حين تصبح الغيرة اعترافًا آخر
.
________**
كان إدوارد لا يزال واقفًا أمام شهريار، عاجزًا عن استيعاب ما يحدث أمام عينيه، انتقلت عيناه بين الملك وسينثيا، وكأن عقله يرفض أن يصدّق ما سمعه قبل لحظات.
تقدم خطوة إلى الأمام، ثم خرج سؤاله محملًا بالذهول:
- خطيبة من؟
نظر إليه شهريار بابتسامة ماكرة، بينما كان يخفي خلف هدوئه عاصفة كاملة، ثم أجابه بثبات:
- خطيبتي... ألا تبارك لي؟
لم تستطع شهرزاد سوى رسم ابتسامة صغيرة على شفتيها، ابتسامة لم تصل إلى عينيها، كانت تشعر بأن شيئًا داخلها ينهار بصمت.
تقدم دانيال منهما، محاولًا إخفاء صدمته خلف ابتسامة عريضة، ثم خاطب شهريار ببشاشة مصطنعة:
- يـاه... وأخيرًا ارتبط ملك البلاد! لقد بدأت أهرم ولم أشاهدك مرتبطًا، أتمنى لك السعادة الدائمة، وبالرفاه والبنين أيضًا.
ثم التفت إلى سينثيا، وأمعن النظر فيها للحظات قبل أن يتابع، محاولًا مجاراة المشهد:
- الفتاة جميلة جدًا أيها الملك، أنتما تكملان بعضكما كالأرض والسماء... لقد فاجأتنا حقًا.
ابتسم شهريار بهدوء، ثم اقترب من شهرزاد وأحاط خصرها بذراعه، وكأنه يتعمد أن يجعل الجميع يرى مدى قربهما، ثم خاطب دانيال بنبرة هادئة:
- شكرًا لك، داني.
كاد إدوارد أن يتحدث، إلا أن دانيال أمسك بيده وسحبه إلى الخلف قبل أن يتسبب في أمر لا يعرف أحد عواقبه، تابعت شهرزاد الاثنين بعينيها، حتى شعرت بوجه شهريار يقترب من أذنها، همس لها بصوت لا يسمعه سواها:
- ابتسمي يا صغيرة... فما زال هناك وقت للعبوس.
رفعت عينيها إليه، لم يكن فيهما أي شيء سوى الألم، ضغط بيده قليلًا على خصرها، ثم قال من بين أسنانه، دون أن يغير ابتسامته أمام الحاضرين:
- ابتسمي... هناك آخرون قادمون نحونا.
حاولت جاهدة أن ترسم ابتسامة على شفتيها الحزينتين، كانت ابتسامة باهتة، متعبة، لكنها كافية لخداع الحاضرين.
توالت التهاني والتبريكات من الملوك والأمراء والوزراء، بينما كانت شهرزاد تستقبلها بصمت، وكأنها تؤدي دورًا لا تملك حق الانسحاب منه.
أما السلطانة إليزابيث، فكانت تراقبها من بعيد، لم تنخدع بابتسامتها، كانت ترى الألم في عينيها بوضوح، وترى كيف تحاول الفتاة أن تبقى واقفة رغم أن قلبها يتهاوى تحت قدميها.
اقتربت منها جودي وربتت على كتفها بهدوء:
- اتركيهم يا سلطانة... فكلاهما مذنب.
عقدت إليزابيث حاجبيها باستغراب:
- ماذا تقصدين يا جودي؟
أخذت جودي نفسًا عميقًا قبل أن توضح:
- أقصد أن شهرزاد أخطأت حين أخفت هويتها وسبب قدومها إلى هنا، وشهريار أخطأ حين سمح لحبه لها أن يعميه عن السؤال والتحقق من حقيقتها.
ظلت إليزابيث صامتة، كانت كلمات جودي قاسية، لكنها صادقة، عادت ببصرها إليهما، كان شهريار يراقص شهرزاد على إحدى الألحان الهادئة.
كانت حركتهما متناسقة أمام الجميع، لكن عيني شهرزاد كانتا تهربان منه في كل مرة، أما هو، فكان يجبرها على إبقائهما عليهما، وكأن الأمر بالنسبة إليه لم يعد مجرد رقصة.
