وضع القراءة:

أربعة مقاعد حول النار

وجدت رودان وميرا وميرك وتافن قرب العربة التي تحمل أدوات الحواجز. لم يكونوا جالسين حول قدرٍ كما في الليلة السابقة؛ كانوا يحاولون إصلاح عجلةٍ مائلة، وقد وضع ميرك كتفه تحت المحور بينما يضرب رودان وتداً خشبياً بمطرقةٍ صغيرة.
قال ميرك: «إذا ضربتَ أكثر، ستكسر الوتد.»
أجابه رودان: «وإذا لم أضرب، ستسقط العربة.»
«إذا سقطت، نستطيع إصلاحها.»
«وإذا كسرت الوتد؟»
«نصنع وتداً آخر.»
قالت ميرا من فوق العجلة: «وإذا سقطت العربة على رأسك، سنحتاج إلى مهندسٍ آخر.»
رفع ميرك رأسه. «لا أحد يستطيع تعويض موهبتي.»
رد تافن وهو يمسك الحبل: «هذا صحيح. لا أحد غيرك يستطيع صنع مقعدٍ يسقط قبل أن يجلس عليه صاحبه.»
ضحك رودان، ثم أشار إليّ. «انظروا من عاد. صاحب السيف الذي يتسبب في زيادة عملنا.»
قلت: «لم ألمس العربة.»
«بعد.» قال ميرك. «لكنني أفضّل أن أتهمك قبل أن يحدث الأمر.»
كانت تلك خفةً صغيرة وسط الاستعداد، لكنها بدت حقيقية. لم يكن أحد منهم يحاول إقناع نفسه بأن الحرب لعبة. كانوا فقط يصنعون مساحةً قصيرة لا يبتلعها الخوف.
ناولني تافن حبلاً. «هل تمسكه من هنا؟»
أخذته. كانت يداه أصغر مما توقعت، وعليهما خدوشٌ قديمة من التدريب. حاول أن يربط العقدة مرتين، ثم فشل في المرة الثالثة.
قال رودان: «لا تشدها من الطرف الخطأ.»
«أنا لا أشدها من الطرف الخطأ.»
«إذن الحبل هو الذي يعاندك.»
ابتسم تافن بحرج. «ربما.»
اقتربت ميرا، وأخذت الحبل منه. ربطته بسرعةٍ ثم أعادته إليه. «راقب أين تمرّ العقدة. لا تحفظ الحركة فقط.»
أومأ. لم يبدُ غاضباً. كان معتاداً على أن يتعلم أمامهم، وربما كان ذلك من الأشياء التي أحبها في هذه المجموعة: لم يكن عليه أن يتظاهر بأنه يعرف كل شيء.
سألت رودان عن المهمة الجديدة. أشار إلى الممر الشرقي على الخريطة الصغيرة المعلقة بالعربة. «سنحمي طريقاً ضيقاً يصل بين المرتفع والخط الخلفي. إذا سقط الخط الأول، يجب أن تبقى العربات قادرةً على نقل المصابين. لا نحتاج إلى قتل كل شيطانٍ يقترب. نحتاج إلى أن نمنعهم من إغلاق الطريق.»
قال ميرك: «وقد أعطوني نصف ساعة وحبلين وأربعة رجال. لو أرادوا جداراً، لكان عليهم أن يرسلوا حجارةً أكثر.»
«لن نبني جداراً.» قلت. «سنصنع نقاط إبطاء. حواجز صغيرة متداخلة، بحيث لا يستطيع العدو أن يزيلها كلها بضربةٍ واحدة.»
نظر إليّ ميرك باهتمام. «هذا كلامٌ أحب سماعه. أخيراً شخصٌ يفهم أن الخشب ليس ضعيفاً، بل يحتاج إلى من يستخدمه بطريقةٍ صحيحة.»
قالت ميرا: «لا تشجعه. سيبني متحفاً للحبال.»
أخرج ميرك من جيبه قطعةً صغيرة من الخشب، ونحتها بسكينه. كانت تشبه عجلة طاحونةٍ مصغرة.
«ما هذه؟» سألت.
«نموذج.»
«للعربة؟»
«للطاحونة التي سأصلحها حين أعود.»
لم يسخر أحد. قلبها بين أصابعه، ثم أضاف: «أبي تركها لي قبل أن يموت. لم أكن أعرف كيف أصلحها وقتها. ظننت أنني سأتعلم لاحقاً. الآن أعرف، لكنني لا أملك الوقت.»
