وضع القراءة:

السماء التي انغلقت

اختير المضيق الأسود لأنه لم يكن مضيقاً بالمعنى الذي تقوله الخرائط وحده. كان شقاً طويلاً بين مرتفعين من حجرٍ بركاني داكن، تتفرع منه أودية ضيقة، وفي شرقه ممرٌ صخري يصل إلى الطريق الخلفي. في بعض المواضع، لا يستطيع ستة فرسان أن يسيروا متجاورين. وفي مواضع أخرى، تنفتح الأرض فجأةً إلى ساحةٍ تكفي لاندفاع كتيبة.
كانت الجبال تحجب الرؤية عن أجزاءٍ من الوادي، وهذا ما جعل المكان خطيراً ومفيداً في الوقت نفسه. يستطيع المدافع أن يخفي قوةً صغيرة خلف صخرةٍ عالية، لكنه يستطيع أيضاً أن يفقد الاتصال بوحدةٍ كاملة إذا تحركت بعيداً عن الرايات.
وقف إيثان فوق نتوءٍ صخري يشرف على الخط الأمامي. لم يكن يرتدي خوذته. كانت بركة السيوف تتوهج بخطوطٍ دقيقة على نصله، لا كضوءٍ ثابت، بل كأن المعدن يتذكر كل يدٍ حملته قبله.
كانت وحدات البشر قد اتخذت مواقعها. الرماة على الارتفاعات، والسحرة خلف حواجز حجرية، وحاملو الدروع في مدخل الوادي. أما الاحتياط فبقي بعيداً عن الأنظار. في الشرق، كان رودان يراجع الحبال مع ميرك، فيما تسلقت ميرا المرتفع لتختبر مدى الرؤية. وقف تافن قرب مدخل الممر، ودرعه أكبر قليلاً من كتفه، لكنه لم يحاول إصلاحه هذه المرة.
على الجهة الأخرى، امتدت صفوف الشياطين حتى بدا الوادي أضيق من حجمه. بعضها يمشي على قدمين، وبعضها يزحف بأطرافٍ زائدة، وبعضها يطير قريباً من الأرض. لم تكن كل الكائنات متشابهة، ولم تكن جميعها تحمل سلاحاً. بعضها كان يجر سلاسل، وبعضها يحمل ألواحاً من العظم، وبعضها يكتفي بالمخالب.
لم يبدأ الهجوم بصيحة.
بدأ حين اختفت الريح.
توقفت الرايات عن الحركة، وسقط الغبار الذي كان يدور فوق الصخور إلى الأرض دفعةً واحدة. رفعت ميرا رأسها. كانت السحب تتجمع فوق الجهة الشيطانية بسرعةٍ لا تشبه حركة الطقس. امتدت بينها خطوطٌ زرقاء قاتمة، ثم انطفأت، ثم عادت في مواضع أخرى.
صرخ أحد السحرة: «السما!»
لم يكن في السماء مطرٌ بعد. كان هناك شيءٌ يشبه شبكةً من البرق، تنسج نفسها بين الغيوم. وكلما اتسعت، انخفضت الغيوم أكثر، حتى بدا أنها توشك أن تلامس رؤوس المرتفعات.
عرفت مصدرها قبل أن أراه.
فارخان.
لم يظهر في مقدمة الجيش. كان بعيداً، فوق منصةٍ صخرية مرتفعة، وجناحاه الأسودان مفتوحان خلفه كقطعتين من ليلٍ كثيف. رفع قوسه، ولم يكن يعزف لحناً كاملاً. سحب الوتر مرةً واحدة.
دوى الصوت في الوادي.
ثم انحدرت الصواعق.
لم تسقط في نقطةٍ واحدة. تشعبت بين الصخور، وضربت الحواجز المعدنية، وانعطفت نحو الرماة الذين حملوا أقواساً ذات أطرافٍ حديدية. اشتعلت إحدى الرايات، وانفجرت دروعٌ في الصف الأول. رأيت رجلاً يسقط على ظهره، ثم ينهض نصف خطوة قبل أن تعود الكهرباء إلى صدره وتطرحه مجدداً.
