وضع القراءة:

تاجٌ من شقوق

لم تكن المملكة قد سقطت في يومٍ واحد. هذا ما فهمته حين بدأ إيثان يشرح لي كيف وصل الجيش إلى المضيق، وما الذي اضطره إلى جمع رجالٍ من نقاباتٍ متفرقة وقرى لم تعد تثق بالقصر.
قال إن موت الملك لم يترك فراغاً في العرش فقط؛ ترك فراغاً في كل مؤسسةٍ كانت تستمد شرعيتها من وجوده. لم يتفق النبلاء على وريثٍ واحد. بعضهم أراد تنصيب قريبٍ من العائلة الملكية، وبعضهم رأى أن ضعف القصر فرصةٌ لانتزاع الأقاليم، وآخرون أعلنوا أنهم يحمون البلاد بينما كانوا يفتحون مخازن السلاح لأنفسهم.
لم تبدأ الخيانة برايةٍ شيطانية فوق الأسوار. بدأت برسالةٍ مختومة، وبقائد حاميةٍ أُمر أن يؤخر تبديل الحراس، وبطريقٍ تجاريٍ فُتح ليلاً لقافلةٍ لم تحمل قمحاً كما ادعت. لم يكن الشياطين بحاجةٍ إلى اقتحام المملكة كلها؛ كان يكفيهم أن يجدوا بشراً يفتحون لهم الأبواب.
حين وصل إيثان إلى العاصمة، كانت الأحياء الخارجية قد انقسمت. في الشمال، بقيت الحامية الملكية وفيّةً للعائلة. في الجنوب، سيطر نبلاءٌ على المخازن والجسور. أما داخل القصر، فكان كل خادمٍ يخشى أن يحمل رسالةً إلى الشخص الخطأ.
قال إيثان: «أول ما تعلمته في تلك الأيام أن الراية لا تحمي من يقف تحتها إذا لم يبقَ أحدٌ مستعداً للدفاع عنها.»
سألته: «وكيف أنقذت وريثة العائلة؟»
لم يجب فوراً. نظر إلى يده، إلى الندبة التي تمتد من قاعدة الإبهام نحو المعصم.
«لم أنقذها في معركةٍ واحدة.» قال. «أنقذناها على مراحل. في الليلة الأولى، كان علينا إخراجها من الجناح الشرقي قبل أن يصل رجال النبيل الذي أراد تسليمها إلى الشياطين. لم يكن الطريق إلى الباب هو المشكلة؛ المشكلة كانت في الحرس الذين يعرفون وجوهنا.»
أخبرني أن أحد الضباط السابقين فتح لهم ممراً خلف المطبخ. لم يكن بطلاً، ولم يطلب مكافأة. كان رجلاً خاف من أن يرى ابنته ترتدي شعار الحامية التي خانت القصر. قادهم عبر ممرات الخدمة، ثم أغلق الباب من خلفهم وبقي في الداخل ليؤخر المطاردين.
لم يذكر إيثان اسمه. لم يكن يعرف إن كان قد نجا.
«خرجت الوريثة مع أربعة حراسٍ فقط.» تابع. «وعندما وصلنا إلى الساحة، كان النبيل قد أغلق البوابة. اضطررنا إلى عبور الجسر القديم، وهناك وجدنا أول وحدةٍ شيطانية.»
لم يكن هجومها واسعاً. كانت مجموعةً صغيرة من الشياطين المتوسطة، يقودها مخلوقٌ ذو قرنين قصيرين وذراعٍ مغطاة بصفائح عظمية. حاولوا فصل الوريثة عن الحرس، لا قتلها. كانت تلك أول إشارةٍ إلى أن الشياطين لا يريدون تدمير المملكة كلها؛ كانوا يريدون أن يختاروا من يبقى على العرش.
قال إيثان: «لو قاتلتهم في الساحة، لخسرت الوقت والوريثة. قطعت الطريق على اثنين، وأمرت الحرس أن يكملوا. لم أكن أستطيع أن أكون في موضعين.»
«وماذا حدث للضابط الذي بقي خلفكم؟»
أطبق إيثان فكه. «لم نره بعد ذلك.»
لم يضف شيئاً. كان في صمته جوابٌ لا يريد أن يحوله إلى قصةٍ بطولية.