كان يريد منها أن تواجهه، أن تنظر إليه، أن تتذكر أن الرجل الذي تقف إلى جانبه الآن هو نفسه الرجل الذي جرحته.
توقفت الموسيقى بعد لحظات، لكن شهريار لم يرفع يده عن خصرها، أمسك الملعقة وضرب بها الكأس الموضوع على الطاولة، فصدر صوت واضح جعل الجميع يتوقف عن حديثه ويلتفت إليه.
ابتسم شهريار للحاضرين، ثم هتف:
- بما أن هذا أسعد يوم في حياتي، وبما أن هذا يوم مميز، أحب أن أقدم هدية خاصة لأخي وصديق دربي ومساعدي ووزيري دانيال، هل يمكنك التقدم من فضلك؟
نظر دانيال إليه باستغراب، ثم تقدم بخطوات مترددة، لكن شهريار لم يكتفِ بذلك، اتجه ببصره نحو إحدى الزوايا، حيث كانت كادي تجلس بصمت، ثم خاطبها:
- يمكنك التقدم يا كادي.
رفعت كادي رأسها بسرعة، وكأنها لم تتوقع أن يكون اسمها جزءًا من هذا الإعلان، وقفت، ثم تقدمت نحوه بخطوات مترددة، وما إن وقفت أمامه حتى تقدم دانيال أيضًا.
ابتسم شهريار، ثم أعلن أمام الجميع:
- بما أنني أعلم مكنون قلبيكما، أردت أن أعلن خطبتكما اليوم أيضًا.
وضعت شهرزاد يدها على فمها تكتم شهقتها، لقد توسلت إليه ألا يفعل ذلك، لكن شهريار لم يستمع إليها، رمشت كادي عدة مرات، عاجزة عن استيعاب ما قيل.
ثم التفتت إلى دانيال، كان ينظر إليها بابتسامة لم تستطع تفسيرها، عادت ببصرها إلى شهرزاد، وفي عينيها رجاء صامت، فهي كانت قد علمت منها بالأمر في الصباح، حين كانت تساعدها في التجهيز للحفل.
قطع شهريار تلك النظرات المتبادلة بصوته الحاسم:
- فليُكمل الجميع أمسيتهم الجميلة، وأنت يا دانيال، يمكنك أخذ كادي... فقد أصبحت لك.
لم ينتظر دانيال أكثر، تقدم من شهريار وعانقه بامتنان حقيقي، كان يعلم أن الملك لم يعلن خطبته عبثًا، فما يحكم به الملك أمر لا يستطيع أحد رفضه بسهولة.
وبهذه الخطبة، ربما أصبح بإمكانه مواجهة عائلته، وإجبارها على تقبل العلاقة التي رفضتها قبل أيام، ربت شهريار على كتفه بمآخاة صادقة، ثم غمز له بابتسامة صغيرة.
ابتعد دانيال بعدها وهو يمسك بيد كادي، متجهًا بها إلى الخارج، لكن شهريار لم يستطع أن يتجاهل نظرات شهرزاد.
كانت تقف أمامه ودموعها تتجمع في عينيها، تنهد بضيق، وشعر بوخزة ندم لأنه تسبب في تلك الدموع، أبعد عينيه عنها سريعًا....لم يكن يريد أن يضعف....لم يكن يريد أن يسامحها...ليس الآن.
اقترب منها قليلًا، وهمس من بين أسنانه:
- امسحي دموعك يا مدللة... ما زال الطريق أمامنا طويلًا.
ظل الحفل قائمًا لبعض الوقت، قبل أن يبدأ الضيوف بالانصراف. وحين رحل دانيال وإدوارد، أمسك شهريار بيد شهرزاد وقال للحاضرين:
- يمكنكم إكمال أمسيتكم الهادئة... عن إذنكم.
ثم سار بها نحو الأعلى، قاصدًا جناحه، حاولت شهرزاد سحب يدها منه بضيق، لكنه أمسكها مرة أخرى، وأكمل طريقه دون أن يمنحها فرصة للاعتراض.
وبعد دقائق، كانا داخل الجناح، ما إن أُغلق الباب خلفهما حتى انفجرت شهرزاد في وجهه.
لم تعد قادرة على الاحتفاظ بغضبها أكثر، تقدمت نحوه، والدموع لا تزال عالقة في عينيها:
- لماذا فعلت ذلك؟ ها؟ لم نتفق على ذلك يا شهريار! أنت مخادع! لم تلتزم بالاتفاق... لقد أخلفته بفعلتك هذه! أنت كاذب!
