قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 29 من 30
وضع القراءة:

مِلك قلب شهريار

________**
عادت شهرزاد بذاكرتها إلى الخلف، إلى ذلك الصباح الذي لم تستطع الأيام محوه من قلبها، قبل ست سنوات تقريبًا...
استيقظت في اليوم التالي من إغمائها، لتجد شهريار بجانبها، يحاوطها بذراعه وكأنه يخشى أن تبتعد عنه حتى وهي غارقة في نومها.
وما إن وقعت عيناها على الضماد الملفوف حول صدره، تجمدت للحظة، ثم اتسعت عيناها فزعًا، وخرجت منها شهقة مرتفعة جعلته يستيقظ مذعورًا، رغم الألم الذي اجتاح صدره فور تحركه.
اقترب منها متشنجًا، محاولًا تجاهل وجعه أمام خوفها الواضح:
- ما بكِ شهرزادي؟
وضعت يدها فوق الضماد، وارتجفت أصابعها وهي تحاول حبس دموعها التي خانتها سريعًا:
- ما هذا شهريار؟
عاد إلى مكانه، وألقى ذراعه فوق وجهه، محاولًا إخفاء الألم الذي بدأ يشتد في صدره:
- لا شيء، عودي إلى النوم.
مسحت دموعها بعجلة، ثم حدقت فيه بغضبٍ امتزج بخوفٍ لم تستطع إخفاءه:
- أخبرني شهريار، كيف أُصبت؟ لا تثر قلقي.
زفر بضيق، فقد كان يشعر بنارٍ حارقة تمتد داخل صدره بسبب حركته المفاجئة، لكنه مع ذلك ابتسم لها محاولًا تخفيف خوفها:
- لقد نقشت حبكِ هنا.
لم تعرف أتبكي أم تغضب من مزاحه، فزفرت بضيق، وقبل أن تتمكن من الرد، اندفعت السلطانة إليزابيث إلى الداخل بقلقٍ واضح:
- شهريار، أخبرني، هل أنت بخير؟
زفر شهريار بضيق أكبر، وكأن الجميع اتفقوا على ألا يتركوه يرتاح، ثم رفع صوته مناديًا:
- دانيــــــــال!
تقدم دانيال بابتسامة متوترة، محاولًا التظاهر بالهدوء:
- لم أستطع، مولاي أن أخفي الأمر عنها.
اعتدل شهريار رغم الألم الذي اجتاح جسده، ثم أخذ يرتدي ثيابه، وكأنه يريد إنهاء الحديث:
- ليس بي شيء، إنني بخير للغاية.
نظر إليه دانيال بضيق، فلم يستطع تصديق ما يسمعه:
- كيف تكون بخير وأنت تعرضت للطعن؟
شهقت السلطانة إليزابيث وشهرزاد معًا، وقد التقت أعينهما في صدمة واحدة.
أما شهريار، فقد تناول كتابًا كان بجانبه وقذفه باتجاه دانيال، الذي تفاداه بمهارة، اقتربت منه شهرزاد سريعًا، وأمسكت به لتعيده إلى السرير:
- ارتح شهريار، وأخبرني كيف حدث ذلك.
لم يمنحها دانيال فرصةً أخرى، فقد كان الغضب لا يزال يشتعل في صدره كلما تذكر ما حدث:
- إدوارد هو من فعل ذلك.
جز شهريار على أسنانه بغضب، ثم حدق فيه بتحذير:
- قلت لك اصمت، دانيال.
لكن السلطانة إليزابيث لم تسمح لهما بالمزيد:
- اصمت أنت شهريار.
ثم التفتت إلى دانيال بحزم:
- وأنت يا دانيال، أخبرني كيف حدث ذلك.
قصّ دانيال عليها ما حدث، وكلما تقدم في حديثه، كانت ملامح شهرزاد تزداد اضطرابًا، حتى انفجرت باكيةً وارتمت بين ذراعي شهريار.
تقلصت ملامحه من الألم عندما اصطدم جسدها بصدره، وخرج منه تأوه خافت، فابتعدت عنه فورًا وقد امتلأت عيناها بالندم:
- أعتذر... أعتذر، لم أقصد.
ابتسم لها رغم ألمه، ثم ذكرها بعد دقائق بما حدث بالأمس، وبوفاة داني.
