جنازات بلا رايات
في اليوم الذي بدأ فيه الدفن، خرجت من خيمة العلاج رغم اعتراض الطبيب. لم أكن أستطيع الوقوف طويلاً، فاستندت إلى عصاٍ قصيرة، ومشيت بين الجنود الذين كانوا يتهيؤون لدفن موتاهم.
لم ترفع القيادة رايةً واحدة. لم يكن هناك من يملك الحق في أن يطلب من الجنود تحية قائدٍ لم يعد بينهم، ولا من يستطيع أن يعلن أن كل ما حدث كان تضحيةً ضرورية. كانت الحفر ضحلة، والأرض صلبةً من أثر الصدمات والمانا، والرجال يحفرون بأدواتٍ لم تُصنع لهذا العمل. بعض الجثث أمكن التعرف عليها، وبعضها لم يبقَ منها ما يكفي لاسمٍ أو ملامح.
لم أستطع قراءة كل الأسماء. كنت أخشى أن أجد اسماً أعرفه، وأخشى أكثر ألا أجده. كل اسمٍ كان يعني أن شخصاً ما سيعود إلى بيتٍ لن يسمع خطوات صاحبه، وكل اسمٍ لم يُكتب كان يعني أن هناك أماً أو أخاً أو ابناً قد ينتظر خبراً لن يصل.
قرب الممر الشرقي، حفروا قبراً صغيراً لتافن. لم يكن القبر أعمق من غيره، لكن رودان ظل واقفاً عند حافته أطول مما احتمل جسده. أخرج رسمة ابنته، نظر إليها، ثم أعادها إلى جيبه. لم يتركها مع تافن؛ كانت الصورة الوحيدة التي يملكها من بيته، وربما خاف أن يتركها هناك فيفقد آخر ما ينتظره.
أما ميرك، فجلس قرب العربة التي أصلحها. كانت ذراعه ملفوفة، وأصابعه لا تتحرك كما اعتادت. حاول أن يثبت المطرقة إلى ساعده بقطعة جلد، ثم توقف حين لاحظ أن يده ترتجف. لم يسبّ الأداة هذه المرة، ولم يلقِ نكتةً عن تصميمها. بقي ينظر إلى المقعد الخشبي الذي صنعه لتافن قبل المعركة، وقد بقي في زاويته أثر خدشٍ صغير من درع الشاب.
جلست ميرا قرب القبر. أخرجت قطعة القماش الزرقاء من معصمها، ونظفت بها التراب عن مشبك حزام تافن. كانت تعرف أنه يتركه مفتوحاً دائماً، وقد وبخته على ذلك مراتٍ كثيرة. أغلقته هذه المرة، ثم وضعت يدها فوق الحجر.
قالت بصوتٍ خافت: «كنت سأعلمك كيف تصيب الهدف من أول مرة.»
لم يجبها أحد. لم تبكِ فوراً. ظلت جالسةً حتى بدأ العمال يردمون القبر، ثم نهضت بصعوبةٍ بسبب كتفها المصاب. كانت لا تزال تحاول أن تتصرف كراميةٍ مسؤولة عن موقعها، لكن عينيها لم تعودا قادرتين على تجاهل المكان الذي وقف فيه تافن آخر مرة.
في الجهة الأخرى، طلبت إميليا من المغنيات الناجيات أن يكتبن أسماء النساء اللواتي ماتّ في قاعة فارخان. لم تكن تعرف أسماء الجميع، لكنها لم ترد أن يبقين أرقاماً في سجلٍ أسود. جلست أمامهن، وبدأت تقرأ الأسماء بصوتٍ مسموع. ارتجف صوتها عند الاسم الأول، فتوقفت، ثم أكملت. لم تكن تغني. كانت تعيد إلى كل واحدةٍ منهن شيئاً سرقه منها رجلٌ لم يرَ في البشر إلا أصواتاً قابلةً للاستعمال.
حين انتهت، بقيت الصفحة مفتوحةً أمامها. وضعت إصبعها على آخر اسم، ثم أغلقت السجل برفق.
لم يكن ذلك عزاءً. لم تعد أي امرأةٍ إلى بيتها، ولم يعد تافن إلى أمه، ولم تعد أيدي جورج إلى ذراعيه. لكنه كان رفضاً لأن تتحول خسارتهم إلى أرقامٍ مجهولة.
وقفت بعيداً عن القبور، أراقب الجنود وهم يعودون إلى أعمالهم. في الموسم الأول، دفنت رفاقي واحداً تلو الآخر، ووضعت أدواتهم قرب أجسادهم لأنني لم أملك شيئاً آخر أودعهم به. الآن، لم أكن الوحيد الذي يعرف معنى الوقوف أمام قبرٍ لا يستطيع أن يغير ما حدث لصاحبه.
لم أطلب من أحدٍ أن يكون قوياً. لم أطلب منهم أن ينهوا الحزن بسرعة. بقيت معهم حتى خفت الضوء، ثم عدت إلى خيمة العلاج، وأنا أعرف أن بعض الأسماء ستبقى معي حتى حين أنسى شكل الطريق إلى المضيق.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!