وضع القراءة:

ما يتركه الموت للناجين

بعد سقوط تافن، لم يعد الممر الشرقي كما كان. بقي مفتوحاً، لكنه صار طريقاً يمر فوق آثار الدم والحطام. كانت العربة التي أصلحها ميرك مائلةً، وأحد ألواحها مكسوراً، والحبال التي ربطها تافن حول الدرع ما تزال عالقةً في مقبضه.
حاول رودان أن يقود مجموعته من جديد. كان يتنفس بصعوبة، وجانبه يؤلمه مع كل حركة. لم يخبر ميرا بحجم الجرح. كانت تعرف أنه يخفي شيئاً؛ رأت الدم يتسرب تحت الدرع، لكنها لم تسأله. لم تكن تريد أن تسمع جواباً سيجبرها على الاختيار بين ترك موقعها ومساعدته.
قال ميرك: «الحاجز لن يصمد طويلاً.»
أجاب رودان: «كم نملك؟»
«إذا لم يضربوه من الجهة نفسها، عشر دقائق. إذا عرفوا موضع الوتد، أقل.»
نظرت ميرا إلى الممر. «إذن نغيّر موضعه.»
«كيف؟»
أشارت إلى الصخور فوقهم. «نترك لهم الطريق هنا، ثم نسقط الكتلة الصغيرة من الجانب. لن تسد الممر كله، لكنها ستجبرهم على التفرق.»
قال ميرك: «أحتاج إلى حبلٍ أطول.»
«أعطيك حبلي.»
«ستحتاجين إليه كي تنزلي.»
«سأجد طريقاً.»
لم يكن في كلامها استعراضٌ للشجاعة. كانت تعرف المرتفع أكثر منهم، وكان عليها أن تتحرك قبل أن يصل العدو. صعدت بين الصخور، وربطت الحبل إلى نتوءٍ ثابت، ثم بدأت تزحف نحو الكتلة التي أشارت إليها.
في الأسفل، رأى رودان أنها تتحرك وحدها. رفع صوته: «ميرا! لا تقتربي من الحافة!»
أجابت من فوقه: «إذا انتظرتُ حتى تقترب أنت، فسأضطر إلى حملك أيضاً!»
لم يضحك. لكنه رفع يده، كأنه يرسل لها تحيةً لا تستطيع رؤيتها.
عندما وصلت إلى الكتلة، وجدت أن أحد الشقوق أعمق مما توقعت. وضعت يدها فيه، فسمعت حجراً صغيراً يسقط إلى الوادي. لم يكن الانهيار مؤكداً. كان عليها أن تربط الحبل حول الجزء العلوي، ثم تعود إلى موضعٍ تستطيع منه قطع الطرف الآخر.
تسلل إليها الخوف. لم تكن تخاف السقوط وحده؛ كانت تخاف أن تسقط قبل أن تفعل شيئاً. فكرت في أمها، في النافذة المفتوحة، وفي أخيها الذي يكتب اسمها بحروفٍ مقلوبة. كان ينبغي أن تكون في البيت الآن، تصرخ عليه لأنه لم يتعلم بعد. بدلاً من ذلك، كانت تتشبث بصخرةٍ فوق ممرٍ مليء بالوحوش.
في الأسفل، بدأ ميرك يفك حبل العربة. كان يده تنزف، لكنه ربط الطرف إلى عجلةٍ ثقيلة. عندما رفع رأسه، رأى مجموعةً من الشياطين تقترب من الممر.
قال لرودان: «جاؤوا.»
«كم عددهم؟»
«أكثر مما أحب.»
رفع رودان رمحه. «إذن لا تجعلهم يصلون إلى العربة.»
اندفع الشياطين. لم تكن وحدتهم كبيرة، لكنها كانت تعرف أن الحاجز متضرر. تقدموا في صفين، واحدٌ يحمل ألواحاً عظمية لصد السهام، والثاني يطلق شفراتٍ صغيرة من أطراف أصابعه. استقبلهم رودان باندفاعٍ قصير، وضرب أول واحدٍ في صدره. ثم حاول أن يلتفت إلى الثاني، فتلقت ساقه ضربةً جعلته يهبط على ركبته.
صرخ ميرك، وألقى أداةً معدنية نحو وجه المخلوق. لم تقتله، لكنها جعلته يتراجع. سحب رودان إلى الخلف، ثم دفع العربة بكتفه ليغلق المسافة.
