الممر الشرقي
لم يصل إلينا الهجوم من الجهة التي توقعناها.
بعد انكسار شبكة البرق، ظننت أن أنوس سيرسل القوة الرئيسية إلى الوادي كي يستغل اضطراب الصفوف. لكنه ترك المقدمة تضغط علينا، ودفع مجموعةً من الشياطين المتوسطة نحو الشرق. لم تكن المجموعة كبيرة، لكنها تحركت في صمتٍ من خلف الصخور، مستفيدةً من الدخان الذي غطى الممر.
وصل التحذير من ميرا قبل أن نراهم. أطلقت سهماً في الهواء، لا ليصيب أحداً، بل لتجعل رأسه ينفجر بوميضٍ أبيض فوق المرتفع. كانت تلك الإشارة التي اتفقوا عليها: التفافٌ جانبي، لا يستطيع الرماة التعامل معه من مواقعهم الحالية.
قال إيثان عبر رسولٍ وصل إلى الخط الخلفي: «ثبّتوا الوسط. لا تسحبوا الاحتياط حتى تتأكدوا من حجم القوة الشرقية.»
لكن الممر الشرقي لم يكن ينتظر أن يتأكد أحد. كانت أول مجموعةٍ من الشياطين قد وصلت إلى الحاجز الذي صنعه ميرك. ضرب أحدهم الوتد الحجري بذراعه، فارتجت الحبال، وبدأت العربة التي تحمل الألواح تميل نحو المنحدر.
كان ميرك عند الجانب الآخر. قفز إلى العجلة، وأدخل قضيباً معدنياً بين المحور والحافة. صرخ به رودان أن يبتعد، لكنه أجاب: «إذا تركتها الآن، ستسحب الحاجز كله معها!»
لم يكن يبالغ. كانت العربة تحمل ألواحاً ثقيلةً ثبتت بينها أوتادٌ مائلة. إذا انزلقت، ستفتح مساراً للشياطين نحو الطريق الخلفي.
اندفع رودان إلى المقدمة. رفع رمحه وضرب أول شيطانٍ في ركبته، ثم دار بجسده ليتفادى مخلباً مرّ فوق كتفه. لم يكن شاباً، ولم تكن حركته سريعةً كما كانت قبل سنوات، لكنه عرف كيف يجعل ضربةً واحدة تشتري لرفاقه خطوةً كاملة.
صاح: «تافن! لا تتقدم وحدك!»
كان تافن يحاول الوصول إلى جنديٍ سقط قرب العربة. لم يترك الدرع، لكنه دفعه أمامه كي يغطي الجريح. تلقى ضربةً على حافة الدرع، فارتد إلى الخلف وارتطمت ساقه بصخرة. كاد يسقط، لكنه ثبت قدميه.
قال الجندي المصاب: «اتركني. اذهب!»
أجاب تافن وهو يلهث: «لو كنت أريد الذهاب، لما جئت إليك.»
كان صوته مرتجفاً. لم يكن في تلك الجملة بطولةٌ متقنة؛ كانت مجرد حقيقةٍ خرجت منه قبل أن يفكر فيها.
في الأعلى، أطلقت ميرا سهماً آخر. أصاب مفصل جناح شيطانٍ يحاول تجاوز المرتفع، فانحرف وسقط على الصخور. لكن اثنين آخرين صعدا من الجانب الأيسر، حيث لا تصل الرؤية بوضوح. أدارت جسدها، وأطلقت سهماً قريباً من وجه الأول، ثم آخر في كتف الثاني. لم تقتلهما، لكنها أبطأت حركتهما حتى وصل إليهما رماةٌ من الوحدة المجاورة.
قالت في نفسها إنها تستطيع العودة إلى المنزل بعد هذه المعركة. ثم رأت الممر يمتلئ بالجنود، وأدركت أن كلمة «بعد» صارت أوسع مما كانت تظن.
تمكن ميرك أخيراً من تثبيت العربة. لكنه دفع القضيب المعدني بقوةٍ جعلته ينزلق، فجرح ساعده حتى العظم. لم يتوقف. لف قطعة قماش حول ذراعه، ثم أخذ مطرقةً صغيرة وبدأ يضرب الوتد الأخير.
صرخ أحد الشياطين من خلفه. التفت ميرك متأخراً.
