسمه.
نظر إليّ لجزءٍ من لحظة. لم تكن في عينيه بطولةٌ ولا هدوء. كان فيهما خوفٌ حقيقي، لكنه اتخذ قراره رغم ذلك.
«هذه المرة لن أفتح لها الطريق!»
شد السلسلة نحو صدره، فاضطرت غوتيا إلى إطلاق شفرة الريح قبل أن تستعيد اتجاهها. مرّ الحدّ الهوائي على معصميه معاً.
سمعت صوتاً قصيراً، كأن قطعتين من خشبٍ يابس انكسرتا في اللحظة نفسها.
توقفت يداه عند الرسغين. سقطتا على الحجر، بينما اندفع جسده إلى الخلف. لم يمنع الضربة عن نفسه؛ غيّر مسارها بما يكفي كي تمر فوق كتفي، لا عبر عنقي.
لم أفهم ما رأيت في اللحظة الأولى. رأيت الدم ينتشر على الحجر، ورأيت أصابع جورج تنقبض مرةً واحدة قبل أن تسكن. لم يصرخ. فتح فمه، ثم خرج منه صوتٌ خشن لم يشبه صوته.
«كالن... لا...»
اندفعت نحوه، لكن غوتيا أعادت السلسلة. كانت تريد أن تفصلني عنه، أن تجعلني أختار بين مطاردتها وإنقاذه. كان الدم يتدفق من معصميه بغزارة، واللون ينسحب من وجهه.
سقط على ركبةٍ واحدة.
وصلت إليه أخيراً. مزقت طرف عباءتي وربطته حول موضعي القطع، وضغطت بكل ما لديّ. كانت أصابعي تنزلق من الدم، وكانت عيناه تبحثان عن شيءٍ لا يستطيع الإمساك به.
قال بصوتٍ متقطع: «لا تنظر إليّ. انظر إليها.»
لم أستطع.
«جورج...»
«لا تجعل ما حدث لي... يفتح لها الطريق.»
كانت تلك الجملة أشد قسوةً من الدم. كان يعرف أنني قد أندفع وراءها، وأنه فقد يديه كي لا أُقتل، وأنني إذا فقدت السيطرة الآن فسوف أضاعف الثمن.
رفع رأسه بصعوبة. «أنت لست توم. لا تجعلها تقرر من تكون.»
ثم أغلق عينيه.
لم أعرف إن كان قد فقد وعيه أم مات. شعرت ببرودةٍ في أطرافه، وبالدم يملأ كمي. وضعت يده المقطوعة قربه ثم أدركت أنني لا أستطيع أن أعيدها. لم يكن خلودي يمنحني قدرةً على إصلاح الآخرين.
صرخت.
لم تكن صرخةً من أجل جورج وحده. كانت من أجل يولي وتوكا وبيورا ونوا، ومن أجل كل مرةٍ وقف فيها أحدٌ أمامي حتى لا أسقط، ثم اضطررت إلى مشاهدة ما يحدث له.
ارتفعت المانا حولي بعنف. النار خرجت من كفيّ، والماء من الهواء، والأرض ارتجفت تحت قدميّ. كانت العناصر تتجمع بلا ترتيب، وكان جسدي يحاول إخراج كل ما يملك دفعةً واحدة.
سمعت صوت أبي في ذاكرتي: القوة ليست أن تضرب بأقصى ما عندك. القوة أن تعرف متى، وأين، ولماذا تضرب.
أغمضت عينيّ.
تركت النار تتراجع. أبقيت الماء. أوقفت حركة الأرض. ثم دفعت المانا في خيطٍ واحد نحو الهواء المحيط بالمنجل.
رأيت الغبار يتحرك.
كانت غوتيا تستخدم تقنيةً تسميها «مقصّ الهلال»: تسحب الريح من خلفها لتزيد سرعة الضربة، ثم تضغطها عند طرف النصل حتى تصير حافةً لا تُرى. إذا جعلت الهواء يتحرك في الاتجاه المعاكس، فستفقد الضربة استقرارها.
فتحت عينيّ.
«انتهى الأمر.»
ضحكت غوتيا. «لا شيء ينتهي هنا.»
رفعت منجلها. قبل أن تطلق الضربة، دفعت الماء المتجمد من الأرض إلى الهواء، فانتشرت بلوراتٌ دقيقة حولها. لم تكن حاجزاً، بل علاماتٍ تكشف مسار الريح. ثم أطلقت دفعةً نارية صغيرة من جانبها، لا نحوها، بل في الفراغ الذي كانت تسحب منه الهواء.
