قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 11 من 20
وضع القراءة:

بين الحقيقة والاختبار

_______***
ابتلعت شهرزاد ريقها بصعوبة، فقد جف حلقها سريعًا خشية أن تكون آيلين قد اكتشفت أمرها.
أغمضت عينيها للحظات، ورفعت دعاءها بصمت إلى الله، تتمنى أن يكون خوفها مجرد وهم، وأن تكون الحقيقة ما زالت بعيدة عن الجميع.
فتحت عينيها ونظرت إلى آيلين بهدوء حذر، ثم أشارت إليها متسائلة:
- عن أي أمر تتحدثين؟
رفعت آيلين حاجبها بضيق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة:
- عذرًا، لم أفهم شيئًا مما قمتِ به للتو.
تنفست شهرزاد براحة واضحة، فقد أدركت أن آيلين لم تصل إلى الحقيقة بعد.
اتجهت نحو المكتب الصغير، وأمسكت الريشة بين أصابعها، ثم كتبت لها:
- عن أي أمر تتحدثين آنسة آيلين؟
أجابتها آيلين بتهكم، وكأنها تستمتع برؤيتها مرتبكة:
- ألا تعلمين عما أتحدث؟ حسنًا، سأخبرك... لقد رأيتك بجانب الملك إدوارد في الحديقة الخلفية، وكنتما متقاربين جدًا، صدقيني، إن علم الملك شهريار بهذا الأمر فلن تكوني حية.
ارتجفت مقلتا شهرزاد خوفًا، وشعرت بقلبها يهبط من شدة القلق، نظرت إليها محاولة استمالة عطفها، ثم كتبت:
- هل ستخبرينه؟
رفعت آيلين كتفيها بلا مبالاة:
- وما المانع من ذلك؟
نظرت إليها شهرزاد بتدقيق، تراقب حركاتها ونظراتها، ثم كتبت:
- وماذا ستستفيدين من ذلك آنسة آيلين؟
هزت آيلين كتفيها بخفة:
- هذا شيء يخصني يا سينثيا.
نظرت إليها شهرزاد بثبات، فهي تعلم علم اليقين أن آيلين تعرف حقيقتها، لكنها تتعمد استخدام الاسم القديم.
كتبت لها:
- لقد قال الملك إن اسمي شهرزاد، وسينثيا اسم لم يعد موجودًا.
رفعت آيلين عينيها نحوها بغضب للحظة، لكنها استطاعت السيطرة على انفعالها وإخفائه سريعًا، ثم تابعت بتساؤل:
- اسمك الحقيقي سينثيا، ولا دخل لي بما أصبح عليه اسمك... لم تخبريني ماذا كنتِ تفعلين هناك.
بقيت شهرزاد صامتة قليلًا، تفكر بسرعة، ثم كتبت بحزن أتقنت إظهاره:
- لقد قفز دكستر من بين يدي وذهب نحو الحديقة الخلفية، فذهبت للحاق به، وبعد ذلك وجدت أمامي أحد الرجال، فتراجعت للخلف تلقائيًا واصطدمت بإحدى الأشجار، وهو أمسك بي من يدي... ومن الطبيعي أن يحدث التقارب عندما كان يساعدني.
نظرت إليها آيلين بعدم تصديق:
- لقد كنتِ تبكين، وهو كان يتحدث بغضب.
شعرت شهرزاد بالخوف من أن تكشف آيلين كذبتها، فحاولت تثبيت ملامحها وكتبت:
- لقد صرخ في وجهي لأنني اصطدمت به، وقام بالصراخ علي مرة أخرى بعد ذلك، فلم أستطع أن أكبح دموعي، خاصة أن يدي كانت تؤلمني.
هزت آيلين رأسها بغضب وعدم اقتناع، فهي لم ترَ بداية الموقف، لكنها شاهدت ما يكفي لتشعر بأن هناك شيئًا آخر حدث بينهما.