سبق رودان المخلب. تلقاه على درعه، فالتوى المعدن فوق صدره. سقط على ركبةٍ واحدة، لكنه دفع رمحه في بطن المخلوق. خرج منه سائلٌ أسود، ثم انهار.
قال ميرك: «أنت بخير؟»
رد رودان: «إذا سألتني مرةً أخرى، سأجعلك تحمل الحاجز وحدك.»
لم يضحك ميرك. رأى الدم يسيل من تحت حافة الدرع، ورأى أن رودان يضغط بيده على جنبه كلما حاول الوقوف.
وصلت مجموعةٌ من الشياطين إلى مدخل الممر. كانت أجسادها مغطاة بصفائح عظمية، وفي أذرعها شفراتٌ قصيرة. لم تكن سريعة، لكنها كانت تتحرك معاً. كلما ضرب أحدها، تقدم الآخر ليغطيه.
رفع تافن درعه أمام الجندي المصاب. ارتطمت به أول ضربة، ثم الثانية. لم يكن الدرع مصنوعاً لتحمل ذلك القدر من القوة. تشقق طرفه، واهتزت يده حتى سقطت أصابعه عن المقبض.
قال رودان: «تراجع!»
لم يتحرك تافن.
«تافن! هذا أمر!»
نظر الشاب خلفه. رأى الجرحى يحاولون الزحف نحو الطريق، ورأى ميرك لا يزال عند العربة، وميرا أعلى المرتفع لا تستطيع ترك موقعها. كان يستطيع التراجع. لم يكن أحد سيصفه بالجبان لو فعل.
لكنه تذكر الرسالة التي لم يرسلها. تذكر أنه كتب لأمه أنه لا يخاف، وأنه أراد أن يمزق الورقة لأنه كذب عليها. لم يعد يريد أن يثبت أنه لا يخاف. أراد فقط أن يمنح الآخرين وقتاً كي يبتعدوا.
رفع الدرع بيديه الاثنتين.
«اذهبوا!» صرخ في الجرحى.
اندفع أول شيطان نحوه، فضرب الدرع بمطرقةٍ عظمية. انحنى تافن، وارتطمت حافة الدرع بكتفه. شعر بشيءٍ ينخلع في مفصله، لكنه أمسكه. ثم جاءت الضربة الثانية، فسمع صوت الخشب والمعدن يتشققان معاً.
وفي اللحظة التي اقترب فيها الموت، لم يرَ الوادي.
رأى مطبخ أمه في آخر الشتاء. كان الفرن صغيراً، وبابه لا يغلق تماماً، لذلك كانت تضع قطعة قماشٍ مطوية عند الحافة كي لا يتسرب الدخان إلى الغرفة. كان يجلس على المقعد الخشبي، يمد قدميه نحو الدفء، وينتظر أن تخرج الأرغفة. وحين كانت تضع الخبز على الطاولة، كان يمد يده قبل أن يبرد، فتضرب أصابعه بخفة وتقول: «ستحرق فمك. انتظر قليلاً.»
كان يجيبها دائماً: «أعرف.» ثم يأكل أول قطعةٍ وهي لا تزال ساخنة، لأنها كانت تترك له الطرف الأكثر تحمراً.
تذكر أنه كتب لها أنه لا يخاف. أراد أن يقول لها الآن إنه خاف منذ اللحظة الأولى، وإن يديه كانتا ترتجفان حين حمل الدرع، وإنه لم يكن شجاعاً كما تخيلت. لكنه تذكر أيضاً أنه بقي، وأن الجرحى عبروا الممر، وأن أمه لم تكن تحتاج إلى ابنٍ لا يخاف بقدر ما كانت تحتاج إلى ابنٍ يحاول العودة إليها.
لم يعرف إن كان ذلك كافياً.
لم يرَ الضربة الثالثة. كانت شفرةٌ طويلة قد مرت من جانب الدرع واخترقت جسده أسفل الأضلاع. لم تكن عميقةً بما يكفي لقتله فوراً، لكنها دفعته إلى الوراء، وأسقطته على ركبته.
رأى رودان ذلك، واندفع نحوه. لكن شيطاناً آخر قطع الطريق بينهما. صرخ رودان باسمه، ثم تلقى ضربةً على جانب رأسه جعلته يفقد توازنه.
حاول تافن أن ينهض. لم تستجب ساقه. نظر إلى الدم فوق درعه، ثم إلى الجندي الذي كان قد حماه. كان الرجل قد ابتعد أخيراً.