«قلت لك لا تقترب!» صاح رودان.
«وأنا قلت إنني لا أسمع الأوامر حين تكون غبية!»
في الأعلى، قطعت ميرا الحبل. تحركت الكتلة الصخرية ببطء، ثم مالت. لم تسقط فوراً. بقيت عالقةً بحافةٍ ضيقة، ثم تحررت فجأةً وانزلقت إلى الممر. ارتطم الحجر بالأرض، ورفع غباراً كثيفاً. تفرق الشياطين، وسقط اثنان تحت الكتلة، بينما اضطر الباقون إلى التراجع نحو المسار الأضيق.
لكن الحبل الذي كانت ميرا تتشبث به انقطع عند موضعٍ قريب من يدها.
انزلقت.
لم تفكر. مدت يدها إلى نتوءٍ صخري، فتمزق جلد كفها. توقفت للحظةٍ معلقةً فوق الفراغ، ثم تمكنت من الإمساك بحافةٍ أخرى. سقطت على كتفها حين وصلت إلى الأرض، وشعرت بألمٍ حادٍ يمتد إلى ذراعها.
سمعت ميرك يناديها. أرادت أن تجيبه، لكن الهواء خرج من صدرها بلا صوت.
لم تكن الإصابة قاتلة، لكنها جعلت يدها اليسرى ترتجف، ولم تعد قادرةً على رفع القوس كما كانت. نظرت إلى كفها المدمى، ثم إلى الحجر الذي أغلق الطريق.
«نجحنا.» قالت أخيراً.
رد رودان: «نجحنا في هذه الخطوة.»
كان صوته متعباً. جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى العربة. أخرج رسمة ابنته من جيبه، فوجد أن طرفها قد تبلل بالدم. حاول مسحه بإصبعه، لكنه ترك أثراً أحمر فوق وجهه المرسوم.
قال ميرك: «دعني أرى جرحك.»
«ليس الآن.»
«إذا لم أره الآن، ستسقط بعد قليل، وسأضطر إلى حملك. وأنا لا أملك ظهراً يكفي لأحملك وأحمل أدواتي.»
أمسك كتفه. لم يقاوم رودان هذه المرة. حين فتح ميرك جانب الدرع، وجد الجرح أعمق مما توقع. كان جزءٌ من المعدن قد دخل في الجلد، والدم يتجمع حوله.
قال ميرك بصوتٍ منخفض: «سنحتاج إلى معالج.»
«بعد أن نخرج آخر عربة.»
«رودان...»
«بعد آخر عربة.»
لم يكن عناداً خالصاً. كان يريد أن يبقى الطريق مفتوحاً، لأن تافن مات وهو يحميه. لم يقل ذلك. لم يحتج إلى قوله.
عادت ميرا إلى موقعها رغم إصابة كتفها. لم تعد تستطيع سحب القوس بقوةٍ كاملة، فاستعملت يدها اليمنى وأطلقت سهاماً أقصر مدى. كل سهمٍ كان قراراً أصعب من السابق. عندما أصابت آخر شيطانٍ حاول عبور الحاجز، لم تشعر بالنصر. نظرت إلى المكان الذي سقط فيه تافن، ثم أعادت عينيها إلى الوادي.
في المساء، وصلت عربة الجرحى الأخيرة. مرّت ببطءٍ شديد، وكانت عجلاتها تصدر صوتاً متقطعاً. توقف أحد الجنود حين رأى عباءة تافن فوق الصخور.
سأل: «من كان؟»
لم يجب رودان فوراً.
ثم قال: «كان معنا.»
لم يضف اسماً. كان يخشى أن ينطقه، فيصبح غيابه أثقل.
بعد خروج العربة، سمح لهم القائد الميداني بالانسحاب إلى نقطة العلاج. حمل ميرك أدواته، وساعد رودان على الوقوف. مشت ميرا خلفهما، لكنها توقفت مرةً واحدة لتعود إلى موضع تافن.
لم ترفع العباءة. وضعت بجانبها قطعة الخبز التي كانت قد احتفظت بها من الحصة السابقة، ثم همست: «كنت ستأكلها كلها في يومين.»
عادت دون أن تنتظر جواباً.
لم يكن هناك من يجيب.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.