قال رودان: «ستملك الوقت.»
«لا تقل ذلك كأنك تملك مفتاحه.»
خفض رودان عينيه. «أنت محق. لا أملكه. لكنني لا أريد أن أسمعك تتحدث عن ورشتك كأنها قبر.»
كان تافن يستمع بصمت. ثم قال: «أمي ستفتح الفرن غداً قبل الفجر. كانت تفعل ذلك كل يومٍ حتى في الشتاء. إذا عدت، سأطلب منها أن تصنع لي خبزاً يكفي أسبوعاً.»
قالت ميرا: «ستأكله في يومين.»
«ثلاثة.»
«يومان ونصف.»
«اتفقنا.»
ضحكوا. ثم أخرج تافن ورقةً مطوية من جيبه، وتأكد أنها ما تزال جافة. كانت رسالةً كتبها لأمه. لم يقرأها أمامنا، لكنه ظل يمرر إبهامه على حافتها.
سأله رودان: «أرسلتها؟»
«لا.»
«لماذا؟»
«لأنني كتبت فيها أنني لا أخاف.»
سكت لحظة، ثم قال: «وهذا ليس صحيحاً.»
لم يحاول ميرك أن يخفف الأمر بنكتة. أخذ الورقة منه، لكنه لم يفتحها. أعادها إليه وقال: «اكتب الحقيقة إذاً.»
«أي حقيقة؟»
«أنك خائف، وأنك تريد الخبز، وأنك لا تحب درعك لأنه أوسع من كتفك، وأنك تريد العودة. كل هذا لا يجعلك أقل شجاعة.»
قال رودان: «أمك لا تحتاج إلى رسالةٍ من جنديٍ لا يخاف. تحتاج إلى رسالةٍ من ابنها.»
طوى تافن الورقة من جديد. لم يكتب شيئاً. لكنه لم يعد يخفيها في جيبه كما لو كانت كذبةً يخجل منها.
في وقتٍ لاحق، رأيت رودان يخرج صورةً صغيرة من جيب معطفه. كانت رسمة ابنته للطاحونة. رسمته أطول من الباب، بذراعين مبالغٍ في حجمهما، وقدمٍ واحدة فقط. ضحك حين سألته عن القدم الأخرى، ثم قال إن ابنته كانت قد تعبت من الرسم.
«قالت إنني سأصلح العجلة حين أعود، ثم أحملها على كتفي كي ترى النهر من فوق.»
مرّر إصبعه على وجهه المرسوم. لم يكن في الصورة شيءٌ يشبهه سوى الندبة فوق حاجبه. لكنه احتفظ بها بعنايةٍ جعلتني أفكر في الأشياء التي يختار الناس حملها حين يغادرون بيوتهم.
أما ميرا، فكانت تحمل قطعة قماشٍ زرقاء مربوطة حول معصمها. قالت إنها من ثوب أمها. لم تكن تعتقد أن القماش يجلب الحظ؛ كانت فقط تريد شيئاً يذكرها بالنافذة التي وعدتها أمها أن تتركها مفتوحة.
«كنت أدخل من النافذة حين أعود متأخرة.» قالت. «أمي كانت تعرف، لكنها تتظاهر بأنها لا تعرف. إذا عدت، سأدخل من الباب هذه المرة.»
قال ميرك: «ستكونين قد كبرتِ.»
«وسأظل أستطيع دخول النافذة.»
لم يرد. ربما لأنه فهم أن بعض الأشياء التي نقولها لا نريد من أحدٍ أن يصححها.
حين غادرتهم، طلب مني تافن أن أنتظر. أعطاني قطعة خبزٍ صغيرة ملفوفة بقماش.
«احتفظ بها.» قال.
«لماذا؟»
«لأنك لا تأكل حين تنشغل. رأيتك أمس تترك الطعام حتى برد.»
أردت أن أرفض، لكنه أضاف: «لا تجعلني أندم على أنني أعطيتك شيئاً.»
أخذتها. كانت قطعةً صغيرة لا تكفي لإسكات جوعٍ حقيقي، لكنني وضعتها في جيبي كما لو أنها شيءٌ أثمن من الطعام.
عدت إلى خيمتي وأنا أفكر في تافن. لم يكن بطلاً، ولم يكن شجاعاً طوال الوقت. كان شاباً يريد خبز أمه، ويخاف من النوم، ويخطئ في عقد الحبال. وهذا بالضبط ما جعلني أريد أن يعود.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.