وتر الصاعقة
حين وصلت إميليا إلى المنصة الشمالية، كانت السماء قد بدأت تتغير مرةً أخرى. لم يعد البرق يضرب عشوائياً. صار يتحرك في خطوطٍ مستقيمة، تتجمع عند أطراف الأجنحة السوداء لفارخان، ثم تنطلق نحو الأرض على هيئة خيوطٍ رفيعة.
كان واقفاً في مركز المنصة، ماسكاً كمانه. لم يكن يبدو متعباً. كان يعزف نغمةً قصيرة، ثم يوقف القوس، ثم يعيدها. المغنيات اللواتي جمعهن وقفن خلفه في صفين. كنّ شاحبات، وعيونهن تتجنب النظر إلى الأرض التي سقطت عليها إحدى زميلاتهن قبل بداية الهجوم.
لم ينظر فارخان إلى إميليا حين وصلت. قال فقط: «تأخرتِ عن الإيقاع.»
وقفت على مسافةٍ مناسبة. «لن أغني لك.»
رفع رأسه ببطء. القناع الأبيض حجب عينيه وأنفه، لكن الجزء السفلي من وجهه تحرك بابتسامةٍ خفيفة.
«لم أطلب منك الغناء.»
«أنت لا تطلب. أنت تأخذ.»
حرك القوس فوق الأوتار. خرجت نغمةٌ منخفضة، ثم اهتز الهواء حول إميليا. شعرت بالمانا في عروقها تتشوش، كأن أحداً وضع يده على نبضها.
قال فارخان: «صوتك مألوف.»
لم تجب.
«ليس جميلاً بعد. لكنه يحمل شيئاً أعرفه.»
رفعت يدها. امتدت خيوطٌ رفيعة من المانا بين أصابعها، ثم اختفت في الهواء. لم تكن تعويذةً هجومية. كانت خيوط اتزان، تعلمت أن تجعلها تمر بين مسارات الطاقة وتعيد توجيهها. كانت تستخدمها في تدريب كالن، حين تلاحظ أن تدفق المانا لديه يندفع أكثر مما ينبغي.
قالت: «لا تعرفني.»
«لا يهمني من أنتِ.»
كانت تلك الجملة كافيةً لتعيدها إلى القاعة القديمة. إلى سيرين التي سقطت، وإلى الرجل الذي لم ينظر إليها مرةً أخرى.
قال فارخان: «لكنني أريد أن أسمعك.»
«لن تسمع شيئاً.»
ضرب القوس الوتر.
انفجرت الصاعقة من الأرض تحت قدميها. لم ترَ الضوء، لكنها شعرت بالحرارة تصعد من الحجر إلى ساقيها. قفزت إلى الخلف، وأطلقت خيوط المانا نحو الجانبين. لم تحاول صد البرق؛ فصلت مساره إلى خيطين، ثم جعلت أحدهما يمر عبر قضيبٍ معدني بعيد.
ارتجف القضيب، وانفجر طرفه.
رفع فارخان رأسه. «جيد.»
ثم بدأ يعزف أسرع.
لم تكن موسيقاه لحناً يمكن حفظه. كانت سلسلةً من الترددات، كل نغمةٍ تطلق صاعقةً مختلفة. بعضها سريعٌ كالإبرة، وبعضها ثقيلٌ كالمطرقة. كلما ارتفع الصوت، زادت كثافة البرق. وكلما انخفض، تحركت خيوطٌ سوداء من جناحيه لتلتف حول الأرض.
أطلقت إميليا خيوط الاتزان، ونسجت أمامها شبكةً رقيقة. اصطدمت بها الصواعق، فانحرفت إلى الجوانب. لكنها لم تستطع إيقافها كلها. اخترقت واحدةٌ كتفها، ومرّت أخرى قرب وجهها، فتركت خطاً أحمر على خدها.
تراجعت حتى اصطدمت بعمودٍ حجري.
قال فارخان: «أنت لا تسمعين.»
«أسمع بما يكفي.»
«لا. أنت تحاولين أن تفهمي الموسيقى بدلاً من أن تدعيها تدخل جسدك.»
رفعت رأسها. «أعرف ماذا تفعل بالأجساد حين تدخلها.»
لم يبدُ عليه أنه فهم. أو ربما لم يهتم.
أطلق «وتر الصاعقة»؛ نغمةً طويلة انخفضت معها الحرارة في القاعة فجأة، ثم ارتفعت في اللحظة التالية. تجمعت الكهرباء حول القوس، وتحوّلت إلى وترٍ أزرق امتد نحوها. لم يكن برقاً ينفجر، بل خيطاً مستمراً يبحث عن جسدٍ يمر عبره.
أطلقت إميليا خيطاً من المانا، ثم خيطاً ثانياً، وحاولت أن تقطع تردد الوتر. ارتجفت أصابعها. كان الضغط أقوى من قدرتها على التحكم، وشعرت بماناها تنفد بسرعة.
