قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 14 من 20
وضع القراءة:

اعترافٌ بين جدران القلب

_______***
ساد الهدوء داخل الغرفة، ذلك الهدوء الذي يسبق انكشاف الأسرار، حيث كانت العيون تتبادل النظرات
الحذرة، وكأن الجميع يحمل فوق كتفيه ثقل حديثٍ لا يعرفون كيف يبدؤونه.
تجمد الحاضرون في أماكنهم، وشعروا وكأن الدم قد انسحب من وجوههم دفعةً واحدة، لم يكن أحدٌ منهم يتوقع دخوله في هذه اللحظة، خصوصًا بعد الحديث الذي دار بينهم.
كانت إليزابيث أول من استطاعت استعادة هدوئها، رغم أن شيئًا من الارتباك ظل ظاهرًا في نبرتها، فابتسمت ابتسامة صغيرة وهي ترحب به:
- أهلًا بك يا مولاي.
اقترب شهريار منهم أكثر، ثم أبعد نظره عن شهرزاد بصعوبة، وكأنه لاحظ القلق في عينيها قبل أي شيء آخر، توقف أمام إليزابيث، ثم أردف بهدوء:
- أنا بخير أيتها السلطانة... لكن ما بكم؟ لماذا تنظرون إلى بعضكم البعض بهذه الطريقة؟
لم تختفِ علامات القلق من ملامحه، بل ازدادت عندما عاد بنظره نحو شهرزاد، فسأل بجدية:
- هل شهرزاد بخير؟
كان واضحًا أن أول ما فكر به عند رؤية اضطرابهم هو أنها قد تكون أصيبت بذلك المرض حقًا، رغم انه لا تظهر أعراضه عليها، أخذت جودي نفسًا عميقًا، محاولةً أن تطمئنه، ثم أجابت بصوتٍ هادئ:
- ليس هناك شيءٌ مهم يا مولاي، وشهرزاد بخير، فلا تقلق... لقد كان فحص آيلين غير صحيح.
ما إن وصلت الكلمات إلى مسامعه حتى أطلق زفرة طويلة، وكأن خوفًا كبيرًا كان يضغط على صدره وانزاح أخيرًا، ومأنه كان ينتظر لك الخبر منذ أعوام
ظهرت الراحة على ملامحه، ثم اتجهت عيناه نحو شهرزاد وحدها، وابتسم لها ابتسامة هادئة لم يستطع إخفاء صدقها:
- كوني بخير دائمًا.
ارتبكت من نظراته التي تحمل اهتمامًا واضحًا، فانخفض رأسها بخجل من نفسها، عاجزةً عن مواجهة ذلك الدفء الذي يظهره لها أمام الجميع، ولم ترغب إليزابيث في إطالة اللحظة أكثر، فابتسمت بهدوء وهي تنظر إلى شهرزاد، ثم أردفت:
- حسنًا... لقد أطَلنا الجلوس هنا، دعونا نجعلها ترتاح قليلًا، ونحمد ... انها بخير ولم يكن بها شيء سوى بعض الإرهاق.
نهضت من مكانها، ومنحت شهرزاد ابتسامة مطمئنة، وكأنها تخبرها دون كلمات أن كل شيء سيكون بخير، تحركت جودي وكادي خلفها بطاعة، حتى أصبحت الغرفة أكثر هدوءًا بعد خروجهن.
بقي شهريار وشهرزاد وحدهما.....ساد الصمت بينهما للحظات....كان صمتًا مختلفًا... لا يحمل حرجًا، بل يحمل أسئلة كثيرة لم تجد طريقها إلى الكلمات.
اقترب شهريار منها ببطء، ثم انحنى ليطبع قبلةً هادئة على رأسها، في حركةٍ حملت من الاحترام والحنان أكثر مما حملته الكلمات.
نظرت إليه بتوتر، لا تعلم ماذا سيحدث الآن، وكأن قلبها يخشى من المجهول أكثر مما يخشى منه، فهم ارتباكها فورًا، فابتسم مطمئنًا، ومد يده إليها قائلًا:
- تعالي معي.
