وضع القراءة:

حين دخل الليل

لم يظهر قابيل من بوابةٍ ولا من دائرةٍ سحرية. لم يسبقه دخانٌ أو برق. انفتح الظلام في الهواء كما ينفتح جرحٌ في قماشٍ مشدود، ثم بدأت ظلال الوادي تتجمع في نقطةٍ واحدة، حتى صار الليل كتلةً قائمةً بيننا.
خرجت منها هيئةٌ طويلة يلفها ثوبٌ لا يلتقط الضوء. كانت يداه شديدتي البياض، والوجه الذي يعلو الجسد خالياً من أي تفصيل؛ لا عينين ولا أنفاً ولا فماً. لم يكن قناعاً، ولم يكن جلداً شاحباً. بدا كأن أحدهم محا ملامحه من العالم وترك مكانها بياضاً لا يعكس شيئاً.
ظهرت في ذلك البياض شقوقٌ دقيقة، سوداء كالحبر، ثم اختفت. لم يتحرك الظل خلفه مع الضوء، بل امتد في اتجاهٍ يخالفه، وزحف على الصخور حتى غطى أقدام الجنود.
عرفته قبل أن ينطق به أحد. تذكرت اليدين البيضاوين فوق الفخذين، والوجه الذي لم يكن له وجه، والعرش الذي لم يكن يضيء حوله اللهب الأسود.
قابيل.
حكيم الظلام الذي كان مسؤولاً عن الليل، وأحد الحكماء الخمسة الذين أسسوا نظام هذا العالم. لم يحتج إلى تاجٍ كي يبدو صاحب سلطة؛ كان المكان نفسه ينسحب من حوله.
نظر إلى أنوس الملقى على الأرض، ثم إلى إيثان.
قال: «أخذت وقتاً طويلاً.»
لم يرفع أنوس رأسه. «كانت هناك مقاومة.»
«رأيت.»
لم يكن في صوته غضبٌ ولا إعجاب. كان يتحدث كما لو أن ما حدث مجرد نتيجةٍ تأخرت.
حاول إيثان الوقوف. رفع سيفه، لكن نصل البركة لم يستجب كما كان يستجيب قبل دقائق. لم تكن المانا قد نفدت منه وحده؛ كان قابيل يطبق «ختم الليل»؛ لا يستنزف المانا، بل يفصل مؤقتاً بين إرادة حامل البركة ومسار السيف، كما يفصل الليل بين الضوء ومصدره.
صرخ أحد الجنود: «احموا القائد!»
تحركت مجموعةٌ من الفرسان، لكن قابيل لم ينظر إليهم. ارتفع ظله، ثم امتد فوقهم. سقطوا جميعاً على ركَبهم، لا من ضربةٍ جسدية، بل لأن الليل دخل أجسادهم وأوقف ما يجعلهم يقفون.
لم يقتلهم. تركهم عاجزين، وكأنه لم يرَ فيهم خصوماً يستحقون جهداً.
قال إيثان: «لن تأخذه.»
ابتسم قابيل للمرة الأولى. «ما زلت تظن أن الأمر يتعلق بما تريد أنت.»
رفع إيثان سيفه. حاول أن يستدعي البركة، فظهرت سبعة خطوطٍ باهتة حول النصل، ثم تلاشت. لم تكن البركة قد خذلته؛ كان الختم يمنعها من الوصول إلى النصل في اللحظة التي يحتاجها فيها. لم تكن الخواتم هي السبب هذه المرة. كان قابيل يضع شيئاً أعمق فوق السحر، طبقةً من الظلام تفصل الإرادة عن القوة.
اندفع إيثان رغم ذلك.
وصل إلى قابيل في خطوتين، وضرب نحو عنقه. لم يتحرك قابيل. لم يرفع ذراعه. انحرف النصل عن مساره قبل أن يلمسه، كما لو أن المسافة نفسها رفضت الاقتراب منه.
ظهر قابيل خلف إيثان.
لم أره يتحرك.
مد يده إلى ظهره، ثم لمس موضعاً تحت كتفه. تجمد جسد إيثان، وسقط السيف من يده. حاول أن يلتفت، لكن الظلام التف حول صدره وذراعيه.