كانت نظرات إدوارد إليها عند رحيله لا تشبه الغضب فقط، بل كانت تحمل شيئًا أعمق، اقتربت منها وهي تخاطبها بنبرة حادة:
- انظري سينثيا، لقد قلت لكِ ابتعدي عن شهريار، وأنتِ لم تستمعي إليّ، لأنه يخصني، وما إن يقترب أحد من إحدى أشيائي، تصبح لعنته، ولا خلاص له من ذلك.
ثم تابعت وهي تضيق عينيها:
- أنا أعلم أن هناك شيئًا بينك وبين الملك إدوارد، لكنني لا أعلم ما هو بالتحديد.
كتمت شهرزاد ضحكة كادت تفلت منها بسبب طريقة آيلين الغاضبة وتملكها الغريب، ثم كتبت ببعض المكر:
- صدقيني، أريد الابتعاد عنه، لكنه لا يتركني، انظري يا آيلين، أنا فتاة ولي كرامة... صحيح أن والدي رحل وتركني وحيدة، لكنني لست جارية.
توقفت للحظة، ثم أكملت:
- إنها الظروف اللعينة التي أجبرتني على أن أكون في هذا الوضع، وأقسم أنني لا أريد أن أكون جارية.
ارتفعت زوايا فم آيلين ببطء، وظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها:
- هل تقولين الصدق؟
أومأت شهرزاد لها، لتقترب آيلين من الباب وهي تقول:
- إذًا سأعود في الغد وأخبرك ما الذي عليك فعله... ولا تقتربي منه حتى آتي إليكِ.
نظرت إليها شهرزاد بضيق، كيف يمكنها التحكم بها بهذه السهولة؟ ضربت الطاولة بخفة حتى انتبهت إليها آيلين.
التفتت الأخرى باستفسار، لتجد شهرزاد تكتب مرة أخرى، زفرت آيلين بضيق، ثم عادت نحوها لترى ما تكتبه، وما إن قرأت حتى انفجرت غضبًا:
- لا تفعلي... لا تفعلي، وأقسم أنني أقتلك إن فعلتِ يا سينثيا.
ابتسمت شهرزاد في داخلها، ثم كتبت بهدوء:
- لست أنا من قال ذلك يا آيلين، لقد أمرني حقًا بأن أتجهز لأذهب إليه في المساء.
أغمضت آيلين عينيها بقوة، تحاول طرد الأفكار التي هاجمت عقلها فجأة، ثم أجابت وهي تضغط على أسنانها من شدة الغيظ:
- افعلي أي شيء، ولا تذهبي... دبري أمرك يا سينثيا.
تنهدت شهرزاد بضيق، فهي أيضًا لم تكن تريد لقاءه، لكن طريقة آيلين في التحكم بها واستفزازها جعلتها ترفض الخضوع لها، استمعت إليها وهي تكمل بتفكير:
- انظري، ستتظاهرين بأنك تعانين من المرض، وسأؤكد ذلك بفحصي لك.
أومأت شهرزاد بتردد، بينما تابعت آيلين بثقة:
- اتفقنا، سوف أذهب الآن إلى السلطانة الأم وأخبرها أنك متعبة.
غادرت آيلين الغرفة، وبقيت شهرزاد وحدها، تنهدت بابتسامة ساخرة، فآيلين غريبة حقًا، هل تظن أن شهريار إذا علم بالأمر سيبقى في جناحه ويتركها؟
ابتسمت بسخرية فهي قد وافقت على الأمر، لكن ليس خوفًا من آيلين، بل لأجل شيء في داخلها....وفجأة عبست وهي تجلس على السرير عندما تذكرت حبها الذي يبدو بلا نهاية، حبًا لا تعرف كيف تتعامل معه.