همس: «جيد.»
لم يسمعه أحد.
اقترب شيطانٌ ثالث. رفع تافن الدرع المتشقق أمامه مرةً أخرى، لا ليصد الضربة، بل ليمنعها من الوصول إلى الممر للحظةٍ واحدة. انكسرت الحافة، وسقطت قطعةٌ منها على الأرض. اخترق النصل صدره هذه المرة، ثم خرج من ظهر الدرع.
لم يصرخ. فتح فمه، لكن الهواء لم يخرج كما أراد. شعر بدفءٍ غريب ينتشر تحت درعه، ثم بدأ العالم يبتعد عنه.
كان آخر ما سمعه صوت ميرا من أعلى المرتفع، تصرخ باسمه. لم يستطع أن يرفع رأسه ليراها.
حين وصل رودان أخيراً، كان الشيطان قد ابتعد. سقط الرقيب بجانب تافن، ووضع يده على الجرح، ثم ضغط بكل ما بقي في ذراعه من قوة.
«ابقَ معي.»
حاول تافن أن يبتسم. خرج من فمه دمٌ قليل، واختفت الابتسامة قبل أن تكتمل.
«هل... وصلوا؟»
نظر رودان إلى الممر. كان الجرحى قد عبروا. كانت العربة ثابتة. كان الطريق لا يزال مفتوحاً.
«نعم.»
أغمض تافن عينيه لحظة. «إذن... لم أفسد الأمر.»
«لم تفسد شيئاً. اسمعني. ستعود إلى أمك، وستأكل الخبز الذي تتحدث عنه حتى تكرهك.»
حرك تافن شفتيه. لم يخرج صوتٌ واضح. أخرج الورقة المطوية من جيبه بصعوبة، ودسها في يد رودان.
«لا تقل لها...» توقف. «لا تقل لها إنني لم أكن شجاعاً.»
قبض رودان على الورقة. كانت يداه ترتجفان، ولم يعرف إن كان ذلك بسبب الدم أم بسبب شيءٍ لم يعد يستطيع السيطرة عليه.
قال: «سأقول لها إنك كنت خائفاً، وأنك بقيت.»
لم يتحرك تافن بعد ذلك.
ظل رودان ضاغطاً على الجرح حتى بعدما عرف أن الضغط لم يعد يفيد. كان يسمع صوت الممر، وصوت ميرك وهو يناديه، وصوت ميرا وهي تهبط من المرتفع. لكنه لم يستطع أن يرفع يده عن صدر الصبي.
حين وصل ميرك، وضع المطرقة جانباً وجثا. لم يجد نكتةً يقولها. لم يجد حتى كلمةً يعتذر بها.
أما ميرا، فجلست على الأرض أمام تافن. لم تبكِ فوراً. مدت يدها نحو حزامه وأغلقت المشبك الذي كان يتركه مفتوحاً دائماً، ثم نظرت إلى وجهه.
قالت بصوتٍ خافت: «كنت سأعلمك كيف تصيب الهدف من أول مرة.»
لم يرد.
بدأت دموعها تسقط أخيراً، لكنها لم تصدر صوتاً. كانت تعرف أن عليهما مواصلة الدفاع عن الممر، وأن الجنود لا يستطيعون التوقف عن القتال لأن أحدهم مات. وكان ذلك أسوأ ما في الحرب: أنها لا تنتظر حتى ينتهي الناس من وداع موتاهم.
حمل رودان جسد تافن إلى جانب الصخرة، وغطاه بعباءةٍ ممزقة. وضع الورقة في جيبه الداخلي، قريباً من رسمة ابنته.
ثم نهض.
كانت ساقه لا تحمل وزنه جيداً، وكان الدم يملأ جانب درعه. لكنه أمسك رمحه، ونظر إلى ميرك وميرا.
«الطريق ما زال مفتوحاً.»
أومأ ميرك.
قالت ميرا: «لن نتركه هنا وحده.»
«لن نتركه.» رد رودان. «لكننا لن نسمح لهم أن يجعلوا موته بلا معنى.»
لم يكن ذلك وعداً بالنصر. كان وعداً صغيراً، وربما ظالماً، لكنه الشيء الوحيد الذي استطاعوا حمله معهم إلى بقية الحرب.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!