الخيمة التي لم تعرف النوم
لم يرفع إيثان رأسه عن الخريطة حين انتهيت من اقتراحي. ظل يحرك القطع الصغيرة بين الممرات، ثم أعاد واحدةً منها إلى موضعها الأول، كأن المشكلة لم تكن في مكان الجنود بل في الفكرة التي وضعتهم فيه.
قال أخيراً: «الممر الذي تقترحه سيبدو ضعيفاً بما يكفي ليغريهم. لكن إذا دخلت القوة الرئيسية، فلن نستطيع إغلاقه من دون أن نحاصر رجالنا معه.»
«لن نغلقه من الخلف.» أشرت إلى الخط المتعرج بين المرتفعين. «نقسمه عند النقطة الضيقة. نصف الحاجز ينهار أمامهم، والنصف الآخر يبقى خلف الصخور. سيظنون أن الطريق انفتح، لكنهم سيجدون أنفسهم داخل مساحةٍ لا تسمح لهم بنشر أعدادهم.»
رفع إيثان عينيه. «وماذا عن الذين يدخلون أولاً؟»
لم أجب بسرعة. كنت قد تعلمت في الصحراء أن الخطة التي لا تذكر ثمنها ليست خطة، بل أمنية ترتدي درعاً.
«لن أقول إنهم سيخرجون جميعاً.» قلت. «لكننا نستطيع أن نختار من يدخل، وأن نمنحهم طريق انسحابٍ لا يمر عبر القوة التي ستندفع وراءهم.»
حرّك إيثان القطع من جديد. لم يبدُ مقتنعاً، لكنه لم يرفض. كان ذلك أقرب إلى موافقته التي أعرفها: يترك الفكرة على الطاولة حتى تكشف بنفسها أين ستنكسر.
خارج الخيمة، كان المعسكر يزداد ضجيجاً. مطارق الحدادين تضرب الحديد بإيقاعٍ متقطع، والخيول تضرب الأرض بحوافرها، والجنود ينقلون صناديق السهام وأكياس الحبوب إلى العربات. لم يكن ذلك صوت جيشٍ يستعد للنصر؛ كان صوت أناسٍ يحاولون ألا يتركوا للخوف فرصةً كي يتحدث.
انفتح المدخل، ودخل جورج. توقف حين رآني، لكنه لم يندفع هذه المرة ليعانقني. بقي واقفاً لحظة، وعيناه تنتقلان من وجهي إلى السيف الذي أحمله، ثم إلى الخريطة.
«عدت إذاً.» قال.
«عدت.»
اقترب، ومد يده كأنه سيضرب كتفي، ثم أنزلها قبل أن تلمسني. كان ذلك التردد صغيراً، لكنه لم يخفَ عليّ.
قال إيثان: «نحن نعيد ترتيب الخطة. اجلس.»
جلس جورج، لكنه ظل ينظر إليّ. «سمعت أنك عدت من مكان لا يعود منه أحد.»
«لم أعد وحدي.»
«أعرف.» ابتسم ابتسامةً قصيرة. «أعرف أنك لا تعرف كيف تصل إلى مكانٍ من دون أن تجرّ خلفك قصةً تكفي لإفساد نومنا.»
لم يضحك أحد. ربما لأننا جميعاً عرفنا أن النكتة توقفت قبل أن تصل إلى نهايتها.
دخلت إميليا بعده بقليل. وضعت على الطاولة كيساً من القماش، ثم نظرت إلى إيثان. «أحضرت تقارير وحدات الرماة والسحرة. هناك ثلاثة مواضع لا يصلها الإمداد إذا أغلقنا الطريق الشرقي.»
أزاح إيثان الخريطة نحوها. «أريني.»
انحنت فوقها، وأشارت إلى المسارات. كانت ملامحها هادئة، لكنني لاحظت أنها لم تنظر إليّ إلا مرةً واحدة. لم تكن تلك قسوة؛ كانت طريقة شخصٍ يعرف أن لحظة الترحيب قد تسرق من الآخرين وقتاً لن يعود.
قال جورج وهو يتابع إصبعها: «إذا انقطعت المؤن، فلن يصمد الخط الغربي حتى الظهر.»
ردت إميليا: «لن ينقطع إذا وضعنا مخزن الماء خلف الجرف، لا عند الطريق. يستطيع ميرك تثبيت حواجزٍ تمنع العربات من الانقلاب، لكننا نحتاج إلى فريقٍ يحرسها.»
نظر إيثان إليّ. «أنت تعرف كيف يتعامل أنوس مع الوحدات. هل تتوقع أن يرسل القوة كلها إلى الممر الذي نظهره ضعيفاً؟»
«لا.» قلت. «سيختبره أولاً. لن يغامر بقوته الرئيسية قبل أن يعرف أين نخفي الاحتياط. سيستخدم الشياطين الدنيا ليجبرنا على إظهار السحر، ثم يرسل المتوسطة إلى النقاط التي نكشفها.»
قال جورج: «إذن علينا أن نُظهر له ما نريد أن يراه.»
