ثلاثة أيام من السعادة... ورسالة تقلب كل شيء
_______***
بعد مرور ثمانية أيام، كانت كادي تقف عند بوابة المملكة، وقد أخذ القلق طريقه إلى قلبها منذ ساعات الصباح الأولى.
كانت تراقب الطريق أمامها بين لحظة وأخرى، ثم تعود إلى فرك يديها بتوتر، وكأنها تحاول تهدئة نبضاتها بيديها، اقتربت منها شهرزاد بابتسامة مطمئنة، محاولةً تخفيف قلقها:
- اهدئي يا كادي، سيصل بعد قليل.
نظرت إليها كادي بقلق، ثم أجابتها وهي تحاول السيطرة على ارتباكها:
- لقد تأخر يا شهرزاد، كان من المفترض أن يصل منذ الصباح، كما أرسل في رسالته بالأمس.
في تلك اللحظة، تقدم شهريار من شهرزاد، وأحاط خصرها بذراعه في حركة عفوية، التفتت إليه، فابتسمت له بحب.
كان قد عاد إليها، عاد الرجل الذي عرفته من قبل، عاد الحبيب والعاشق والمحب.
وخلال الأيام الثمانِ الماضية حاولت أن تسترجع حبه وقلبه، وقد نجحت قبل ثلاث أيام، فقد بدأ قلبه يعود كما عهدته شيئًا فشيئًا، حتى عندما طلب منها أن تعود إليه بقى على حاله.
وخلال الثلاث أيام المنصرمة عاشت أجمل أيامه، لم يبخل عليها بحنانه، ولم يخفِ عشقه لها، وكأنه كان يعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها في الأيام الماضية.
ذهبا معًا خلف الجبال، وقضيا يومًا كاملًا داخل البيت الجبلي المقام هناك، وما زالت ذكريات ذلك اليوم حاضرة في ذهنها بكل تفاصيلها.
تذكرت جلوسها إلى جواره، ورأسها مستند إلى صدره، حين سألته بخجل:
- هل أحببتني حقًا يا شهريار؟
أبعدها عنه قليلًا، وأمسك وجهها بنظراته، وكأن عينيها الزرقاوين كانتا المكان الوحيد الذي يستطيع أن يجد فيه الكلمات.
ثم خرج صوته محملًا بصدق لم تعهده منه من قبل:
- أحببتكِ وكأنكِ هواء مدينتي، وكأنكِ معجزة لن أتلقى بعدها شيئًا، وكأنكِ الصواب الوحيد بين كومة أخطائي، وكأنكِ أثمن ممتلكاتي وآخرها.
تنهد بثقل، ثم تابع وهو ينظر إليها بعمق:
- أطمئن بجواركِ، وأرتاح كثيرًا عندما أستمع إلى صوتكِ، لا أعلم كيف أشعر معكِ بأن كل شيء بخير، وأن كل شيء على ما يرام، حتى وإن كانت الطرق بيننا وعرة والمسافة تفصلنا. دائمًا وأينما تتواجدين، تكمن راحتي.
اقترب منها أكثر، وكأن الاعتراف بما في قلبه أصبح أسهل من إخفائه:
- أحببتكِ فعلًا، حتى عرفت أنكِ العالم الذي يسكن بداخلي، أضيع بكِ، ولكِ، وإليكِ.
كانت تستمع إليه بسعادة غامرة، بينما تسابقت الدموع إلى عينيها دون أن تشعر، رفع يده ومسح دموعها بإبهامه، ثم قبّل جبينها بحنان، وأكمل:
- سأذوب بين حروف العشق وكلمات الحب، سأمزجها بدمي وأزينها بعيوني، وسأكتبها على جدار الزمن... أنني أحب شهرزادي.
ابتسم بحزن خفيف، ثم أردف:
- أحببتكِ شهرزاد، وسأحبكِ، عشقتكِ وسأعشقكِ، سأكتبها وأنشرها، وأعلنها فوق السحاب، مع الريح، مع حبات المطر... بأنني أحبكِ وسأظل أحبكِ مهما عاندني القدر.
ثم خفت صوته:
- لكنني أخاف أن تتركيني، فلا أجد غير السراب بعدكِ، أخاف أن أخبر أحدًا عن هذا الحب.
لم تستطع شهرزاد مقاومة مشاعرها، ارتمت بين ذراعيه، وأجهشت بالبكاء، وقد غمرها شعور بالأمان لم تعرفه منذ وقت طويل.
وبعد مدة، ابتعدت عنه قليلًا، ثم نظرت إليه بابتسامة ممتنة:
- أريد أن أكون الوحيدة التي تعرف عنك ما تخفيه عن الجميع، اطلعني على أسرارك الكبيرة، وأخرج كل ما تشعر به أمامي في الوقت الذي تظن فيه أن العالم لن يفهمك أبدًا.
وضعت يدها فوق يده:
- سأعتني بك، لأنني أحبك، ليس عبثًا أو وهمًا يا شهرياري.
ثم أضافت بصوت مرتجف من شدة صدقها:
- أحبك ورهنت قلبي فيك، والحرف يرثيك عشقًا، ولا تكفي فيك كل حروف الأبجدية في وصفك، وأشعر أن قصائدي مبعثرة وناقصة بدونك.
أنهت حديثها وهي تطبع قبلة على وجنته:
- أحبك.
اعتدل شهريار في جلسته، ثم اتجه نحو المكتب الكبير وأخرج منه صندوقًا صغيرًا، التقطته شهرزاد بفضول، وما إن فتحته حتى اتسعت ابتسامتها تدريجيًا.
