وضع القراءة:

الأصوات التي بقيت

بعد سقوط تافن، انتقلت أصوات الحرب إلى أماكنٍ أبعد. لم يعد الممر الشرقي مركز الهجوم، لكن الشياطين لم يتوقفوا عن اختبار الحواجز. كلما تراجعت وحدة، تقدمت أخرى، وكلما ظن الجنود أنهم حصلوا على دقيقةٍ للراحة، وصلتهم صرخةٌ من موضعٍ آخر.
في الجهة الشمالية، كانت وحدةٌ من الرماة تحاول حماية مجموعةٍ من المغنيات اللواتي أخرجنهن إميليا من قاعة فارخان. لم تكن النساء مقاتلات. بعضهن لا يستطعن المشي دون مساعدة، وبعضهن ظللن يغطين آذانهن كلما سمعن صوت وترٍ بعيد.
أرادت إحداهن أن تعود إلى القاعة لجلب سجل الأسماء. قال لها أحد الحراس إن المكان قد ينهار.
أجابته: «أسماء صديقاتي هناك.»
لم أسمع بقية الحديث. لكنني رأيت الحارس ينظر إلى الباب، ثم يطلب من اثنين أن يرافقاها. لم يكن ذلك قراراً عسكرياً مثالياً، لكنه كان قراراً إنسانياً.
حين خرجوا، كانت تحمل السجل إلى صدرها. لم تكن كل الصفحات سليمة. بعضها احترق، وبعضها غطاه الماء، لكن الأسماء بقيت واضحةً في مواضع كثيرة.
قالت إميليا لها: «أعطيني إياه.»
ترددت المرأة. «لن تحرقيه؟»
«لا.»
«لن تتركيه عندهم؟»
«لا.»
سلمتها السجل.
لم تفتحه إميليا. وضعته قرب صدرها، ثم أغمضت عينيها. كانت تحمل أسماء نساءٍ لم تعرفهن، لكنهن مررن من المكان نفسه الذي ماتت فيه سيرين.
✦ ✦ ✦
في نقطة العلاج، كان الطبيب يطلب من الجنود أن يذكروا أسماء المصابين قبل أن يضعوا لهم العلامات. لم يكن لديه وقتٌ ليسأل عن قصصهم، لكنه كان يصر على الاسم. قال إن الجرحى الذين لا يذكر أحدٌ أسماءهم يتحولون بسرعةٍ إلى أرقامٍ في السجلات، وإن الأرقام لا تطلب ماءً ولا تسأل عن أمهاتها.
رأيت فتاةً من وحدة الرماة تحاول أن تكتب أسماء ثلاثة رجالٍ ماتوا عند المرتفع. كانت يدها ترتجف، والحبر ينساب على الورقة. سألتها إن كانت تعرفهم جميعاً.
قالت: «أعرف اثنين. الثالث لا أعرفه. لكنه كان يصرخ باسم شخصٍ ما قبل أن يسقط.»
«لماذا تكتبينه؟»
«لأن أحداً يجب أن يبحث عنه.»
أخرجت من جيبها قطعةً صغيرةً من الورق، عليها حرفان غير مكتملين. لم تكن تعرف الاسم كاملاً، لكنها كتبت ما استطاعت.
في نهاية الخيمة، كان هناك جنديٌ يرفض أن يترك سيفه. أصيب في كتفه، ولم يعد يستطيع رفع ذراعه، لكنه كان يضم النصل إلى صدره كما يضم طفلاً. كلما حاول الطبيب أخذه، قاوم.
قال: «أبي أعطاني إياه.»
أجابه الطبيب: «لن آخذه منك. أريد فقط أن أعالجك.»
نظر الجندي إليه طويلاً، ثم مد السيف ببطء. لم يكن يرفض العلاج؛ كان يخشى أن يفقد آخر شيءٍ يربطه بالبيت.
كانت الحرب تسرق من الناس أكثر من حياتهم. كانت تنتزع الأشياء الصغيرة التي تجعلهم يعرفون من هم.
جلست قرب إميليا حين وصلت. لم تكن قادرةً على الكلام طويلاً. كانت تراقب الوجوه، وربما تبحث بينها عن فتاةٍ تشبه سيرين. سألتها إن كانت تريد الماء، فأومأت.
قالت بعد قليل: «هناك مغنيةٌ خرجت من القاعة. قالت إن فارخان كان يحتفظ بشرائطٍ من أصوات من ماتوا قبله.»
«هل ستعود إلى بيتها؟»
«لا تعرف أين بيتها الآن.»
لم تكن كل الناجيات قادراتٍ على العودة. بعضهن فقدن عائلاتهن، وبعضهن لم يعرفن إلا القفص. كانت الحرية طريقاً لا يملك الجميع خريطته.
قالت إميليا: «سأساعدهن حين أستطيع الوقوف.»
لم أطلب منها أن ترتاح. كان ذلك قراراً يخصها، وربما كانت تحتاج إلى شيءٍ تفعله كي لا تسمع صدى القوس.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.