الريح التي تعرف الأسماء
لم أكن أبحث عن غوتيا في الميدان كله. كنت أعرف أنها ستختار موضعاً ترى منه المعركة وتستطيع الانسحاب متى أرادت. كانت تفضّل أن تترك الآخرين يقتربون من فخها، ثم تظهر حين يصبح التراجع أكثر كلفةً من البقاء.
أخذ جورج يسير إلى جانبي. لم يحمل رايةً، ولم يطلب حرساً. كان يريد أن يبدو رجلاً عادياً بين الرجال، لكن طريقة الجنود في إفساح الطريق له جعلتني أدرك أن اسمه وحده يكفي.
قال: «لا تطاردها إن ظهرت ثم تراجعت.»
«أعرف.»
«لا تدخل منطقةً لا أستطيع رؤيتك فيها.»
«أعرف.»
«ولا تجعلها تستعمل اسم زيك لتخرجك من الخطة.»
توقفت. «كيف عرفت أنها ستفعل؟»
نظر إلى الوادي. «لأنها فعلت ذلك من قبل. ولأنني رأيت ما يحدث حين يتحول الجرح إلى مقود.»
لم يكن يعرف كل ما فعلته غوتيا بي، لكنه كان يعرف أنني أستطيع أن أنسى الميدان كله حين أسمع ضحكتها.
وصلنا إلى ممرٍ جانبي بين صخرتين. كان الهواء يتحرك فيه على نحوٍ غريب، يدور إلى الداخل رغم أن الريح العامة تهب من الغرب. وضعت يدي على سيف أبي.
قال جورج: «هنا.»
ظهرت غوتيا فوق صخرةٍ منخفضة، وثوبها الأبيض يتحرك حول ساقيها. كانت سلاسلها تجر على الحجر، ومنجلها المقوس يتأرجح دون أن تمسكه بقوة. قرناها يطلقان ضباباً أسود، والقلادة الهلالية تتدلى على صدرها.
ابتسمت حين رأتني. «عدت من المقبرة إذاً.»
قلت: «لم أذهب إليها بإرادتي.»
«لكنك خرجت منها. هذا أكثر مما يستحقه معظم من أرسلهم.»
تقدمت خطوة. تحرك الهواء حول قدميّ، ثم ضغط على ركبتيّ كأن حجراً وُضع فوقهما. لم يكن ذلك سحراً ثقيلاً في مظهره؛ لم يظهر ضوءٌ ولا دائرة. كانت الريح نفسها قد تحولت إلى يدٍ غير مرئية.
أطلقت النار من راحتي، فشققت ضغط الهواء حولي. اندفعت نحوها، لكنها اختفت من موضعها قبل أن يصل النصل. ظهر منجلها خلف كتفي، واصطدم بالسيف. تطايرت شرارات سوداء.
قال جورج وهو يتقدم: «لا تتركها تتحكم في المسافة!»
سمعتها تضحك. رفعت يدها، فارتفع غبار الوادي إلى الأعلى. لم يكن إعصاراً كبيراً؛ كان دوامةً ضيقةً تجمع الحصى والشظايا حولنا، ثم أطلقتها في اتجاهين.
غطى جورج وجهه بدرعه، بينما دفعت الماء أمامي. تجمدت قطراته في الهواء، وشكلت طبقةً رقيقةً أبطأت الحصى. لم أوقفها كلها؛ خدشت إحداها خدي، ومرّت أخرى فوق كتفي.
«ما زلت تستخدم عناصر العالم كما لو أنها أدواتك.» قالت غوتيا. «ألا تخاف أن تنفد؟»
«أخاف.»
«إذن لماذا تستمر؟»
«لأنك أمامي.»
اتسعت ابتسامتها. «هذه إجابةٌ سيئة.»
شدت أصابعها. أطلقت غوتيا «قيد الخواء»؛ انضغط الهواء فجأةً حول صدري. شعرت بأضلعي تتقارب، وبالهواء يخرج من رئتيّ. حاولت سحب نفسٍ فلم أجد إلا ضغطاً بارداً. دفع جورج رمحه إلى الأرض، وأطلق موجةً من قوته الجسدية نحو الصخرة التي تقف عليها. تشققت، فاختل توازنها وانفك الضغط للحظة.
استعدت أنفاسي. «شكراً.»
قال جورج: «لا تشكرني. ما زلت مديناً لك بوجبةٍ لم نأكلها.»
هاجمنا معاً. لم يكن قتال جورج مثل قتالي. لم يستخدم المانا إلا قليلاً، ولم يحاول منافستها في السرعة. كان يقرأ المسافة، ويضع نفسه حيث يضطرها ذلك إلى تغيير زاوية هجومها. كلما تحرك منجلها نحوي، قطع عليها الطريق برمحه؛ وكلما هاجمته بالسلسلة، ترك لها جزءاً من درعه كي يعلق بها ثم تراجع.
