وضع القراءة:

وجهٌ لا يعرف الرحمة

في معسكر الشياطين، لم يكن الليل يشبه الليل الذي عرفه البشر. لم تنطفئ المصابيح لأن أحداً نسي الزيت، ولم يخلد الجنود إلى النوم بعد انتهاء نوبات الحراسة. كانت الأوامر تنتقل من خيمةٍ إلى أخرى عبر شظايا سوداء معلقة في الهواء، تضيء كلما اقترب منها أحد القادة.
وقف أنوس أمام منضدةٍ حجرية، وخلفه معاوناه. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته؛ كان كل من في الخيمة يعرف أن الخطأ في نقل أمرٍ واحد قد يكلّفه أكثر من عقوبة.
قال أحد المعاونين: «اكتملت الوحدات في الجناح الغربي. بقيت مجموعتان لم تتسلما الخواتم.»
«لن ينتظروهما.» قال أنوس. «اجعلوا المجموعتين في الصف الثاني. لا أريد أن يتأخر الهجوم بسبب أداةٍ صغيرة.»
رفع المعاون خاتماً أسود بين إصبعيه. لم يكن مزخرفاً. سطحه مطفأ، وفي داخله شقٌّ رفيع كأنه أثر ضربةٍ لم تكتمل.
«بعض المقاتلين يشتكون من ضعف تدفق المانا.»
نظر أنوس إلى الخاتم. «هذا ما صُمم له. لا يسرق المانا، ولا يمنع السحر. يضيّق مسارها فقط. من كان يعرف كيف يتحكم في قوته سيواصل القتال. أما من اعتاد أن يترك المانا تنفجر حين يغضب، فسيكتشف أن يده لم تعد تطيعه بالسرعة نفسها.»
«وقد يتسبب ذلك في سقوط بعض الوحدات.»
«إذن لن نضع الخواتم في أيدي الوحدات التي نحتاج إلى اندفاعها أولاً. ضعوها على من يتوقع البشر أنهم أخطر مقاتلينا.»
كانت الخطة واضحة: سيظن البشر أن الخواتم أداةٌ لتعطيل السحر كله، فيركزون على انتزاعها. بينما هي لا تفعل سوى إبطاء تدفق المانا، وتجعل المقاتل يستهلك جهداً أكبر للحفاظ على الدقة. أما أصحاب السيطرة الحقيقية، فسيستطيعون تجاوز أثرها جزئياً، لكنهم سيدفعون ثمناً في التركيز والقدرة على الاستمرار.
لم يكن أنوس بحاجةٍ إلى أن يربح المعركة الأولى. كان يريد أن يعرف كيف يتصرف أبطال البشر حين تُسحب منهم الراحة التي اعتادوها.
في طرف الخيمة، وقف أحد الشياطين يحمل تقريراً عن مواقع البشر. أشار إلى الممر الشرقي، ثم إلى المرتفع الشمالي.
«يتوقعون أن نندفع إلى الوادي.»
«بل يريدوننا أن نعتقد أنهم يتوقعون ذلك.» قال أنوس.
«إذن نغيّر المسار؟»
«لا. نرسل ما يكفي من الشياطين الدنيا ليختبروا الحاجز. إذا أغلقوه، نعرف موضعه. وإذا تركوه، نعرف أنهم ينتظروننا. في الحالتين سنرى ما لا يريدون إظهاره.»
سكت المعاون، ثم قال: «وماذا عن إيثان؟»
رفع أنوس عينيه. «لا تقتربوا منه أكثر مما يلزم. أريده حياً.»
«أتعرف ما الذي يستطيع فعله؟»
«أعرف ما الذي لا يستطيع فعله بعد. إنه يحمل بركة السيوف، لكنه لم يبلغ ما بلغه كاستور فاين. لا تخلطوا بين إرثٍ عظيم وبين صاحبه.»
لم يكن في صوته ازدراء. كان ذلك أسوأ؛ كان يتحدث عن إيثان كما يتحدث عالمٌ عن تجربةٍ لم تكتمل.
ثم تحركت إحدى الستائر السوداء خلف العرش المحمول في نهاية القاعة. لم يظهر وجهٌ خلفها، لكن الهواء ثقل. انحنى المعاونان فوراً.
لم ينحنِ أنوس إلا بعد لحظة.
كان الكيان الجالس خلف الستار لا يكشف ملامحه. يدان شديدتا البياض استقرتا على ركبتيه، ووجهٌ خالٍ من التفاصيل بدا كأنه مساحةٌ أُزيلت منها الحياة لا الضوء فقط.
قال صوتٌ لا يتضح إن كان رجلاً أم صدى: «هل أتممت جمع ما طلبت؟»
أجاب أنوس: «أتممت ما يتصل بالحرب.»
لم يكن ذلك جواباً كاملاً. ولم يطلب الكيان توضيحاً.
«والحامل؟»
«إيثان سيكون حياً.»
تحركت إحدى اليدين قليلاً. «لم أسأل عن إيثان.»
ثبت أنوس نظره إلى الأرض. «أعلم.»
ساد الصمت. كان في تلك اللحظة شيءٌ يشبه اختبار الطاعة، لكن أنوس لم يبدُ خائفاً. بدا كمن يخفي ورقةً في كمّه، وينتظر اللحظة المناسبة ليقرر إن كان سيخرجها أو يحرقها.
«لا تتأخر.» قال الكيان.
«لن أتأخر.»
خرج المعاونان أولاً. بقي أنوس لحظةً أمام الستار، ثم انحنى وغادر.
في الممر، وجد غوتيا تنتظره. كانت سلاسلها تجر فوق الحجر، وثوبها الأبيض متسخاً عند الحافة. قرناها الملتويان يطلقان ضباباً أسود خفيفاً، وقلادتها الهلالية تستقر على صدرها.
قالت: «لم تخبره بكل شيء.»
أجاب أنوس من دون أن يتوقف: «لم يكن كل شيء من شأنه.»
ضحكت. «هذا ما تقوله دائماً حين تخفي شيئاً.»
«وأنتِ لا تسألين إلا حين تعرفين الجواب.»
مالت برأسها. «إذن ربما ينبغي أن تسأل نفسك لماذا أتركك تمشي.»
لم يلتفت إليها. «لأنك تريدين رؤية ما سيحدث حين يسقط البشر.»
توقفت ضحكتها للحظة. «لا. أريد أن أرى ما سيحدث حين يظن أحدهم أنه صار أقوى من الجرح الذي صنعه.»
لم يجب. كانت تعرف أنه فهم أن كلامها لا يخص الحرب وحدها.
من بعيد، وصل صوت كمانٍ واحد، بطيءٍ وحاد. لم يكن عزفاً كاملاً؛ كان اختباراً لنغمةٍ طويلة. ابتسمت غوتيا.
«فارخان بدأ.»
قال أنوس: «دعيه يعزف حتى يحين الوقت.»
«هو لا ينتظر الوقت. الوقت هو الذي ينتظره.»
تابع أنوس سيره. لم يكن يثق بغوتيا، ولم يكن يثق بفارخان، ولم يكن يخبر الوجه الأبيض بكل ما يجمعه. لكنه كان يعرف أن جيشه لن يتحرك كما يريد إلا إذا سمح لكل قائدٍ بأن يظن أن له هدفه الخاص.
وكانت الحرب، بالنسبة إليه، أكثر من أرضٍ تُحتل. كانت طريقاً إلى شيءٍ لم يجرؤ بعد على تسميته.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.