نظر إليها للحظات، ثم انفجر ضاحكًا، لم يكن يضحك لأن الأمر مضحك، بل لأن غضبها المفاجئ أظهر له جانبًا لم يره منها كثيرًا، حاول كتم ضحكته، ثم قال بسخرية:
- جعلتِ الالتزام والصدق لكِ أنتِ أيتها الأميرة؟
اقتربت منه وهي تبكي، وصوتها يرتجف من شدة الانفعال:
- قلت لك إنني كنت مجبرة! لماذا لا تفهم؟ لم أشأ إيذاءك، وشرحت لك هذا أيضًا! أنت لا تنسى أبدًا يا شهريار... ألم يغفر حبي لك ما فعلته؟
تغيرت ملامحه....توقف عن السخرية...ابتلع ريقه، وأبعد عينيه عن عينيها؛ لأن النظر إليهما كان يجعل كل كلمة قاسية أصعب، ثم أجابها بصوت بارد:
- لا يشفع لكِ.
ارتجفت شفتاها، أكمل وهو يحاول أن يبدو أقسى مما يشعر:
- أنتِ لا تعلمين ما الذي فعلتِه بي يا شهرزاد. لم تكوني أنتِ المغفلة طوال الوقت... أنا كنت كذلك.
أشار بيده إلى صدره، حيث كان قلبه ينبض بعنف:
- لقد أحببتك من كل قلبي. سلمتك هذا... سلمتك قلبي كاملًا، ولم تكوني جديرة به.
تراجعت خطوة، كانت كلماته أشد عليها من أي عقاب آخر، ابتعد عنها وهو يرسم ابتسامة شريرة مصطنعة، ثم تابع:
- أنتِ لا تعلمين بالشق الثاني من الخطة، أليس كذلك؟
مسحت دموعها بكف يدها، ونظرت إليه برؤية مشوشة:
- عن أي شق تتحدث؟
ظل على ابتسامته، لكن شيئًا داخله كان ينهار مع كل دمعة تنزل من عينيها، ثم تحدث ببرود متعمد:
- سوف أقضي ليلة مع آيلين.
شهقت شهرزاد بعدم تصديق لكنه لم يتوقف عن اكمال حديثه:
- ولربما أعلن خطبتي لها أيضًا... لم أقرر بعد، لكن يبدو أنني سأختار القرار الأول؛ لأن القانون لا يسمح بأكثر من زوجة للملك.
اتسعت عيناها عن ذي قبل د، لم تستطع الرد، ثم خارت قواها، وهوت إلى الأرض، نظرت إلى حلقتها الماسية التي كانت تلتف حول إصبعها البنصر.
تذكرت الاتفاق الذي أخبرها به، سوف يمثلان أمام الجميع أنهما سعيدان، سيرتديان الخواتم، وسوف يتركها بعد أن يستعيد كرامته التي ظن أنها سُلبت منه.
كان ذلك هو الجزء الأول من خطته، ثم أخبرها ألا تتحدث مع داني أو إدوارد مطلقًا، وإلا ستجد عقابًا لن تحبه.
كان قد أرسل إليهم رسولًا بواسطة دكستر يخبرهم بما يحدث في القصر، وكانت تظن أن كل شيء يسير نحو النهاية التي وعدها بها، وكان قد أخبرها أيضًا أنه وقع في حبها.
ولم يتبقَّ سوى أيام قليلة، أما كادي، فقد أخبرها أنه سيعاقبها بإخبار دانيال بكل شيء، وأن دانيال سيعاقبها بطريقته.
عارضت ذلك بشدة، وبعد إصرارها، وافق ألا يخبر دانيال بشيء، وها هو اليوم قد أعلن خطبتهما أمام الجميع، لقد وافقت شهرزاد على كل شيء، كانت مستعدة لتحمل كل شيء.
كل شيء...إلا أن يختلي بآيلين، رفعت رأسها إليه، كان يتحرك باتجاه الباب، وكأنه حسم أمره، اعتدلت في جلستها، وحاولت أن تستعيد شيئًا من كبريائها.
