الحقيقة التي تأخرت
________**
وضع شهريار يده على كتف شهرزاد عندما بدأت الدموع تترقرق في عينيها، رغم الغضب الذي كان لا يزال يشتعل في داخله، انحنت زوايا فمها بحزن، وهي تحاول التمسك ببصيص أمل أخير، ثم خاطبته بصوت مرتجف:
- إنه يمزح شهريار أليس كذلك؟ ليس صحيحًا ما كُتب... قل لي إنه ليس صحيحًا، أرجوك شهريار.
أغمض عينيه محاولًا تهدئة نفسه والسيطرة على انفعاله، ثم خاطبها بهدوءٍ غُلِّف بالغضب:
- لا أعلم، شهرزاد، لكنني لن أجعلكِ تذهبين.
ابتعدت عنه بضيق، وهي تمسح دموعها التي انحدرت على وجنتيها دون استئذان، ثم استدارت إليه بعينين ممتلئتين بالإصرار:
- ما الذي تقوله، شهريار؟ إنه عمي، وأريد أن أطمئن عليه.
اقترب منها بهدوء، وأمسك كتفيها برفق، فلم يكن يريد أن يزيد خوفها أو يضاعف غضبها:
- اهدئي، شهرزاد، أنتِ لا تعلمين شيئًا، فربما تكون هذه خدعةً منه.
أبعدت يديه عن كتفيها، وأولته ظهرها وهي تجيبه بإصرارٍ لم يترك مجالًا للنقاش:
- لكنه يبقى عمي، وهو المتبقي لي من عائلتي، ولا يهمني إن كانت خدعةً أم حقيقة، أريد الذهاب، أرجوك.
زفر بضيق أمام عنادها، ثم حاول أن يوضح لها الأمر لعله يثنيها عن اندفاعها:
- صدقيني، إن علمتِ ما فعله، فسوف تغيرين رأيكِ.
التفتت إليه باستغراب، وعيناها تلمعان بالرجاء، فوجد نفسه عاجزًا أمام توسلاتها، تنهد مستسلمًا قبل أن يحسم أمره:
- حسنًا، حسنًا... سوف آخذكِ إليه، لكنني لا أريدكِ أن تشعري بالضيق مني.
ارتمت بين ذراعيه ممتنة، وتمتمت بكلمات شكر لم تكد تُسمع، فبادلها العناق بحبٍ كبير، قبل أن تبتعد عنه على عجالة وكأن الوقت يطاردها:
- إذًا دعنا نذهب الآن بسرعة، فلم يتبقَّ وقت.
زفر بقوة، ثم ابتسم لها مواسيًا وأومأ برأسه موافقًا.
وبعد دقائق، كان شهريار يتجه نحو حصانه الذي أحضره الحارس بأمره، حمل شهرزاد ووضعها على ظهر الحصان، ثم صعد خلفها، وانطلقا معًا نحو مملكة داني، وقبل مغادرته، لم ينسَ أن يخبر دانيال بأن يلحق به، خشية أن يكون الأمر برمته خدعةً مدبرة.
وبعد مدة، وقفت شهرزاد أمام باب غرفة داني، كانت قد وصلت إلى مملكتها التي اشتاقت إليها كثيرًا؛ اشتاقت إلى شعبها، وإلى هوائها، وإلى كل زاويةٍ كانت تحمل شيئًا من ذكرياتها.
ولولا ضيق الوقت، لتوقفت تتأمل المكان طويلًا، لكن شيئًا في داخلها كان يخبرها بأن الوقت ليس في صالحها.
أما شهريار، فكان يراقب المداخل والأروقة بعينين يقظتين، خشية أن يكون هناك غدرٌ ينتظرهم في مكانٍ ما. وما أثار فضوله أن الجميع كانوا يعملون بهدوء، وكأن وجوده لم يكن أمرًا يستحق الاهتمام، باستثناء بعض الأشخاص الذين كانوا يحيّون شهرزاد باحترام عندما يمرون بجانبهم.
شجعت نفسها على الدخول، ثم طرقت الباب، فقبض شهريار على كفها الصغيرة، التفتت إليه بتوتر، فابتسم لها رغم الغضب المستقر في أعماقه، لتستمد من وجوده بجانبها بعض الطمأنينة.
فتحت الباب!
كانت الغرفة معتمة بصورةٍ جعلتها أشبه بغرفةٍ للموتى، تقدمت بخطوات مترددة نحو ذلك الجسد الممدد فوق السرير، وما إن شعر داني بوجودها حتى فتح عينيه بتعبٍ شديد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة.
وضعت شهرزاد يدها على فمها لتكتم شهقةً خرجت منها، ثم جثت على ركبتيها أمامه في صدمةٍ كاملة، كان كل ما ورد في الرسالة صحيحًا.
علامات التعب والإعياء كانت واضحةً على وجهه؛ بشرته شاحبة مائلة إلى الزرقة، وشفاهه بنفسجية، وأنفه متورم، وعيناه حمراوان كأنهما تحملان ألم أيامٍ طويلة.
أمسكت يده بضعف، وانهمرت دموعها وهي تخاطبه بصوتٍ مكسور:
- عمي، أرجوك... قل إنك تمزح، هيا، قل.
