وضع القراءة:

قريطوس وليلسوص

لم تكن غوتيا تعرف كيف تسكت حين يقترب اسم قريطوس منها. كانت تسخر من كل شيء، وتستهين بالموت، وتستمتع برؤية الخوف في عيون الآخرين. لكن ذلك الاسم كان يغيّر وجهها قبل أن تستطيع إخفاء التغير.
حين ذكرتُه في الممر، لم ترَني. رأت شيئاً خلفي، زمناً لم يعد موجوداً، ويداً كانت تمسك بيدها قبل أن تصبح السلاسل امتداداً لجسدها.
قبل أن تصير غوتيا قائدةً لطائفة الغول، كانت تُدعى ليلسوص.
عاشت مع قريطوس في بيتٍ صغير على أطراف قريةٍ زراعية. كان رساماً فقيراً، لا يبيع لوحاته إلا نادراً، لكنه كان يعرف كيف يلتقط الأشياء التي لا ينتبه إليها أحد: شكل الضوء على سطح الماء، أثر المطر على جذع شجرة، وتجعد أصابع ليلسوص حين تبرد.
لم يكن زواجهما غنياً، لكنه كان ممتلئاً بأشياء صغيرة. كانت ليلسوص تعجن الخبز وهو يرسم قرب النافذة. إذا جف الحبر، ذهبت إلى السوق لتشتري له علبةً جديدة، ثم تعود لتجده قد رسمها وهي تحمل الخبز. كان يضع في زاوية كل لوحة هلالاً صغيراً تحيط به ثلاثة خطوطٍ ملتفة. قال لها مرةً إنه يشبه حركة الريح حين تدور حول ضوء القمر.
صنعت له قلادةً من المعدن، ونقشت عليها الرمز نفسه. لم تكن تعرف أن العلامة ستظهر يوماً على أسلحة الشياطين، ولا أن أحداً سيستخدمها ليخفي خلفها جرائم لا تشبه الفن في شيء.
بدأ مرض قريطوس بضعفٍ في أطراف أصابعه. كان يعتقد أنه من كثرة الرسم، ثم صار ينسى الألوان، ثم لم يعد يستطيع الوقوف طويلاً. اصفرّ وجهه، وظهرت تحت جلده خطوطٌ داكنة كأن حبره تسرب إلى عروقه.
ذهبت ليلسوص إلى الأطباء. لم يعرفوا السبب. اقترح أحدهم أن تسافر إلى مدينةٍ أكبر، حيث يوجد معالجون يتعاملون مع أمراض المانا. لم يكن لديهم المال. وبعد أيامٍ، وصل رجلان يحملان رايةً عليها الهلال والثلاثة خطوط.
قالا إنهما يعملان مع مؤسسةٍ تبحث في أمراض المانا النادرة، وإنهما يستطيعان علاج قريطوس مقابل أن يخضع لفحوصٍ منتظمة. لم يطلبا منهما الانضمام إلى شيءٍ، ولم يخبراها أن المؤسسة تجري تجارب على البشر والوحوش والأنصاف، وأنها تحاول نقل خصائص الكائنات من جسدٍ إلى آخر.
وافقت ليلسوص لأن زوجها كان يموت.
في المركز الأول، وضعوا قريطوس في غرفةٍ نظيفة، وحقنوا ذراعه بمحلولٍ أزرق. قالوا إن العلاج سيعيد تدفق المانا إلى أطرافه. في الأيام الأولى، تحسن قليلاً. استطاع أن يحرك أصابعه، ورسم خطاً واحداً على ورقةٍ بيضاء. بكت ليلسوص حين رأته يمسك القلم.
ثم بدأ الألم.
كانت التجارب تقارن بين مسارات المانا البشرية ومسارات بعض الوحوش. أرادوا معرفة ما إذا كان بالإمكان زرع قدرةٍ جسدية في جسدٍ بشري دون أن ينهار. قريطوس لم يكن اختياراً مناسباً، لكنه كان يملك حساسيةً نادرةً تجاه تدفق المانا. استطاع أن يرى أنماطها في الضوء، وكان ذلك ما جذبهم إليه.