تبدلت ملامحها على الفور، وكأن الحزن عاد ليطرق قلبها من جديد، ثم رفعت عينيها إليه بغضب:
- وماذا فعلتم بإدوارد؟
ظهرت على وجه دانيال ابتسامة شامتة وهو يجيبها:
- ظن أنه هرب، لكن الجيش أمسك به، وُضع في زنزانة التعذيب، ولم يحتمل ذلك، فغرس السيف في قلبه، يستحق ما حدث له.
تنهدت شهرزاد بحزن، فحتى وهي غاضبة منه، لم تستطع أن تشعر بالراحة تجاه موت إنسان، لكن ما يؤلمها حقًا حقيقة عمها وما فعله بوالده.
تقدمت السلطانة إليزابيث منهم بابتسامة مطمئنة:
- حمدًا لله على سلامتك، مولاي، ارتح الآن، وسنعود إليكما فيما بعد.
أومأ لها بحب، فقبلت رأسه، ثم انتقلت إلى شهرزاد وقبلت وجنتها:
- وأنتِ أيضًا ارتاحي، فقد أخبرني دانيال أنك فقدتِ وعيكِ بالأمس، ارتاحا الآن، أم نجهز لكما طعام الإفطار؟
نفى شهريار برأسه بهدوء:
- لا، سلطانتي، سنرتاح قليلًا.
خرجت السلطانة ودانيال، وحين أُغلق الباب، أمسك شهريار بيد شهرزاد وجذبها إليه بحنان:
- نامي بجانبي، وأشعريني بدفئكِ، شهرزادي.
لم تجبه، واكتفت بأن وضعت رأسها على كتفه، ثم أغمضت عينيها وشبكت أصابعها بأصابعه، وفي تلك اللحظة، لم تكن بحاجة إلى الكلام.
كان وجوده بجانبها كافيًا.
________**
بعد أن تعافى شهريار، أقام حفل زفافٍ كبيرًا، حضره الملوك والأمراء والوزراء، وتحولت أرجاء القصر إلى لوحةٍ من الفرح بعد سنواتٍ طويلة أثقلتها المؤامرات والفقد والخوف.
وفي ذلك اليوم، أطلت الفتاتان بفساتينهما البيضاء، تحمل كل واحدةٍ منهما قصةً مختلفة من الانتظار والصبر، لكنهما تشتركان في النهاية ذاتها...
لقد وصلتا إلى من أحببتاه.
كان شهريار يراقص شهرزاد، وقد وضع يديه حول خصرها، بينما استقرت يداها على كتفيه. كانت ابتسامته تحمل شيئًا لم يكن يعرفه أحد سواها؛ راحة رجلٍ وصل أخيرًا إلى المكان الذي ظل يبحث عنه طوال حياته.
اقترب منها بين الحين والآخر، يهمس لها بكلماتٍ تجعل الخجل يصبغ وجنتيها، ثم يعود ليتمايل معها على إيقاع الموسيقى.
اقترب من أذنها، وهمس بعشق:
- ماذا فعلتِ بي أيتها الملكة؟ مغناطيسٌ تجذبيني إليكِ. أحببتكِ وعشقتكِ بصدقٍ يا أميرتي الصغيرة، ولا جدوى من حبي لكِ، ولا مفر من الهرب، أخبريني، ماذا فعلتِ؟
رفعت شهرزاد عينيها إليه، وفيهما امتنان سنواتٍ كاملة عاشتها معه، ثم أجابته بخجل:
- لا أعلم، لكن كل ما فعلته أنني أحببتك، أحببتكَ، واسأل القمر عني؛ لا تعلم كم سهر قلبي لأجلك، أشرقت شمس صباحي بابتسامتك، وغابت غيوم أحزاني بروعتك، فأنت شهرياري وكل أحبابي.
ارتفعت ضحكته الرجولية، فازدادت وسامته في عينيها:
- ما هذا يا عزيزتي؟ إنكِ تلقين شعرًا! هذا رائع!
نظرت في عينيه وكأنها تريد أن تحفظ تلك اللحظة إلى الأبد:
- تعلمت منك هذا، تعلمت كيف ألقي أشعارًا وقصائد، تعلمت منك معنى الحب والعشق، حين اعتدت عليك أحببت الحياة، وباتت الأيام جميلة، أصبحت أبحث عن الغد بكل قلبٍ شغوف، وروحٍ تهوى لقاءك. منذ أن اعتدت عليك، صارت السعادة مستقراً لقلبي، والطمأنينة توأم روحي الصادقة.