خرج صوتها ضعيفًا، لكنه محمل بغيرة امرأة لم يعد بإمكانها إخفاء حبها:
- لقد وافقت على شروطك كلها، ورغم أنك أخلفت أحدها، فلا يهم... وأتمنى أن يكون دانيال ألطف منك.
توقف شهريار، لكنه لم يلتفت، تابعت، وقد خانتها دموعها من جديد:
- ولكن عذرًا... فأنا وغيرتي عمياء، يا سلطان قلبي! إني أغار عليك، فامنحني العذر يا مولاي، غيرتي مرض يهدم كل جزء في كياني.
سكتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه:
- أغار عليك لأنك ملكي، ولأنك فرحتي وأحزاني، أغار عليك رغم أنني أعلم كم تهواني، وأغار عليك رغم علمي بحجم خيانتي. هذا جنون عشقي... وغيرتي تجبرني.
اقتربت منه خطوة، كان صوتها يخرج من قلبها هذه المرة، لا من عقلها:
- أنت ملهمي... فاسمعني نبضك، كن القصيدة التي يستنطقها إحساسي. كن الحلم الذي يسافر بي إلى البعيد. كن الصمت الجميل الذي ينصهر بين حروفي، ووسط أشيائي، وبين ساعات انتظاري... على أبواب المساء، عاشقًا متيمًا.
تسارعت أنفاسها، لكنها أكملت:
- اجعل مدني ملونة بك، مكسوة بمبسمك، امتزج بقهوَتي كقطعة سكر أتذوق حلاوتها. اسمعني أغنيتك المفضلة، كن النسيم الذي يداعب وجهي، وكن سيد قلبي ومنبع حبي... أكن لك جنونك الأزلي.
ظل شهريار صامتًا، كان يستمع إليها ومشاعره تتصارع داخله، كل كلمة كانت تصل إلى المكان الذي حاول إغلاقه منذ ثلاثة أيام.
وكل دمعة كانت تهدم جزءًا من الجدار الذي بناه حول قلبه، نظر إلى عينيها طويلًا.
ثم أغمض عينيه للحظات، وكأنه يستجمع آخر ما تبقى لديه من قسوة، فتح عينيه أخيرًا، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
- هذا لا يشفع لكِ...
________**
في الأسفل، كانت كادي تجلس إلى جانب دانيال، كان ينظر إليها بحب واضح، وكأنه لا يزال عاجزًا عن تصديق أن ما كان يخشاه طوال الأيام الماضية قد أصبح حقيقة.
أمسك يدها بين كفيه، ثم ابتسم:
- كنت أريد أن أخبرك بمشاعري يا كادي، لكنني لم أقوَ على ذلك مطلقًا. كنت مترددًا وخائفًا بعض الشيء من موقف عائلتي من هذا الأمر... لكن ها قد حله الملك شهريار.
سحبت كادي يدها بهدوء من بين كفيه، لم تنظر إليه، بقي بصرها معلقًا في الجهة الأخرى، وكأنها تبحث عن شجاعة ضائعة.
ثم خرج صوتها مترددًا:
- أريد أن أخبرك بشيء، سيد دانيال.
ضحك بخفة، محاولًا أن يبدد توترها:
- لقد أصبحتِ ملكي يا كادي... يمكنك قول دانيال بحرية كبيرة.
فركت أصابعها ببعضها بتوتر، ثم رفعت عينيها إليه:
- حسنًا... دانيال. لكن لا تقاطعني أبدًا.
اختفت ابتسامته قليلًا ثم أومأ لها، وأشار إليها بأن تتحدث، أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تسرد له كل شيء، منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدمها القصر...كل ما حدث.....كل ما عرفته.....كل ما شاركت فيه.
كل الأسرار التي ظلت تحملها طوال تلك الفترة...لم تقطع حديثها.....ولم تحاول تبرير نفسها.
كانت تعرف أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أرحم من أن يبقى دانيال جاهلًا بها، وحين انتهت، رفعت عينيها إليه.
كان وجهه ساكنًا. ساكنًا إلى درجة أخافتها، لم تعرف ماذا يفكر..لم ترَ غضبًا واضحًا...ولم ترَ تسامحًا.
فقط صدمة عميقة تجمدت في عينيه، مرّت لحظات طويلة قبل أن يرفع بصره إليها، وحين تحدث أخيرًا، خرج صوته منخفضًا، لكنه أثقل من الصراخ:
- ........
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!