لا مُنتصر في المضيق الأسود
في الصباح التالي، لم تشرق الشمس على جيشٍ منتصر.
كان الضوء يلمس قمم الصخور، لكنه لم يصل إلى قاع الوادي إلا باهتاً، كأنه يمر عبر رمادٍ لا ينتهي. لم أسمع أوامر إيثان، ولم أرَ سيفه مرفوعاً فوق الصفوف. كان المكان الذي وقف فيه فارغاً، والراية التي حملها طوال الحملة مطويةً عند قدم أحد الضباط.
لم يكن الانسحاب منظماً كما أراد القادة. تفرقت الوحدات التي فقدت ضباطها، وعادت مجموعاتٌ صغيرة إلى المرتفعات تحمل جرحاها أو تسحب من بقي قادراً على الحركة. أما الشياطين، فقد تراجعت إلى الجهة الشمالية دون أن تتبدد. لم تكن هزيمةً كاملة؛ كانت انسحاباً اضطرارياً بعد سقوط القيادة الأمامية، وتلك المسافة بين الأمرين هي ما جعل الوادي خطراً حتى بعد توقف القتال.
أمر القادة الباقون بإخلاء الممرات التي لم تعد قابلة للدفاع، وبترك نقاط مراقبةٍ على المرتفعات. لم تكن هناك قوةٌ كافية لملاحقة الشياطين، ولا معلوماتٌ تكفي لمعرفة ما إذا كان أنوس قد مات أو نجا. كان جسده قد سقط أمامنا، لكن آثار الظل التي امتدت من ظهره لم تختفِ كلها. بعضها تلاشى، وبعضها بقي محفوراً في الصخور مثل عروقٍ سوداء.
أما إيثان، فقد أخذه قابيل. لم تكن لدينا وجهةٌ نتبعها، ولا أثرٌ يمكن أن يقودنا إليه. كل ما عرفناه أن ختم الليل عطّل اتصال البركة بسيفه، وأن قابيل أراده حياً. لم يكن ذلك اختطافاً عشوائياً؛ كان جزءاً من خطةٍ لم نرَ منها إلا آخر لحظة.
لم تكن المملكة قد نجت. بقيت المدن منقسمةً، والنبلاء الذين فتحوا أبوابهم للشياطين لم يُهزموا جميعاً، وبعضهم بدأ يرسل رسائل يدّعي فيها أنه كان يحاول حماية البلاد. لم يكن هناك ملكٌ قادرٌ على جمع الجميع، ولم يكن إيثان موجوداً ليمنع الخلافات من العودة. لقد منعنا جيشاً من اجتياح المضيق، لكننا لم ننهِ الحرب التي فتحت له الطريق.
أما ملك الشياطين، فلم يكن بين الجيوش. لم يظهر في المضيق، ولم يرسل أمراً إلى أنوس. بقي في الصحراء الكبرى، يتجول بين رمالها بحثاً عن التسلية التي اعتادها. لم نعرف إن كان قد سمع بما حدث، ولم نعرف متى سيقرر الالتفات إلى العالم. كان غيابه يعني أن هذه الحرب لم تكن المعركة التي تستدعيه بعد، لا أن الخطر انتهى.
في التقرير الرسمي، كتبوا أن الجيشين انسحبا بعد خسائرٍ جسيمة، وأن المضيق لم يعد صالحاً للقتال. كتبوا أن فارخان وغوتيا سقطا، وأن أنوس اختفى بعد إصابته، وأن إيثان لوكاس أُخذ على يد قابيل.
لم يكتبوا أن جورج فقد يديه وهو يحاول إنقاذي. لم يكتبوا أن تافن كان خائفاً، وأنه مات وهو يفتح الطريق للجرحى. لم يكتبوا أن ميرا رفضت مغادرة الممر قبل خروج آخر عربة، ولا أن ميرك تعلم كيف يمسك المطرقة بذراعٍ مصابة.
لم يكتبوا أسماء المغنيات اللواتي خرجن من القاعة، ولا اسم سيرين التي ماتت قبل سنواتٍ ولم يتذكرها قاتلها. لم يكتبوا أنني متُّ ثم عدت، وأن عودتي لم تصلح شيئاً مما حدث.
كانت التقارير تحتاج إلى جملٍ قصيرة. أما الحقيقة، فلم تكن تعرف كيف تنتهي في سطرٍ واحد.
وقفت عند حافة المضيق في المساء. لم أعد أرى الخط الأمامي أو الاحتياط أو مواقع الرماة. رأيت فقط أرضاً سُحقت فيها آثار الأقدام، وحجارةً ستظل تحمل شقوق المعركة حتى بعد أن ينبت الغبار فوقها.
لم ننتصر. ولم ينتصروا.
كان لدينا جرحى أكثر مما لدينا من معالجين، وأسماءٌ أكثر مما لدينا من قبورٍ مكتملة، وأسئلةٌ أكثر مما نملك من أجوبة. ومع ذلك، كان علينا أن نغادر المضيق، لأن البقاء فيه لن يعيد أحداً.
لم يكن ذلك سلاماً. كان توقفاً مؤقتاً للنزيف، فيما بقيت السكين في مكانٍ لا نراه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!