تنهدت بحب، ثم تابعت:
- أحببت الدنيا منك، وأحببت كل التفاصيل التي تسكنها، أحبك ولو صرخ العالم أجمع أن الحب مات، أحبك رغم كل الظروف ورغم كل العالم، أحبك بحجم هذا الاعتياد والطمأنينة التي سكنتني فيك، شهرياري وفارسي وكل أحلامي... أحبك شهريار.
هبطت دموعه دون أن يشعر، فكانت كلماتها أثقل من أن تمر على قلبه دون أثر، مسح دموعه، ثم نظر إليها بنظرة رجلٍ لم يعد يخجل من ضعفه أمامها:
- لقد انتهيت من مرحلة الحب والعشق، فلا أجد كلمةً تصف مدى حبي لكِ، أكاد أعانق عينيكِ شوقًا وأنتِ أمامي، وبيني وبينك دربٌ طويل، وخلف المسافات جرحٌ عميق. وأشعر أنني لأول يومٍ رجعت أردد بعض الحروف، وعاد لساني يحبو قليلًا وينطق شيئًا... فمنذ سنين نسيت الكلام.
اقترب منها، وطبع قبلةً على جبينها، ثم همس لها بعشقٍ صافٍ:
- اليوم أجمل يوم في حياتي، أنتِ من الآن ملكي، ملك شهريار، أنتِ باختصار... ملك قلب شهريار.
ارتمت بين ذراعيه بسعادةٍ لم تستطع إخفاءها، فبادلها العناق بحبٍ خالص، ثم رفعها عن الأرض وأخذ يدور بها وسط ضحكاتها وهي تتعلق برقبته.
وعلى الجهة الأخرى، كان الزوج الآخر يعيش لحظته الخاصة أيضًا، كان دانيال يعانق كادي بشدة، وكأنه يريد أن يخفيها عن أعين الآخرين؛ لم يكن يريد لأحد أن يطيل النظر إلى جمالها، ولا إلى عينيها السوداوين اللتين لطالما شعر أمامهما بالتيه.
همس لها بعشقٍ صادق:
- أتعلمين عزيزتي، أن اليوم أسعد يومٍ في حياتي؟ يوم لن أنساه ما دمت حيًا، كنت أنتظر هذا اليوم منذ سنواتٍ عديدة.
ابتسمت كادي بخجل، وهي لا تزال بين ذراعيه:
- وأنا أيضًا دانيال، فهذا اليوم لم أكن أتوقع أن يأتي. دائمًا كنت أفكر في الفرق الذي بيننا، فأنا خادمـــ...
لم يسمح لها بإكمال الكلمة، فوضع يديه على فمها برفق، ثم تابع عنها:
- أنتِ حبي وعشقي، عشقي الذي طال سنواتٍ وأنا أنتظركِ، لا تقولي هذا أبدًا، أنتِ كادي، زوجتي وحبيبتي وفتاتي التي أعشقها من كل قلبي، لو وجدت كلمةً تعبر عن حبي لكِ، أو كلمةً أكبر من العشق، فسأقولها لكِ ولن أتردد ثانية، فقد رأيت النجوم في عينيكِ، وكأنها اقتباس مجرة. فكيف لعينيكِ أن تلمّا هدوء الأرض وفوضاها؟ ولا تلوميني، أخبريني.
نظرت إليه كادي بسعادةٍ ممزوجة بالخجل، فقد كان يلقبها بالمجرة بسبب لون عينيها، وسرعان ما اصطبغت وجنتاها بلون الفراولة، ثم جمعت شجاعتها وهتفت:
- أحبك دانيال، أجل، أحببتك فعلًا حتى عرفت أنك العالم يسكن بداخلي، أضيع بك ولك وإليك...
حملها دانيال، وأخذ يدور بها أمام الحاضرين بسعادة، ثم أبقاها قريبةً منه، وقد امتلأت عيناه بالعشق:
- وأنا أعشقكِ يا مجرتي الجميلة، أود سرقتكِ من هذا العالم وقضاء باقي عمري بين صوتكِ ونظرة عينيكِ ودفء ذراعيكِ.
________**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.