أدركت أن الخاتم الذي وضعه الشياطين في إصبعها لا يمنع السحر؛ إنه يضيّق مساره. كان عليها أن تدفع طاقةً أكبر لتخرج الخيط نفسه. لو واصلت، ستصل إلى نقطةٍ لا تستطيع بعدها الوقوف.
نظرت إلى الخاتم. لم تحاول نزعه. أخذت نفساً بطيئاً، وقللت تدفق المانا، ثم جعلت الخيوط أرفع. لم تعد تحاول أن تصد الوتر كله. صارت تستهدف اللحظة التي يتغير فيها اتجاهه بين نغمةٍ وأخرى.
قالت لنفسها إن الصوت ليس قوةً واحدة. إنه موجة، وله بداية ونهاية. وإذا استطاعت أن تقطع نقطة الانتقال، فسيفقد البرق اتصاله.
رفع فارخان القوس.
لمحت للحظةٍ شكل سيرين في وقفته. ليس وجهها، بل ميل الرأس الذي كانت تفعله حين تصعد إلى النغمة العالية. عاد إليها صوت أختها، دافئاً، غير كامل، يضحك في نهاية الأغنية.
«حين تكبرين، ستغنينها بنفسك.»
لم تكن إميليا تريد أن تغني من أجله. كانت تريد أن تسمع صوتها هي، ولو مرةً واحدة، دون أن يكون صدىً لصوت سيرين.
فتحت فمها.
خرجت نغمةٌ قصيرة.
لم تكن جميلةً على نحوٍ استثنائي. كانت خشنةً قليلاً، غير مستقرة، وفي نهايتها انكسارٌ صغير. لكنها كانت صوتها.
توقف فارخان للحظة.
«ذلك...»
استغلت إميليا اللحظة. أطلقت خيوط الاتزان حول الوتر الأزرق، ثم عكست اتجاهها عند نقطة التردد. لم تكن تقطع البرق؛ جعلته يعود عبر المسار الذي خرج منه.
ارتد الوتر نحو القوس.
انفجرت الكهرباء عند يدي فارخان. اهتزت الآلة، وتطايرت شراراتٌ حول أصابعه. لكنه لم يتركها. ارتفع أحد جناحيه، وسقطت موجةٌ من الدخان الأسود على الأرض.
قال بصوتٍ أكثر حدة: «أعيدي ذلك الصوت.»
«لا.»
ضرب القوس الوتر بعنف، مطلقاً «مطرقة الرعد». انطلقت صاعقةٌ أعرض من سابقتها، وشقت القاعة من طرفها إلى طرفها. لم تستطع إميليا تحويلها بالكامل. رفعت ذراعها، ونسجت شبكةً حول جسدها، لكن البرق اخترق الخيوط وألقاها على الأرض.
ارتطم ظهرها بالحجر. شعرت أن كتفها لا يتحرك، وأن جزءاً من صدرها فقد الإحساس. حاولت النهوض، لكن ساقها لم تستجب. كان فارخان يقترب، والكمان بين يديه.
قال: «أنتِ لا تفهمين. الأصوات الجميلة لا ينبغي أن تتوقف.»
رفعت رأسها بصعوبة. «هي لم تتوقف. أنت الذي لم تعرف كيف تسمعها.»
توقف.
لم يذكر اسم سيرين. لم يعرف من تكون. لم يتذكر الطفلة التي اختبأت خلف النافذة، ولا الفتاة التي نادت أختها قبل أن تموت. رأى فقط صوتاً يشبه شيئاً مرّ به من قبل.
قال: «هذا الصوت... أين سمعته؟»
«في المكان الذي قتلت فيه أختي.»
لم تتغير ملامحه. «أختك؟»
«سيرين.»
كرر الاسم ببطء، كأنه يختبر نغمته. «لا أتذكر.»
كانت تلك الإجابة أسوأ من إنكارٍ متعمد. لم يكن موت سيرين في ذاكرته حادثةً تستحق التذكر. لم تكن فتاةً عرفها، بل صوتاً فشل في إكمال نغمةٍ أرادها.
قال: «لكنني أذكر ذلك الانكسار.»
اندفع الغضب في إميليا، ثم هدأ. لم تسمح له أن يختار الحركة عنها. مدت يدها إلى الأرض، وأطلقت آخر ما بقي من المانا في خيطٍ واحد. لم توجهه إلى فارخان، بل إلى القوس الذي يمسكه.
كان القوس مشبعاً بالمانا، ومتصلاً بالوتر الكهربائي الذي يطلقه. حين مر الخيط عبر نقطة اتصال الوتر، جعلته ينعكس على نفسه.
ارتفعت الصاعقة من الآلة إلى جناحيه.