أخفوا عنه نتائج الفحوص. قالوا لليلصوص إن جسده يحتاج إلى جرعاتٍ إضافية. كل جرعةٍ كانت تجعل خطوط السواد تحت جلده تتسع. صار ينام ساعاتٍ طويلة، ثم يستيقظ وهو لا يعرف أين هو. في إحدى الليالي، أمسك يدها وقال: «لا تدعيهم يأخذون صوتك أيضاً.»
لم تفهم قصده.
بعد أسبوع، نقلوهما إلى منشأةٍ أخرى. كانت تحت الأرض، وفي ممراتها أقفاصٌ للوحوش، وغرفٌ زجاجية تحتوي على أجسادٍ لا تعرف إن كانت حيةً أم تحتضر. رأت ليلسوص أطفالاً ونساءً ورجالاً يحملون علاماتٍ سوداء على معاصمهم. لم يسمحوا لها بالاقتراب.
حين سألت عنهم، قال الطبيب إنهم متطوعون.
لكنها سمعت صراخاً من خلف بابٍ معدني.
في تلك الليلة، حاولت الهرب مع قريطوس. لم يستطع الوقوف، فحملته على ظهرها حتى وصلت إلى ممرٍ جانبي. كان جسده ثقيلاً، وأنفاسه قصيرة. قبل أن يبلغا الباب، أُغلق الممر بحاجزٍ من المانا.
ظهر المشرف على التجارب، وقال إن ليلسوص لا تستطيع المغادرة بعد أن شاهدت ما لا يحق لها رؤيته. أمر الحراس بإعادتهما إلى الغرفة.
لم تقاوم ليلسوص من أجل نفسها. قاومت من أجل قريطوس. ضربت أحد الحراس بقطعة معدن، وكسرت أنف آخر، لكنها تلقت ضربةً في رأسها جعلتها تسقط. وحين فتحت عينيها، وجدت زوجها مربوطاً إلى سريرٍ معدني.
كانوا قد قرروا استخدامه في التجربة الأخيرة.
قال الطبيب إنهم سيحاولون نقل قدرةٍ من وحشٍ ريحي إلى مسارات المانا في جسده. إذا نجحت العملية، سيستعيد القدرة على الحركة. وإذا فشلت، فلن يكون هناك ما يمكن فعله.
كانت ليلسوص تعرف أن كلمة «إذا فشلت» تعني موته.
قالت إنها ستأخذ مكانه.
رفض قريطوس. حاول أن يرفع يده، لكن أصابعه لم تستجب. نظر إليها، ثم قال: «لا أريد أن أعيش إذا كان ثمن ذلك أن أفقدك.»
أجابته: «وأنا لا أريد أن أعيش من دونك.»
لم يكن بينهما اتفاقٌ على النجاة. كانا فقط يرفضان أن يترك أحدهما الآخر وحده.
في الليلة التالية، نقلوا قريطوس إلى غرفة الاختبار. لم يعرفوا أن ليلسوص أخفت قطعةً من المعدن في ثوبها. حين بدأ الجهاز يطلق النبضات، قطعت الرباط عن معصمها، وهاجمت الحارس الأقرب. وصلت إلى سرير زوجها، وحررت يده.
لكن التجربة كانت قد بدأت.
اندفعت المانا من الوحش المحبوس في القفص، ثم دخلت في مسارات قريطوس. لم يتحمل جسده ذلك. تشققت الأوردة تحت جلده، وارتفع صدره بقوةٍ حتى ظنت ليلسوص أنه سيقف. ثم توقف كل شيء.
حملته بين ذراعيها. كان جسده بارداً، وعيناه مفتوحتين دون أن ترياها.
همس: «اللوحة...»
لم تفهم.
«لم أرسمكِ بعد.»
كانت تريد أن تقول له إن اللوحة لا تهم، وإنها تريد أن يفتح عينيه. لكنها لم تستطع. بقيت تحتضنه حتى انقطع نفسه الأخير.