ترددت للحظة، ثم ابتلعت ريقها ومدت يدها نحو يده، أمسك بها برفق، وكأنه يطمئنها بأنه لن يؤذيها، ثم اصطحبها معه خارج الغرفة.
سارت إلى جانبه بصمت، بينما كانت أفكارها تتزاحم داخلها، حتى وصلا إلى جناحه الملكي، وما إن دخلت الغرفة حتى توقفت في مكانها بدهشة.
لقد تغير كل شيء!
لم تعد الغرفة كما عهدتها سابقًا، فقد اكتست تفاصيلها باللون الأحمر القاني، من الستائر الفاخرة إلى الزخارف والأثاث، وكأن المكان بأكمله أعيد تشكيله ليحمل شيئًا من ذوقها وحضورها.
تجولت عيناها بين الزوايا بإعجاب واضح، ثم التفتت إليه باستفهام، أما هو فاتجه نحو مكتبه بهدوء، وجلس خلفه، ثم أمسك الريشة وكتب لها:
- لقد غيرت الأثاث... لأنك تحبين اللون الأحمر.
راقبته شهرزاد بصمت، وعيناها تتنقلان بين ملامحه وبين الكلمات التي خطها أمامها، لم تستطع منع دهشتها من الظهور، فكل تفصيل صغير حولها كان يخبرها بأنه فكر بها، وأن وجودها لم يعد أمرًا عابرًا في حياته.
اقتربت منه ببطء، ثم أخذت الريشة من يده، وكتبت له بتردد:
- لماذا لا تتحدث؟
توقف للحظة، ونظر إلى الكلمات أمامه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة تحمل الكثير من المشاعر التي لم يعتد إظهارها.
أمسك الريشة وكتب لها:
- أريد أن أشعر بما تشعرين به... أريد أن أكون أنتِ.
اتسعت عيناها قليلًا، وكأنها تحاول استيعاب معنى كلماته، كان الملك الذي اعتاد الجميع أن يراه قويًا، حازمًا، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب من أعماقه... يحاول الآن أن يقترب من عالمها هي، من صمتها، ومن الطريقة التي تعيش بها تفاصيلها.
أخذت الريشة وكتبت له باستنكارٍ لطيف:
- وهل يصح هذا يا مولاي؟ لا تفعل شيئًا كهذا.
رفع نظره إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأن الأمر بالنسبة إليه كان أبسط من أن يُناقش، أجابها بصوتٍ هادئ:
- من أجلك أفعل كل شيء... يا شهرزادي.
تسللت ابتسامة خفيفة إلى وجهها رغمًا عنها، ابتسامةٍ محت بعض خوف ما عاشته قبل قليل، ثم كتبت له:
- لقد تحدثت.
نظر إليها للحظة، ثم بدا عليه شيء من الحرج، وكأنه أدرك أنه عاد إلى طبيعته، ابتسم قليلًا وهو يجيب:
- إنني لست معتادًا على ذلك... لكنني سأحاول جاهدًا، لا تقلقي انني تلميذ نجيب ومجتهد.
تعلقت عيناها به، كانت كلماته البسيطة تحمل معنى أكبر مما تبدو عليه، فقد كان يحاول تغيير شيء اعتاد عليه طوال حياته من أجلها فقط.
لكن في داخلها، كان هناك صوت آخر يؤلمها، صوت يذكرها بالحقيقة التي تخفيها عنه، شعرت بكرهٍ شديد لنفسها، وكأنها تخون شخصًا منحها ثقته وقلبه دون أن يعرف الحقيقة كاملة.
أمسكت الريشة، وبدأت تكتب له، بينما كانت الكلمات تخرج بصعوبة:
- أرجوك يا مولاي... أنا لا أستحق ذلك، كن كما أنت و...
لكنها لم تستطع إكمال الجملة، امتدت يده بهدوء، وأمسك بيدها ليوقفها عن الكتابة، نظر إليها نظرةً عميقة، ثم نطق باسمها فقط:
- شهرزاد.