أومأت. «لكن ليس كل ما نُظهره يجب أن يكون كذباً. إذا جعلنا كل شيء خدعة، فلن يثق رجالنا بأوامرنا عندما يحتاجون إلى تنفيذها بسرعة.»
نظر إليّ إيثان طويلاً، ثم أزاح قطعةً سوداء من وسط الخريطة. «هذا جيد. لا نريد جيشاً يخاف من أوامره أكثر مما يخاف من العدو.»
ساد صمتٌ قصير. كان جورج يمرر إصبعه على حافة الطاولة، ذهاباً وإياباً. رأيت أثر ندبةٍ قديمة يعبر مفصل يده، ورأيت كيف تجمد إصبعه كلما اقترب من العلامة التي تشير إلى الطريق المؤدي إلى المضيق.
سألته: «هل أنت بخير؟»
رفع رأسه بسرعة. «نعم.»
«لم أسألك عن الحرب.»
بقي صامتاً. ثم قال: «هل تذكر دعوة توم؟»
لم أحتج إلى التفكير. عاد إليّ ضوء الثريات، واللوحة التي تحمل الهلال، وباب القبو، وصوت يولي وهو يحاول أن يضحك حتى بعد أن بدأ الخوف يلتهمه.
«أذكر.»
«أنا الذي قلت لكم أن تذهبوا.» لم ينظر إليّ وهو يتكلم. «أنا الذي أخبرتكم أن توم مختلف. أنا الذي قلت إن الرجل يمول المدارس ويساعد الفقراء، وإنه يستحق ثقتنا. لو لم أرسل الدعوة، ربما كنتم...»
قاطعته: «كان توم مسؤولاً عما فعله. ليس أنت.»
«لكنني فتحت له الباب.»
«وأنا دخلت.»
رفع عينيه أخيراً. «هل تظن أن هذا يخفف الأمر؟»
«لا. لكنه يمنعك من تحويل ذنبك إلى شيءٍ تتصرف باسمه كلما سنحت لك فرصةٌ للموت.»
شد فكه. لم يعجبه كلامي، وربما لم يكن عليه أن يعجبه. كان بيننا موتى لا يمكن إرضاؤهم بأي عبارة.
قال إيثان بهدوء: «جورج، إن كنت سترافق كالن، فلا تفعل ذلك لتبحث عن طريقةٍ لمعاقبة نفسك. نحتاج إلى حكمك، لا إلى رغبتك في دفع ثمنٍ لا يطلبه منك أحد.»
ضحك جورج بلا مرح. «ومن قال إنني سأرافقه؟»
قلت: «أنا.»
التفت إليّ. «أنت لا تستطيع حتى اختيار طريقك من دون أن تتورط في شيء.»
«لهذا أحتاج إلى شخصٍ يعرف كيف يمنعني من تحويل كل مواجهة إلى معركةٍ شخصية.»
لم يبتسم. نظر إلى الخريطة طويلاً، ثم قال: «سأرافقك. لكنني لن أقاتل غوتيا نيابةً عنك، ولن أسمح لك أيضاً أن تنسى أن الميدان أوسع من الشخص الذي أمامك.»
أومأت. لم يكن اتفاقاً بين صديقين فحسب. كان وعداً ثقيلاً بين رجلين يعرفان أن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها، لكن يمكن منعها من التكرار.
عادت إميليا إلى الخريطة. «وفارخان؟»
قال إيثان: «ما زلت أريد أن أعرف لماذا اخترته.»
لم ترفع رأسها. «أعرف ما أطلبه.»
«هذا ليس جواباً.»
«إنه الجواب الوحيد الذي أستطيع تقديمه الآن.»
لم يضغط عليها. لكنه وضع علامةً قرب الممر الشمالي، ثم قال: «لن أتركك وحدك إذا خرجت المواجهة عن السيطرة.»
«لا ترسل أحداً خلفي.» قالتها من دون تحدٍّ. «إذا اقترب شخصٌ آخر من فارخان، فسيصبح هدفاً له.»
لم أسألها. كانت تلك أول مرةٍ أسمع فيها صوتها يحمل شيئاً يشبه الخوف، لا على نفسها، بل على شخصٍ غائب.
أغلق إيثان الخريطة. «سنكمل بعد وصول تقارير الاستطلاع. لا أحد ينام طويلاً الليلة.»
خرجنا تباعاً. بقي جورج عند المدخل، ينتظرني حتى ابتعدت إميليا وإيثان.
قال بصوتٍ خافت: «حين يعود كل هذا إلى الوراء، سأذهب معك إلى قبورهم.»
«لا تحتاج إلى وعدٍ جديد.»
«أحتاج أنا إليه.»
لم أجد جواباً. تركته واقفاً عند الخيمة، ومضيت نحو الساحة. كانت الرايات تتحرك فوقنا، وكان الهواء يحمل رائحة الزيت والجلد والحديد. لم تكن الحرب قد بدأت، لكنني شعرت أنها بدأت بالفعل داخل كل واحدٍ منا، في مكانٍ لا تصل إليه السيوف.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!