بدأت غوتيا تفقد صبرها. رفعت منجلها وأطلقت «شفرة الريح القاطعة»، فانفصلت عنه موجةٌ من الهواء الحاد، مرت على الصخرة خلفي وشطرتها إلى نصفين.
قالت: «أهذا ما جئت به؟ رجلٌ يختبئ خلف رمحه؟»
رد جورج: «جئت لأتأكد أنك لن تقتلي الفتى قبل أن ينتهي من أخطائه.»
لم تعجبها الكلمة. اندفعت نحوه، وضربت بسلسلتها. صدها، لكن الهواء حوله انكمش. سمعته يلهث. رأيت قدميه تغوصان في التراب تحت ضغطٍ متزايد.
أطلقت موجةً مائية نحو الأرض، ثم حولتها إلى جليدٍ تحت قدميها. لم تسقط، لكنها اضطرت إلى تعديل وقفتها. استغليت اللحظة، وهاجمت من الجانب.
صدت سيفي بمنجلها، ثم دفعتني بريحٍ عكسية. ارتطمت بكتفي بالصخرة، وشعرت بالألم يمتد إلى ذراعي. لم ينكسر العظم، لكنه جعل قبضتي أضعف.
قالت غوتيا: «أنت تشبهه حين يغضب.»
تجمدت للحظة.
«من؟»
«أبوك.»
اندفعت نحوي، فصد جورج الضربة قبل أن تصل. لكنه كان قد تأخر جزءاً من الثانية. التفّت السلسلة حول رمحه، وسحبتها غوتيا بقوة. كاد يفقد سلاحه، لكنه ترك المقبض بيدٍ وأمسك السلسلة بالأخرى.
«كالن! لا تنظر إليها!»
كانت غوتيا تبتسم. «ألم يخبرك كيف مات؟»
أطلقت النار. لم تكن ضربةً محسوبة؛ كانت انفجاراً من غضبٍ مكبوت. دفعتها إلى الخلف، وأحرقت طرف ثوبها الأبيض، لكنها لم تصب جسدها. استغلت اتساع اللهب، ورفعت الريح من تحته، فأعادته نحوي.
اضطررت إلى شق النار بسيفي. مرّ اللهب فوق رأسي، وسقط على الصخرة خلفي.
قال جورج: «لا تمنحها ما تريد!»
سمعت كلامه، لكنني لم أستطع إبعاد اسم زيك عن رأسي. كانت غوتيا تعرف أين تضرب. لم تكن تريد قتلي بسرعة؛ كانت تريد أن تجعلني أقاتل كما قاتلت في القرية، بلا خطةٍ ولا انتباه.
تراجعت خطوة، ثم نظرت إلى القلادة الهلالية على صدرها. كانت تتأرجح مع حركة جسدها. ثلاثة خطوطٍ ملتفة حول الهلال، وفي طرفه كسرٌ صغير. الرمز نفسه الذي رأيته على قلادة نبيديا، وعلى إطار لوحة ليلسوص.
قلت: «قريطوس.»
تغير وجهها.
لم تهاجمني فوراً. وضعت أصابعها على القلادة، وانخفض المنجل قليلاً. للحظةٍ قصيرة، لم أرَ القائدة التي تضحك وسط الدم. رأيت امرأةً تحاول أن تمنع كلمةً من الوصول إلى مكانٍ قديم في داخلها.
«لا تنطق اسمه.»
«كان زوجك.»
رفعت رأسها بسرعة. «قلت لك لا تنطق اسمه!»
اندفعت الريح من حولها حتى تحولت إلى شفراتٍ رفيعة. ارتطمت بالصخور، وقطعت أطراف الثياب، وشقت الأرض أمامنا. تراجع جورج، ورفع درعه ليحمي وجهه.
لم أعد أرى غضباً فقط في عينيها. كان هناك شيءٌ آخر، شيءٌ جعلها أكثر خطراً: خوفٌ من أن تتحول ذكرى زوجها إلى حقيقةٍ لا تستطيع قتلها.
ثم اختفت.
لم تترك خلفها سوى ضبابٍ أسود يتلاشى قرب الصخرة.
قال جورج وهو يلتقط أنفاسه: «لا تتبعها.»
«كانت أمامنا.»
«وكانت تريدك أن تنسى كل شيءٍ آخر.»
نظرت إلى الأرض. كان الدم يسيل من كتفي، ويدي ترتجف. لم تكن غوتيا قد هُزمت، ولم نكن قد اقتربنا من نهاية المعركة. لكنني عرفت الآن أن القلادة ليست مجرد علامةٍ على سلاحها.
كانت مفتاحاً إلى شيءٍ أقدم.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!