صرخ الجنود. بعضهم رفع درعه فوق رأسه، وبعضهم حاول إلقاء سلاحه، لكن الصواعق كانت تبحث عن الطريق الأقصر إلى المعدن والمانا معاً.
مدت إميليا يدها إلى الأرض. انطلقت من أصابعها خيوطٌ رفيعة غير مرئية تقريباً، ربطت أطراف الحواجز الحجرية بعضها ببعض. لم تصد البرق؛ جعلت مساره ينحرف عن مجموعةٍ من الجرحى نحو أرضٍ رطبة خالية.
قالت: «لا ترفعوا الأسلحة المعدنية!»
لم يسمعها الجميع.
سقطت صاعقةٌ على برج الرماة. انفجر الخشب، وتطايرت شظاياه فوق الرجال. أحدهم لم يسقط فوراً؛ بقي واقفاً وقد تجمدت يده حول القوس، ثم انحنى ببطءٍ كأن جسده نسي كيف يحمل نفسه.
رفع إيثان سيفه.
لم يصرخ. لم يطلب من الجنود أن يثبتوا. أدار النصل بزاويةٍ صغيرة، ثم ضرب الهواء.
لم تكن الضربة كبيرةً في مظهرها. لم يخرج منها شعاعٌ يمتد إلى السماء، ولم تهتز الجبال. لكن أحد خطوط البرق انقطع عند نقطةٍ بعيدة، كما لو أن أحداً قطع وتراً مشدوداً. تبعه خطٌ ثانٍ، ثم ثالث.
أحسست بالهواء ينفجر فوقنا.
ارتفعت موجةٌ من الريح، ثم انشقّت شبكة البرق إلى أجزاءٍ غير متصلة. استغل إيثان اللحظة، ورفع سيفه مرةً أخرى. هذه المرة، ظهرت حوله سبعة مساراتٍ بيضاء، عُرفت في سجلات البركة باسم «مسارات الوارث»، كل واحدٍ منها يتحرك بزاويةٍ مختلفة. لم تكن سيوفاً مستقلة، بل امتداداتٍ من نصلٍ واحد، تتبدل أطوالها واتجاهاتها بحسب حركة معصمه.
قال أحد الجنود: «بركة السيوف...»
لم تكن العبارة هتافاً. كانت اعترافاً بأن شخصاً ما يستطيع أن يواجه السماء.
أطلق إيثان «شقّ السماء» نحو مصدر الشبكة. انطلقت المسارات السبعة عبر الوادي، وشقت الغيوم من أسفلها. لم تقطع السحاب كله؛ قطعت العقد التي كانت تجمع المانا بين الصواعق.
انهارت أجزاءٌ من الشبكة فوق جيش الشياطين. ضرب البرق خطوطهم الخلفية، وانفجرت ثلاثة أبراجٍ صغيرة كانت تحمل أجهزة بثٍ سوداء. اشتعلت الأرض حولها، وتناثرت أجساد الشياطين التي كانت تقف داخل دائرة التفريغ.
لم يكن ذلك نصراً بلا ثمن. اهتز ذراع إيثان، وظهر خطٌ من الدم عند جانب فمه. تراجعت العلامات المضيئة على نصل سيفه لحظةً، ثم عادت. لقد قطع شبكةً كاملة، لكنه استهلك مقداراً كبيراً من المانا في وقتٍ قصير.
رفع رأسه نحو الجيش البشري. «الخط الأول ثابت! لا تطاردوا من يسقط أمامكم. احموا مواقعكم!»
سمعته وحدات الرماة. تحركت السهام، وانطلقت أول موجةٍ من القذائف السحرية نحو صفوف الشياطين.
أصابت الضربات المقدمة، فانهارت مجموعةٌ من الشياطين الدنيا. لكن الشياطين المتوسطة لم تتراجع. دفعت بجثث رفاقها إلى الأمام، واستعملتها دروعاً مؤقتة، ثم اندفعت فوق الصخور. كانت أجساد بعضها تتغطى بقشورٍ سوداء، وبعضها يطلق أشواكاً من كتفيه، وبعضها يضرب الأرض فيخلق موجةً من الحصى الحاد.
اشتعلت ساحة الوادي.