بعد خروج الوريثة، لم يتجه إيثان إلى حصنٍ آمن، بل إلى مدينةٍ داخليةٍ بقيت فيها وحداتٌ لم تعلن ولاءها لأي نبيل. جمع الجنود الذين فقدوا قادتهم، والمغامرين الذين لم يريدوا أن يصبحوا أدواتٍ في يد الشياطين، والحراس الذين رفضوا تسليم القرى مقابل حمايةٍ لا يثقون بها.
لم يكن الجيش الذي بناه كبيراً. كان مكسوراً، متعباً، ناقص العتاد. بعض وحداته لم تكن تملك دروعاً متشابهة، وبعضها جاء من القرى ومعه أدوات صيدٍ بدل الرماح. لكنه امتلك شيئاً لم يستطع النبلاء شراءه: سبباً مشتركاً للبقاء.
قال جورج حين سمع القصة: «هذا يفسر لماذا لا يريد إيثان أن يترك أحداً خارج الحسابات.»
رد إيثان: «لأن كل شخصٍ بقي معنا كان يستطيع أن يختار طريقاً أسهل. لا أستطيع أن أطلب منهم الثقة ثم أتعامل معهم كأعداد.»
كان ذلك صحيحاً، لكنه لم يكن كافياً. فالجيش الذي جمعه لم يكن يقاتل الشياطين وحدهم. كان يقاتل أيضاً الخوف من أن تنتهي الحرب ويجد أفراده أن المملكة التي ماتوا لحمايتها لم تعد موجودة.
في اليوم التالي لخروج الوريثة من العاصمة، أُحرقت مخازن القمح في الحي الجنوبي. لم يعرفوا إن كان الفاعل من الشياطين أم من رجال النبلاء، لكن النتيجة كانت واحدة: آلاف الأفواه بلا طعام. اضطر إيثان إلى تقسيم المؤن بين الجنود والمدنيين، فغضب بعض القادة لأن ذلك أضعف الجيش. لم يغير قراره.
«إذا تركنا الناس يموتون جوعاً كي نحافظ على مخزونٍ للمعركة، فما الذي سنحميه حين ننتصر؟» سألهم.
لم يعجب السؤال الجميع. لكنه أجبرهم على التفكير.
منذ تلك الأيام، أصبح إيثان ينام ساعاتٍ قليلة، ويأكل حين يتذكر، ويقرأ التقارير بنفسه. كان يعرف أن بركة السيوف تجعل الجنود يرون فيه أكثر من قائد، لكنها لا تمنحه الحق في أن يخطئ دون حساب.
كنت أستمع إليه وأفهم شيئاً لم أره في القصص التي تتحدث عن الورثة الثمانية. لم يكن حمل البركة وحده هو العبء. العبء أن يعتقد كل جنديٍ أن وجودك يعني أن النجاة ممكنة، ثم تضطر أنت إلى اختيار من سيبقى في موضع الخطر.
قال إيثان وهو يطوي تقريراً قديماً: «لم أستطع إنقاذ كل من خرج معي من العاصمة. بعضهم بقي عند الجسر، وبعضهم مات وهو يحمي الطريق إلى المدينة الداخلية. وحين أنقذت الوريثة، لم أشعر أنني انتصرت. شعرت فقط أنني اشتريت وقتاً.»
«والآن؟» سألت.
نظر إلى الرايات خلف الخيمة. «الآن نحاول أن نجعل ذلك الوقت كافياً.»
لم تكن المملكة قد عادت إلى ما كانت عليه. لم تُحلّ خصومة النبلاء، ولم تختفِ المدن المنقسمة، ولم تتوقف الشائعات عن مصير الملك. لكن إيثان لم يطلب من الجيش أن يعيد المملكة القديمة. كان يحاول أن يمنعها من السقوط الكامل، حتى يجد الناس فرصةً ليقرروا ما الذي يريدون بناءه بعد ذلك.
أدركت أن الحرب عنده لم تكن معركةً واحدةً ضد أنوس. كانت امتداداً لكل قرارٍ اتخذه منذ موت الملك: من يخرج من القصر، ومن يبقى عند الجسر، ومن يحصل على الطعام، ومن يُرسل إلى الممر، ومن لا يستطيع العودة.
وفي تلك الليلة، رأيت إيثان واقفاً وحده أمام خريطةٍ أخرى. لم يكن يحرك القطع. كان ينظر إلى الأسماء المكتوبة على جوانبها، أسماء القادة والجنود الذين فقدهم قبل أن تصل الحرب إلى المضيق.
لم أسأله إن كان يتذكرهم جميعاً. فهمت من طريقته أنه لا يحتاج إلى السؤال.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.