ثم احتضنت دكستر بسعادة كبيرة بدون ان تشعر، وكأنها لم تتوقع أن تراه أمامها مرة أخرى، خاطبت شهريار بامتنان واضح:
- أحبك يا شهريار... شكرًا لك يا شهريار.
وضع شهريار يده على رأس دكستر، فأغمض الأخير عينيه بهدوء، مستسلمًا للمسة صاحبه، نظرت إليه شهرزاد بتعجب:
- كيف فعلت ذلك؟
ضحك بخفة، بينما تحرك دكستر من بين ذراعيها إلى أحضان شهريار، أجابها بغمزة من عينه اليسرى:
- قمنا بعمل اتفاق بيننا، لا تقلقي... الأمور جيدة.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر إليهما معًا، متمنية في أعماقها أن تستمر علاقتهم هكذا إلى الأبد، لكن صوت شهريار أعادها إلى الحاضر:
- انظري خلفك.
التفتت كادي بجسدها بسرعة، وما إن رأته حتى تبدلت ملامحها بالكامل.
كان دانيال يقف أمامها بكل شموخ، وعيناه تفيضان اشتياقًا....لم تفكر لحظة، ركضت نحوه، وتعلقت بعنقه، فانحنى إلى مستواها وضمها إليه باشتياق مماثل.
خرج صوتها مخنوقًا بالبكاء:
- اشتقت إليك يا دانيال... لماذا تأخرت؟
ابتعد عنها قليلًا، ثم قبّل جبينها بابتسامة دافئة:
- وأنا اشتقت إليكِ يا كادي.
مسحت دموعها سريعًا، لكنها لم تستطع إخفاء ضيقها:
- لماذا تأخرت؟ أخبرني.
تنهد بهدوء، ثم اعتدل في وقفته:
- حدثت بعض الأمور أثناء عودتي.
أومأت بتفهم، ثم توجه نحو شهريار وقد بدا عليه بعض الخجل:
- تحياتي مولاي، وأعتذر عما بدر مني منذ قليل، لم أشعر بذلك.
ضحك شهريار بخفة، وربت على كتفه:
- لا عليك يا دانيال، فهذا حقك، لقد كنت غائبًا لمدة ثلاثة أيام.
ثم تغيرت نبرته، وسأل بجدية:
- أخبرني، هل ما تم إرساله صحيح؟
تنهد دانيال بثقل، وكأن الإجابة التي يحملها ليست سهلة:
- مع الأسف... صحيح، لقد كان هو وراء ذلك.
قبض شهريار يده بقوة، وشعرت شهرزاد بتصلب عضلات ذراعه تحت يدها، التفتت إليه بقلق، بينما خرج صوته قاسيًا وحاسمًا:
- إذًا حضّر الجيش بسرعة، سوف نقوم بشن هجوم عليه، وصدقني... لن يخرج منها سالمًا.
أومأ دانيال بتأكيد، ثم انحنى له باحترام:
- كما تشاء مولاي.
تابعته شهرزاد بعينيها حتى اختفى مع كادي داخل القصر، ثم التفتت إلى شهريار، وقد عادت الحيرة إلى عينيها:
- ما الأمر يا شهريار؟ وعن أي هجوم تتحدث؟!
نظر إليها، وكان في عينيه حزن حاول جاهدًا إخفاءه، أجابها متماسكًا:
- لا عليكِ يا شهرزادي.
زمت شفتيها بضيق، ثم ابتعدت عنه خطوة وثد اصابها القلق:
- شهريار، أخبرني من فضلك... ما الأمر؟
أبعد نظره عنها، متجنبًا عينيها، وكأنه يعلم أن إجابته ستفتح بابًا لا يريد فتحه الآن، لكنها رفعت يدها، ووضعتها على وجهه، فأجبرته على النظر إليها.
وحين التقت عيناها بعينيه، رأت الدموع تهدد بالانفجار فيهما، خرج صوته هادئًا:
- سوف تعرفين فيما بعد يا شهرزادي.
ضربت قدمها الأرض بضيق من إصراره على إخفاء الحقيقة عنها، وفي تلك اللحظة، قفز دكستر بين ذراعيها، وكان شهريار قد أعاده إليها عندما ذهبا الى الحبل فقد كان هذا ضمن أحد العقاب الذي تلقته.
احتضنته بحنان، ثم لمحت شيئًا يلتصق بذيله، توقفت يدها.
نزعت الرسالة عنه باستغراب، ثم رفعت عينيها نحو شهريار، مد يده وأخذها منها، وبدأ يقرأها باهتمام شديد.
كانت عيناه تتحركان بين الكلمات القليلة، لكن شيئًا ما في مضمونها جعله يتوقف فجأة، حاول استيعاب ما كُتب فيها، ثم رفع عينيه نحو شهرزاد، وقد ارتسم على وجهه تعبير غامض لم تستطع تفسيره.
ناولها الرسالة دون كلمة، أخذتها من بين يديه، وبدأت تقرأ...كانت كلمات قليلة...لكن معانيها كانت أثقل من أن تحتملها، تغيرت ملامحها تدريجيًا.....تسارعت أنفاسها، ورفعت عينيها نحو شهريار، وفيهما ضعف لم تستطع إخفاءه.
كانت تريد أن تصدق ما قرأته...لكن شيئًا في قلبها كان يخبرها أن تلك الكلمات القليلة قد تكون بداية عاصفة ستقلب سعادتهم رأسًا على عقب.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!