توقفت أنفاسها للحظة!...لم يكن في عينيه غضب، ولا عتاب، بل كان هناك شيء جعل قلبها يضطرب أكثر...حب صادق لم تعرف كيف تواجهه.
أخذ شهريار نفسًا عميقًا، ثم فتح أحد أدراج مكتبه، وأخرج علبة مخملية ذات لون ذهبي، احتفظ بها بعناية، وضعها أمامها، ثم أشار إليها أن تفتحها، ترددت للحظة، قبل أن ترفع الغطاء ببطء.
اتسعت عيناها عندما ظهر أمامها عقدٌ فاخر، مرصع بحبات من الزمرد الأزرق الممزوج بدرجات رمادية ساحرة، يلمع تحت ضوء الغرفة بهدوء وأناقة.
لكن جمال العقد لم يكن ما أسرها...بل المعنى الذي يحمله، اقترب شهريار منها، وأمسك بيدها، ثم نظر مباشرةً إلى عينيها، وكأنه يريد أن يصل إلى قلبها قبل أذنيها، وتحدث بصوتٍ هادئ يحمل صدقًا نادرًا:
- شهرزاد... منذ أن رأيتكِ، ومنذ تلك الأيام الأولى، لم أشعر بنفسي كما كنت دائمًا، لقد قضيت حياتي أحافظ على قلبي، وأبني حوله أسوارًا عالية، ولم أسمح لأحدٍ بأن يقترب منها أو يهدمها... لكنكِ أتيتِ بكل قوة، ولم تطرقي الأبواب... بل دخلتِ إليها وكأنكِ كنتِ تعرفين الطريق.
سكت للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات التي تليق بما يشعر به، ثم أكمل:
- لقد أحببتك... ولكن ليس كأي حب، أحببتك بطريقة مختلفة، بطريقة لم أعرفها من قبل، أنتِ المختلفة التي بعثرتِ ثباتي، وأعدتِ ترتيب عالمي دون أن تطلبي ذلك، لن أحب أحدًا بالطريقة التي أحببتك بها، ولن يكون في قلبي مكان يشبه المكان الذي احتللتِه أنتِ.
وقفت شهرزاد أمامه عاجزة عن الرد، هل اعترف لها الآن بحبه؟ أم أنها تعيش حلمًا جميلًا ستستيقظ منه بعد لحظات؟ كانت الكلمات أكبر من قدرتها على الاستيعاب، خصوصًا أنها لم تتخيل يومًا أن يأتي منها هذا الاعتراف.
ضغط شهريار على يدها برفق، وكأنه شعر بتشتتها، فبدأت الدموع تتجمع في عينيها، لكنه لم يترك لها فرصة للهرب من مشاعرها، وتابع بصوتٍ يحمل دفئًا لم تسمعه منه من قبل:
- يا ملكة الحب... ما هذا البريق الذي أراه في عينيكِ؟ إنه كبريق المطر في ليالي الشتاء، ارحمي عاشقًا أرهقه الشوق إليكِ...أنتِ الجميلة والأميرة بين النساء، أنتِ الرقيقة الصافية التي لا تشبه أحدًا... أنتِ من أصبحتِ سلطانتي، ومن تربعتِ على قلبي أنا القيصر، أنتِ الماضي والحاضر والمستقبل... وأنتِ الحب الذي لم أعرفه من قبل.
انهمرت دموع شهرزاد بصمت، لم تكن دموع حزن فقط...بل كانت خليطًا من الدهشة، والخوف، والسعادة التي لم تجرؤ على الاعتراف بها.
رفع شهريار يده ومسح دموعها بأطراف أصابعه، لكنه بدا متوترًا لأول مرة، وكأن خوفه الحقيقي لم يكن من حربٍ أو عدو... بل من احتمال أن ترفض قلبه، سألها برفق:
- ما بكِ؟
لم تجبه، فازداد قلقه، وسألها مرة أخرى:
- هل أنتِ رافضة لحبي يا شهرزاد؟
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.