بعد موته، أعادوها إلى غرفةٍ أخرى. لم يريدوا أن يقتلوها؛ كانوا قد اكتشفوا أن جسدها استجاب لبقايا المانا الريحية التي خرجت من التجربة. كانت قادرةً على تحمل ما لم يستطع قريطوس تحمله. قرروا أن يجعلوها حاملاً للصفة، وأن يزرعوا في جسدها خصائص الوحش.
لم تكن العملية علاجاً. كانت تحويل إنسانٍ إلى شيءٍ يمكن استخدامه.
بدأت تسمع الريح قبل أن تتحرك، ثم صارت تشعر بالضغط في الهواء كأنه امتدادٌ لأصابعها. نمت القرون من رأسها، وخرج الضباب الأسود من حولها. لم تعد تعرف إن كان الصوت الذي تسمعه صوتها أم صوت الوحش الذي زُرع فيها.
في إحدى الليالي، وجدوا وسيلةً لإخراجها من المنشأة. لم تهرب وحدها؛ فتحت الأقفاص، وأطلقت الوحوش، وحررت بعض الأسرى. لكن كثيرين ماتوا في الفوضى. كانت تملك قوةً لم تفهمها، وغضباً لا يعرف أين يتوقف.
خرجت إلى العالم باسمٍ جديد. أخذت اسم غوتيا من سجلٍ كان على باب غرفة التجارب، وأصبحت قائدةً لمنبوذين لا يريدهم أحد. قالت لهم إن العالم صنع منهم وحوشاً، وإن عليهم أن يجعلوه يخاف من الوحوش التي صنعها.
لم تكن تكذب بالكامل.
لكنها لم تكن تقول الحقيقة كاملةً أيضاً.
كانت تعاقب كل من يشبه أولئك الذين سلبوا قريطوس، ثم بدأت تعاقب من لا علاقة لهم بهم. وجدت في الخوف سلطةً، وفي السيطرة بديلاً عن العجز. كلما مات شخصٌ أمامها، تذكرت الرجل الذي لم تستطع إنقاذه، ثم أقنعت نفسها أن الندم ضعفٌ ينبغي سحقه.
أما القلادة، فاحتفظت بها. كان قريطوس قد صنعها من قطعة معدنٍ رخيصة، ونقش عليها علامته الخاصة. بعد موته، سرقت المؤسسة الرمز من لوحاته وسجلاته، وحولته إلى علامةٍ لبرنامج التجارب. صار الهلال يطبع على الأدوات والبلورات والوثائق التي تربط بين البشر والوحوش.
لم تكن العلامة في أصلها شعار المؤسسة.
كانت توقيع رسامٍ أحب زوجته.
وهذا ما جعلها أكثر قسوة.
في الأيام الأخيرة التي سبقت اختفاء ليلسوص، جمعت ما بقي من قوتها ورسمت هي بنفسها لوحةً لقريطوس. لم تكن تعرف الرسم كما كان يعرفه، لكنها وضعت في زاويتها الهلال وثلاثة الخطوط، ثم كتبت في الخلف اسمه. أرسلتها إلى شخصٍ ظنت أنه يستطيع إيصالها إلى مكانٍ آمن.
لم تعرف أن اللوحة ستصل إلى قصر توم، ولا أن كالن سيقرأ الرمز بعد سنواتٍ ويعيد اسم قريطوس إلى اللسان الذي حاول نسيانه.
حين انتهت الذكرى، لم تكن غوتيا قد عادت إلى الممر بعد. كانت الريح تدور حولها، وتخفي وجهها.
لم أكن أعرف كل هذا حين وقفت أمامها. لم أكن أعرف أن زوجها مات في سريرٍ معدني، ولا أن الرمز الذي حملته كان توقيعاً مسروقاً. كنت أعرف فقط أن امرأةً قتلت والديّ، وأنها تقف أمامي الآن.
لم يكن ماضيها عذراً.
لكنه لم يعد لغزاً أيضاً.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.