صرخت باسمه، واندفعت نحوه.
لم أكن أفكر في الخطة. لم أكن أفكر في جورج أو إميليا أو الجنود. رأيت إيثان يُسحب من أمامي، ورأيت اليد التي أمسكت بي يوماً حين لم أستطع الوقوف بعد موت ليليا، ثم رأيت الرجل نفسه عاجزاً أمامي.
أطلقت كل ما بقي في جسدي.
النار، الماء، الريح، الحجر، والثلج الذي تعلمته في السنوات الماضية. اندفعت العناصر نحو قابيل في وقتٍ واحد. لم تكن تعاويذ منفصلة؛ كانت محاولةً يائسة لخلق مساحةٍ يستطيع إيثان التحرك داخلها.
تحرك قابيل أخيراً.
رفع إصبعاً واحداً.
توقفت العناصر.
لم تنطفئ. بقيت معلقةً في الهواء، ثم بدأت تتراجع نحوي، كأنها عادت إلى صاحبها. انضرب جسدي بموجةٍ من المانا التي أطلقتها، فسقطت على الأرض. شعرت بأضلعي تتشقق، وبالدم يصعد إلى حلقي.
حاولت النهوض.
رأيت إميليا تتحرك من جانبي. كانت مصابةً، لكنها مدت خيوطها نحو الظلام الذي يربط إيثان. لم تستطع قطعه، لكنها أبطأت انغلاقه.
قالت: «كالن! لا تقترب!»
لم أسمعها.
اندفعت مرةً أخرى. هذه المرة لم أستخدم العناصر. رفعت سيف أبي، ووجهت الضربة إلى قابيل مباشرةً. كان في داخلي شيءٌ لم أفهمه، شيءٌ جعل النصل يرتجف قبل أن يصل. رأيت خطوطاً بيضاء تظهر على حافة الظلام، كأن السيف يلمس شيئاً لا ينبغي لبشرٍ أن يلمسه.
تغير وجه قابيل.
للمرة الأولى، نظر إليّ باهتمامٍ حقيقي.
قال: «إذن كانت الروح هنا.»
ثم ضربني.
لم أستطع رؤية يده. شعرت بالضربة في صدري، ثم سمعت صوتاً داخلياً كأن عظمةً كبيرة انكسرت دفعةً واحدة. طار جسدي نحو الصخور، وارتطم بها، ثم سقط على الأرض.
لم أتنفس.
حاولت تحريك يدي، فلم أجدها. حاولت فتح عيني، لكن الظلام كان ثقيلاً. كان جسدي يتفكك من الداخل، ولم تعد المانا تستجيب. لأول مرةٍ منذ مدةٍ طويلة، شعرت أن الخلود لا يستطيع الوصول إليّ في الوقت الذي أحتاجه.
رأيت إيثان يختفي داخل طبقةٍ من الظلام. كان يحاول أن يقاوم، لكن قابيل وضع يده على جبينه، فخفتت البركة في عينيه.
قال إيثان بصوتٍ بعيد: «كالن...»
لم أستطع الرد.
قال قابيل لأنوس: «خذ ما تبقى من الجيش. لا تطاردوا من يهرب. انتهت مهمتنا هنا.»
نظر أنوس إلى إيثان. «هل نقتله؟»
«لا.»
أحاط الظلام بجسد إيثان أكثر.
«هذا ليس موته.»
حاولت النهوض للمرة الأخيرة. لم أستطع. رأيت قابيل يلتفت نحوي، ثم يتوقف لحظةً كأنه يراجع شيئاً في ذاكرتي.
قال: «أنت لست مستعداً بعد.»
ثم اختفى.
لم تذهب الأصوات دفعةً واحدة. سمعت إميليا تنادي، وسمعت جورج يصرخ من بعيد، وسمعت الجنود يتراجعون. ثم صار كل شيءٍ بعيداً، حتى صوت قلبي.
كان يتوقف.
هذه المرة لم أكن أخشى الموت. كنت أخشى أن أعود إلى الحياة فأجد أن كل ما حاولت حمايته قد اختفى.
ثم انطفأ كل شيء.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.