في النهاية، هو قاتل والدها، فهل يحق لها أن تحبه؟ وكيف لها ألا تفعل ذلك؟ فهو لا يترك لها فرصة للتفكير بشيء آخر سوى وجوده، دائمًا يغمرها بأفعاله وكلماته، ولم ترَ منه أي تصرف يدل على أنه حاكم سيئ.
كانت مشوشة حقًا! ربما عليها أن تنظر إليه من زاوية أخرى، أن تراه بعيدًا عن صورة قاتل والدها، وأن تحاول معرفة الحقيقة بنفسها، بعدها فقط ستقرر.
تنهدت بتعب، وكادت دموعها أن تسقط، ثم التفتت نحو النافذة عندما سمعت حركة، كان دكستر قد قفز للتو إلى الغرفة، اقتربت منه بسرعة واحتضنته بخوف وتردد كبيرين، وكأنها تبحث عن شيء يخفف عنها ثقل قلبها.
رفع دكستر رأسه نحوها، لتنتبه إلى لفافة ورق صغيرة مربوطة حول رقبته، تجمدت للحظة، كانت تعلم جيدًا ممن جاءت هذه الرسالة، أمسكتها بأنامل مرتعشة، ثم فتحتها وبدأت تقرأها بصوت هامس:
"شهرزاد، حبيبتي ومليكة قلبي وروح فؤادي... أرجوكِ أن تسامحيني على فعلتي صباحًا، لكن أقسم أنني لم أستطع السيطرة على غضبي، وأنا أتخيل سيناريوهات كثيرة تأتي وتذهب في مخيلتي.
ضعي نفسكِ مكاني يا أميرتي، إنني أغار بشدة، وأنتِ تعلمين ذلك، سوف أحاول ألا أصدق ما أخبرتِني به، وأن أتغاضى عنه، لكنني لا أعدكِ بأن تكون ردة فعلي جيدة إن تأكدت من الأمر، قد أضطر إلى قتل شهريار إن كان ذلك صحيحًا.
حافظي على نفسك من أجل زوجكِ المستقبلي وحاكم البلاد، وأعدكِ أن تكون فترة إقامتك هنا قصيرة، سوف أحاول إنهاء الأمور لدي، ثم سأقوم بإرسال رسالة لكِ لتنفذي ما جئتِ من أجله، وتذكري جيدًا...أن الذي تجلسين معه هو قاتل والدك.
مالك قلبك...إدوارد."
ضغطت شهرزاد على الورقة بين يديها، وقد اختلط داخلها الخوف بالغضب، يا إلهي...ساعدني وأرشدني إلى الطريق الصحيح.
أغمضت عينيها، ثم وضعت رأسها على الوسادة بألم وحيرة، بينما اقترب دكستر ووضع رأسه بجانب رأسها، وكأنه يحاول مواساتها.
_______***
في الجهة الأخرى، كان إدوارد يسير بغضب شديد، يحطم كل ما تقع عليه يده من أثاث وزينة قابلة للكسر، كان يكاد يفقد عقله وهو يتخيل أن شيئًا حدث بينها وبين شهريار.
طرق داني باب غرفته، ثم دخل ببطء، توقف للحظات أمام الفوضى الموجودة حوله، ونظر إليه بحذر:
- ما كل هذا يا إدوارد؟
نظر إليه إدوارد بانكسار، ثم انحنى له باحترام:
- احترامي يا مولاي.
جلس داني على أحد المقاعد السليمة، ثم نظر حوله بقلق:
- لماذا كل هذا الدمار؟ ما الذي حدث؟ لقد أخبرني الحارس أنك تحطم كل شيء منذ فترة طويلة بعدما عدت من عند شهريار... هل رفض إعطاءنا الأسطول؟
أغمض إدوارد عينيه محاولًا السيطرة على غضبه عندما ذكر اسم شهريار، ثم أجابه بانفعال:
- لم يوافق، يريد وقتًا للتفكير في الأمر، في البداية كان رده الرفض، ثم بعد أن عرضت عليه الجزيرة اللؤلؤية الموجودة أسفل المحيط، قال إنه يحتاج للتفكير، وسوف يوافينا بالرد مع رسوله.