شدد على يدها، وبذل جهدًا كبيرًا حتى يخرج صوته:
- أنا أعتذر منكِ، شهرزاد... سامحيني.
احتضنت يده بين كفيها، وانفجرت بالبكاء:
- إنني أسامحك، عمي، لكن أرجوك لا ترحل، لم يبقَ لدي سواك.
بدأ الاختناق يشتد عليه، وبدا واضحًا أن تأثير السم قد بلغ مرحلةً خطيرة، ولم يتبقَّ أمام حياته سوى دقائق قليلة.
حاول أن يلتقط أنفاسه، ثم رفع عينيه بصعوبة نحو شهريار الذي كان يقف في مكانه كالصخر، لم يتحرك منذ دخوله، خرج صوت داني ضعيفًا يكاد لا يُسمع:
- اقترب، شهريار.
نظرت شهرزاد إليه بتوسل، فتحرك شهريار أخيرًا، زافرًا بضيق، حتى وقف بجانبها، رفع داني عينيه إليه، ثم خاطبه بصعوبة:
- انخفض قليلًا، ليتسنى لي رؤيتك والتحدث معك، شهريار.
وبعد ترددٍ طويل، جثا شهريار بجانب شهرزاد على الأرض رغمًا عنه فقط من أجلها! حاول داني أن يجمع ما تبقى من قوته ليستطيع الكلام، ثم نظر إليهما بندمٍ عميق:
- قبل أي شيء، اعلم أن الاعتذار لا يفيد شيئًا، لكنني لا أملك غيره حاليًا.
ابتسمت له شهرزاد ابتسامةً باهتة، فتابع بصوتٍ متقطع:
- بدايةً، لقد ظلمتكِ عندما أودعتكِ في قصر شهريار، وأنا أعلم ذلك، لكنني لم أملك سواكِ للتأثير فيه وإيقاعه أرضًا،
توقف قليلًا يأخذ انفاسه المخنوقة ليكمل باصرار:
- قلت إنكِ ستسحرينه بجمالكِ وعفويتكِ، ولن يهتم بشؤون مملكته بالتركيز المطلوب طالما أنكِ تحومين حوله، وستجلبين لي المعلومات التي أحتاجها، وستتمكنين من قتله لأنه قاتل والدكِ، لكن ما لا تعرفينه...
توقف عن إكمال حديثه، ثم دخل في نوبة سعالٍ قوية جعلت شهرزاد تنفجر بالبكاء، أسرعت تمسك يده، وكأنها تستطيع بذلك أن تمنعه من الرحيل:
- لا تتحدث، عمي، إنني أسامحك على كل شيء، أنت لم تظلمني، بل أعطيتني سعادةً لم أكن أتخيلها، وقد أحببت شهريار بكل جوارحي، ولو عدت بالزمن مرةً أخرى، فلن أتردد في تنفيذ طلبك هذا، ما دام سيكون شهريار بروعة هذا الرجل، لكن أرجوك... لقد أرسل شهريار إلى الحكيم، وسيصل بعد قليل، توقف عن الحديث.
نظر إليها بوهن، وانزلقت دمعة وحيدة من عينه قبل أن يجيبها بصوتٍ ضعيف:
- لا داعي لذلك، شهرزاد، أنا أعلم أن أجلي قد حان، دعيني أكمل حديثي ولا تقاطعيني.
احتضنها شهريار محاولًا تخفيف ألمها، بينما أومأت لداني بأن يكمل، أخذ الأخير نفسًا متقطعًا، ثم تابع:
- لم يمت والدكِ، كما أخبرتكِ سابقًا، على يد شهريار، بل أنا من أمرت بقتله كن...
بتر جملته، عندما اتسعت عينا شهرزاد في صدمة، ثم خرجت منها ضحكة قصيرة غير مصدقة لما تسمعه:
- ما الذي تقوله، عمي؟ أتمزح، أليس كذلك؟ إنها ثاني مزحة لك.
شدد شهريار من احتضانها، فقد أدرك أن الحقيقة التي ستسمعها بعد لحظات لن تكون هينة عليها.
أما داني، فتابع وهو يراقب ملامحها:
- كان دائمًا الأفضل في كل شيء،زحتى والدتي كانت تحبه، مع أنها كان من المفترض أن تكون زوجة والده وليست أمه، كان فرانك من أم أخرى، وبالرغم من ذلك أحبته أكثر مني.
ابتلع غصة الذكريات التي تلاحقه، ثم أكمل:
- كنت دائمًا أرى المديح والحب في أعين الجميع له، باستثنائي، يومًا بعد يوم، كان الكره يزداد بداخلي، حتى وُلد الانتقام بعده، أمرت بقتله بعدما كان عائدًا من مملكة آستورياس، كان يتحاور مع شهريار، الذي كنت قد أمرت بقتل والده آلبرت قبله.
أبعد ناظريه عنها، وكأن مواجهة عينيها أصبحت أقسى عليه من الموت، ثم تابع بصوتٍ مخنوق:
- أجل... أنا من قتله، أنا من أمرت الحارس نفسه بالتخلص منه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!