اختل الضغط.
انحرفت شفرة الريح عن مسارها، واصطدمت بالأرض. اندفعت نحوها، وضربت السلسلة بسيفي. لم أحاول كسرها. جمّدت حلقاتها في موضعين، ثم ضربت المنجل من الجانب. طار من يدها، لكنه لم يسقط بعيداً؛ جذبته الريح من جديد.
كانت تعرف ما أفعل الآن.
قالت: «أنت تتعلم بسرعة.»
«تأخرت.»
«لا تقل ذلك. ما زال أمامك كثيرٌ لتفقده.»
حاولت أن تضغط الهواء حول عنقي. لكنني أطلقت المانا في الأرض، ثم دفعت كتلةً من التراب إلى الأعلى. لم يكن ضغط الهواء الذي تصنعه كافياً لتثبيت جسدي حين فقدتُ المسار الذي كانت توجهه عبره. انخفضت قوتها لحظةً، وتمكنت من الانفلات.
نظرت إلى جورج. لم يكن يتحرك. كان الدم قد تشبع في القماش حول معصميه، لكن صدره ما زال يرتفع. كان حياً.
عدت إلى غوتيا.
لم يعد هناك كلامٌ بيننا. تحركت السلسلة، وتحرك سيفي. ضربتني بمنجلها في كتفي، فشعرت بالعظم يصرخ. رددت بضربةٍ على جانبها، ثم استخدمت الريح لأدفعها نحو الصخرة. لم تكن ريحها وحدها في المكان؛ كانت رياحاً صغيرةً تتصادم حولنا.
في النهاية، لم أنتصر عليها بقوةٍ أكبر. انتصرت لأنني توقفت عن محاولة مجاراتها في الهواء، وجعلتها تقاتل فوق أرضٍ لا تستطيع التحكم في كل جزءٍ منها.
جمدت سطح الصخرة تحت قدميها، ثم دفعت النار من جانبها. وحين حاولت أن ترفع الريح لتقفز، أطلقت خيطاً من الماء نحو السلسلة، وجعلته يتجمد حول الحلقات. لم يثبتها طويلاً، لكنه أخذ منها نصف ثانية.
نصف ثانيةٍ كانت كافية.
وصل سيف أبي إلى صدرها.
لم يكن طعناً نظيفاً. قاومت، ودفعت الهواء حول النصل، فشعرت بمقبض السيف يهتز في يدي. تقدمت خطوةً أخرى، وغرست النصل حتى استقر.
توقفت غوتيا.
لم تسقط فوراً. نظرت إلى القلادة، ثم إلى وجهي. كانت عيناها بشريتين، وفيهما شيءٌ لا يشبه السخرية.
قالت: «هل وجدت ما كنت تبحث عنه؟»
لم أجب.
«لن تعود أمك. ولن يعود قريطوس. ولن يعود أولئك الذين أخذهم توم. أنت تقتل من بقي، ثم تظن أن العالم صار أقل خراباً.»
«لم أقتل من بقي. قتلتك أنت.»
ظهرت على وجهها ابتسامةٌ صغيرة، لا تشبه ابتسامتها القديمة. «هذا ما يقوله الجميع حين يحتاجون إلى أن يناموا.»
سقطت على ركبتها. مدّت يدها إلى القلادة، ولفت أصابعها حولها. كان الهلال قد انكسر عند طرفه، والصفائح الثلاث ملتفة حوله.
همست: «كان يرسمها على حافة كل لوحة... حتى حين لم يكن لديه ما يبيعه.»
ثم انحنى رأسها.
لم تتحول إلى دخانٍ أسود، ولم تنفجر طاقتها. بقي جسدها على الأرض، وثوبها الأبيض يتلطخ بالتراب. لم يكن موتها جميلاً ولا بطولياً.
أخرجت سيفي ببطء. سقطت القلادة في التراب، فالتقطتها. لم أكن أعرف إن كان عليّ أن أتركها قربها أم أحملها. وضعتها على صدرها، ثم تراجعت.
كان جورج ما يزال يتنفس.
ركعت إلى جانبه. لم أستطع أن أقول له إنني انتقمت. لم يكن هناك نصرٌ يمكن أن أقدمه لرجلٍ فقد يديه كي أبقى حياً.
قلت فقط: «لقد انتهت.»
فتح عينيه بصعوبة. «هي؟»
أومأت.
أغمضهما من جديد. لم يسأل عن يديه.
وكان ذلك أشد ما آلمني.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!