تصلب جسد فارخان. لم يصرخ فوراً. بقي ممسكاً بالقوس، وكأن عقله يرفض أن يترك الموسيقى تنقطع. ثم انطلقت الكهرباء عبر مفاصل جناحيه، فاشتعلت الأطراف السوداء بضوءٍ أزرق.
ترنح. سقط الكمان من يده، وارتطم بالأرض. حاول رفعه، لكن ذراعه لم تستجب.
وقفت إميليا بصعوبة. كانت ترتجف، والدم يسيل من فمها. لم تكن قد انتصرت بلا ثمن؛ لقد استهلكت معظم ماناها، وكانت على وشك فقدان الوعي.
نظر فارخان نحوها. «أنتِ... الصوت...»
قالت: «أنا إميليا.»
لم يعرف الاسم.
«وأختي كانت سيرين.»
مال رأسه. لم يظهر على وجهه ندمٌ ولا خوفٌ مفهوم. بدا كمن يحاول تذكر اسم نغمةٍ قديمة.
ثم سقط على ركبتيه.
لم تقترب منه. لم تمنحه اعترافاً بأنه فهم. بقيت واقفةً بعيداً، تسمع صدى آخر نغمةٍ في القاعة.
لم تشعر بالراحة.
لم تعد سيرين.
لم يعد صوتها في البيت، ولم تعد النافذة مفتوحةً على عودة أختين. ما تغير فقط أن فارخان لن يأخذ صوت فتاةٍ أخرى.
التفتت نحو المغنيات. كنّ واقفاتٍ في أماكنهن، لا يجرؤن على الحركة. بعضهن يبكين بصمت، وبعضهن ينظرن إلى الأرض.
قالت إميليا: «انتهى.»
لم يتحركن.
كررت بصوتٍ أضعف: «يمكنكن الخروج.»
كانت أول واحدةٍ تتحرك فتاةٌ ذات شعرٍ قصير. مشت ببطءٍ حتى وصلت إلى الباب، ثم التفتت، كأنها تنتظر أن يعود القوس إلى الوتر. لم يحدث شيء.
عندها بدأت الأخريات يتحركن.
جلست إميليا على الأرض. لم تستطع الوقوف أكثر. لم تبكِ حين تذكرت سيرين؛ كانت قد بكتها قبل سنواتٍ كثيرة، لكن دموعاً جديدةً خرجت حين سمعت إحدى المغنيات تهمس باسم أختها دون أن تعرفها.
لم تكن سيرين قد عادت.
لكن صوتها لم يعد ملكاً لفارخان.
✦ ✦ ✦
حين خرجت المغنيات من القاعة، لم يركضن نحو الحرية كما تخيلت. بعضهن وقفن عند الباب، ينظرن إلى الخارج ولا يعرفن إن كان العالم ينتظرهن أم ينتظر أن يعيدهن إلى قفصٍ آخر. إحداهن كانت تضع يدها على أذنها كلما سمعَت صوت معدنٍ يرتطم بالحجر. أخرى لم تستطع أن تخطو فوق عتبة الباب، كأنها ما زالت تنتظر إشارة القوس.
جلست إميليا على الأرض، وطلبت منهن أن يقتربن واحدةً واحدة. لم تسألهن عن أصواتهن أولاً. سألت عن أسمائهن.
قالت الأولى: «ماريا.»
ثم قالت الثانية: «إيلين.»
أما الثالثة، فبقيت صامتةً وقتاً طويلاً قبل أن تهمس: «لا أذكر اسمي الحقيقي.»
لم تجبرها إميليا على الإجابة. ناولتها قطعة قماشٍ وابتعدت قليلاً.
قالت ماريا: «كان يسجلنا بالأرقام. إذا أخطأنا، كان يبدل الرقم في السجل ولا ينادي الاسم.»
«لن أترك الأسماء تضيع.» قالت إميليا.
«هل ستكتبينها؟»
«سأكتبها. وإذا لم تتذكري اسمك الآن، سأترك لك صفحةً فارغة حتى تعود إليك.»
لم يكن ذلك وعداً بإعادة ما سُرق. كان اعترافاً بأن ما فقدنه لا يختصرهن.
حين وقفت إميليا أخيراً، كانت ساقاها ترتجفان. لم تنظر إلى جسد فارخان. لم تكن تريد أن ترى إن كان لا يزال يتنفس. لم يكن موتُه أو بقاؤه هو ما يشغلها الآن. كان هناك سجلٌ من الأسماء، ونساءٌ لا يعرفن إلى أين يذهبن، وصوت أختها الذي لم تستطع إنقاذه.
وضعت يدها على صدرها. لم تسمع سيرين. سمعت فقط نبضها هي، متقطعاً ومتعباً، لكنه ما زال موجوداً.
وكان عليها أن تتعلم كيف تعيش بصوتها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!