الرسالة التي لم تصل
حين استطعت الجلوس، دخل رودان إلى خيمة العلاج مستنداً إلى عصا مؤقتة. كان وجهه شاحباً، وجانبا صدره ملفوفين بضماداتٍ عريضة. لم يكن كتفه يتحرك كما ينبغي، لكنه أصر على أن يأتي بنفسه.
وقف عند طرف السرير. نظر إليّ طويلاً قبل أن يقول: «كنت أظنك لن تعود.»
«أنا أيضاً.»
لم يبتسم. أخرج ورقةً مطوية من جيبه الداخلي، ووضعها على الطاولة بيننا.
عرفتها قبل أن يشرح. كانت الورقة التي رأيت تافن يمرر إبهامه على حافتها قرب النار، ويخفيها كلما سأله أحدٌ عنها.
قال رودان: «لم تصل إلى أمه. أعطاني إياها قبل أن يموت.»
فتحتها ببطء. كانت البداية مشطوبة: «أمي، أنا بخير.» وتحتها جملةٌ أخرى شُطبت هي أيضاً: «المعسكر هادئ.» لم يبقَ في آخر الصفحة إلا سطرٌ واحد، كُتب بخطٍ مضطرب:
«أمي، أنا أحاول أن أكون شجاعاً.»
لم أقرأ ما بعده. لم يكن هناك ما بعده.
قال رودان: «كان يريد أن يكتب الحقيقة. لكنه لم يجد وقتاً.»
تذكرت تافن قرب النار، حين قال إنه يريد خبز أمه الساخن، وإنه يخاف حتى من النوم. تذكرت درعه الأكبر من مقاسه، والحبل الذي كان يربطه كلما تحرك. لم يكن شجاعاً طوال الوقت. لم يكن يعرف كيف يثبت يديه، ولم يكن يعرف إن كان سيعود. لكنه بقي حين كان يستطيع أن يتراجع.
سألته: «كيف مات؟»
لم يختصر رودان الأمر. أخبرني عن الجندي الذي حاول تافن إنقاذه، وعن الدرع الذي تشقق، وعن الضربة التي اخترقت صدره حين أبقى الطريق مفتوحاً. لم يصفه بطلاً، ولم يجعل موته جميلاً. قال إنه كان خائفاً، وإنه كان يطلب منهم أن يبتعدوا، وإنه ظل يرفع الدرع حتى لم تعد ذراعاه قادرتين على حمله.
ثم قال: «سألني إن كان الجرحى قد عبروا. قلت له نعم. قال: إذن لم أفسد الأمر.»
أعدت الورقة إلى الطاولة. لم أستطع أن أبتلع شيئاً في حلقي.
«ماذا قلت له؟»
«قلت إنني سأخبر أمه أنه كان خائفاً، لكنه بقي.»
أغمضت عيني. كان ذلك أصدق من كل ما يمكن أن يقوله الناس عن الشجاعة.
دخلت إميليا بعد قليل. كانت ذراعها مربوطة، وعلى وجهها آثار تعبٍ لم يختفِ. لم تسألني إن كنت أشعر بتحسن. وضعت كوب الماء قرب فمي وانتظرت حتى استطعت الشرب.
سألتها: «إيثان؟»
أغمضت عينيها لحظة. «أخذه قابيل.»
«وجورج؟»
«حي.»
«ميرا وميرك؟»
«مصابان. رودان أيضاً.»
نظرت إلى رودان. لم يعترض على وصفه بالمصاب. كان جسده يقول أكثر مما يريد قوله.
«وفارخان؟»
«سقط.»
«وغوتيا؟»
«لم تعد في الميدان.»
لم يكن في صوتها نصر. كانت تحاول أن تذكر أسماء الموتى والناجين دون أن تخلط بينهم.
حاولت النهوض. منعني الطبيب، لكنني أصررت حتى وضعت قدمي على الأرض. لم أكن قادراً على السير وحدي؛ كان جسدي لا يزال يتعلم كيف يحملني. ومع ذلك، أردت أن أرى من بقي.
وجدت جورج في خيمةٍ مجاورة. كانت الضمادات تحيط بمعصميه حتى منتصف الساعدين. لم تكن هناك يدان تحتهما. حاول أن ينهض حين رآني، ثم تذكر أنه لم يعد يستطيع الاستناد إلى كفيه.
قال: «عدت.»
قلت: «نعم.»
«هل انتهى الأمر؟»
«لا.»
نظر إلى الضمادات. «إذن لم ننتهِ نحن أيضاً.»
لم أجد ما أقول. كانت عيناه تحملان ألماً لا يمكن أن يخففه اعتذاري، ولم أكن أريد أن أطلب منه أن يسامح نفسه من أجل راحتي.
رأيت ميرا قرب العربة. كان كتفها مربوطاً، ويدها في ضمادٍ سميك. لم ترفع رأسها حين اقتربت.
قلت: «ميرا.»
نظرت إليّ. بقيت لحظةً لا تتكلم، ثم قالت: «كنت أظن أنك مت.»
«كنت.»
«هذا ليس جواباً جيداً.»
لم تبتسم. أخرجت قطعة الخبز التي كانت قد وضعتها قرب عباءة تافن، وقد صارت قاسيةً وجافة.
قالت: «لم يأكلها.»
لم أعرف ماذا أقول.
في الجهة الأخرى، كان ميرك يحاول إصلاح عربةٍ مكسورة بيدٍ واحدة. لم يعد يستطيع الإمساك بالمطرقة كما كان، فاستعمل قطعة قماشٍ ليثبتها حول كفه. رفعها حين رآني.
«هذه المرة لن أصنع مقعداً يسقط.»
قلت: «اصنع عربةً لا تنكسر.»
أجاب: «هذا أصعب.»
لم نضحك. لم تكن النكتة قد عادت إلى مكانها بعد.
في ذلك اليوم عرفت أنني عدت من الموت، لكنني لم أعد إلى العالم نفسه. إيثان غائب، وتافن لن يعود، وجورج سيحتاج إلى أن يتعلم حياته من جديد، وإميليا ستظل تسمع صوت أختها كلما صمتت القاعة. أما أنا، فكنت أتنفس مرةً أخرى، ولم أكن أعرف إن كانت هذه نعمةً أم طريقةً أخرى للعقاب.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!