اندفعت وحدةٌ بشرية من خلف الحاجز لتسد ثغرةً عند الوسط. قاتلوا وهم يتراجعون خطوةً بعد خطوة، يحاولون ألا يتركوا الممر مفتوحاً. رأيت فارساً يصد مخلباً بدرعه، ثم يتلقى ضربةً ثانية على وجهه. سقطت خوذته، وبقي يضرب حتى غطى الدم عينه.
أطلقت النار من كفيّ، لا على الأجساد، بل على الأرض أمامهم. ارتفع جدارٌ من اللهب أجبر الشياطين على تغيير اتجاههم. ثم دفعت الماء من الهواء البارد حولي، فتكاثف فوق الحجر وتحول إلى طبقةٍ زلقة تحت أقدامهم. لم يكن ذلك كافياً لإيقافهم، لكنه منح الرماة ثواني إضافية.
صاح إيثان: «الآن!»
انطلقت السهام من المرتفع. لم تكن سهاماً عادية؛ كانت رؤوسها تحمل شظايا من حجرٍ مشبع بالمانا، تنفجر عند الاصطدام وتترك دوائر ضغطٍ صغيرة تعطل توازن المخلوق. سقطت مجموعةٌ من الشياطين، ثم اجتاحتها موجةٌ من الرماح.
في الجهة الشرقية، رأيت ميرا تطلق سهماً واحداً. لم تصب شيطاناً، بل الحبل الذي يربط لوحاً صخرياً بآخر. انهار اللوح فوق الممر الجانبي، وأغلق طريق الالتفاف الذي بدأ العدو يتسلل منه.
قال ميرك من أسفل المرتفع: «الآن فهمت لماذا تركتِ الحبل مرتخياً!»
صرخت ميرا: «كان يجب أن تفهم قبل أن تتكلم!»
اندفع تافن مع حاملي الدروع. لم يكن في مقدمة الهجوم، لكنه كان يمسك الدرع أمام أول رجلٍ يتراجع. رأيته يخطو إلى الأمام حين تراجعت وحدةٌ كاملة، ثم يلتفت ليصرخ في رجلٍ مصاب أن ينهض.
كانت يداه ترتجفان.
لكنه لم يترك الدرع.
في الأعلى، تحرك فارخان مرةً أخرى. لم يبدُ غاضباً من سقوط الشبكة. بدا كمن سمع نغمةً لم تعجبه، ويريد إعادتها إلى موضعها الصحيح.
رفع قوسه. امتدت من جناحيه خيوطٌ سوداء رفيعة، ثم غمرها الضوء الأزرق. لم أكن أعرف إن كانت تلك الخيوط جزءاً من سحره أم من جناحيه، لكنني رأيت كيف التفت حول الصواعق المتبقية، وجعلتها تتجه نحو نقطةٍ واحدة.
صرخ إيثان: «انبطحوا!»
تجمع البرق فوقه، كأنه عمودٌ من السماء يوشك أن يهبط. رفع سيفه بكلتا يديه. لم تتحرك قدمه، لكن الأرض حوله تشققت تحت الضغط.
ضرب النصل إلى الأعلى.
انفجر العمود إلى شظايا ضوئية. لم تختفِ كلها؛ انحرف بعضها نحو الجبال، وارتطم بعضها بحافة الممر. لكن إيثان شق قلب الهجوم، وفتح سماءً صغيرة فوق الخط البشري.
ارتفعت الهتافات من الجنود. لم تكن صاخبة كما في المعسكر، لكنها كانت كافيةً لتعيد إلى بعضهم القدرة على الوقوف.
لم يبتسم إيثان. كان يعرف أن فارخان لم يستخدم كامل قوته، وأن ما رآه الجيش ليس سوى افتتاحية.
أما أنا، فقد رأيت شيئاً آخر: عندما صد إيثان الصاعقة، لم يتوقف فارخان عن العزف لأن السحر فشل. لقد بدّل النغمة، وأرسل هجومه التالي نحو الجهة التي تحرك إليها إيثان قبل لحظة.
كان يتعلم إيقاعه.
ولم تكن السماء قد قالت كلمتها الأخيرة.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.