فكر داني قليلًا، ثم سأله:
- وما آخر أخبار شهرزاد؟
انفجر إدوارد غاضبًا:
- لقد أصبحت ملكه قبلي، هل هذا يعجبك؟ لقد أخبرتك ألا تدخلها في هذا الأمر، لكنك أصريت على رأيك. أخبرتك أنني أستطيع حل الأمر بدونها، لكن...
قاطعه داني بهدوءٍ وكأن ادغضب إدوارد لا يعنيه بشيء:
- هل هي أقرب إليك مني؟
ضغط إدوارد على أسنانه بغضب:
- إنها خطيبتي أيها الملك.
أجابه داني بثبات متجاهلًا مشاعر الآخر:
- وأنا عمها يا إدوارد، ألا تفكر لماذا قمت بذلك؟ انظر، صحيح أنني لم أحب فكرة أن تصبح جارية، لكن في النهاية شهرزاد ليست أميرة حقيقية.
عقد إدوارد حاجبيه باستغراب:
- ماذا تقصد بأنها ليست أميرة حقيقية؟
وقف داني بغطرسته المعتادة، ثم أجابه:
- افهمها كما جاءت في أول فكرة خطرت في مخيلتك يا إدوارد.
ثم تحرك نحو الباب وأضاف:
- إنني ذاهب، عن إذنك.
ظل إدوارد ينظر إلى الباب بعد إغلاقه، ثم جلس بصدمة، بدأت أفكار كثيرة تهاجمه، وتذكر كلام داني، هل يمكن أن تكون شهرزاد ليست كما يظن؟
وضع رأسه بين كفيه، ثم تذكر الرسالة التي كتبها لها وعلقها في عنق دكستر. أغمض عينيه رافضًا التفكير أكثر. تنهد بضعف، فهو يقضي يومه كاملًا بين النظر والتفكير في هذا الأمر.
_______***
طُرق باب غرفة شهرزاد، فأغمضت عينيها بسرعة، متظاهرة بالنوم، استمعت إلى خطوات شخص يقترب منها بهدوء، ثم شعرت بأحدهم يجلس على طرف السرير، تلتها يد دافئة تتحسس وجهها بحنان.
وصل إلى أذنيها صوت تنهيدة مثقلة بالقلق، ففتحت عينيها ببطء، عرفتها....كانت السلطانة الأم إليزابيث تنظر إليها بحزن واضح، وكأنها تحمل في عينيها الكثير من الخوف عليها.
ابتسمت شهرزاد بحزن، وحاولت أن تعتدل في جلستها، لكن السلطانة أوقفتها برفق:
- لا تفعلي يا سين.
شعرت شهرزاد فجأة بخمول حقيقي، وكأن جسدها استجاب لفكرة المرض رغم أنها لم تكن مريضة، أشارت إليها معتذرة:
- أعتذر يا سلطانة.
تنهدت إليزابيث وهي تنظر إليها بحنان:
- لماذا تعتذرين؟ وهل يعتذر الإنسان عن مرض أصابه؟ لقد أخبرتني الطبيبة آيلين أنكِ مصابة بفايروس إيبولا... إنني حزينة من أجلك.
اتسعت عينا شهرزاد بصدمة، هل اخترعت آيلين مرضًا لا وجود له؟ فايروس إيبولا؟ هي لا تعاني من شيء، ولا تعلم حتى كيف استطاعت آيلين اختلاق هذا الأمر بهذه السرعة.
أغمضت عينيها بقوة، وضغطت على يدها محاولة استيعاب ما يحدث، وفجأة...
سمعت صوتًا جعل قلبها يخفق بقوة، صوتًا عرفها قلبها قبل اذنيها، صوتًا يحيطها بالدفء والحنان والامات، فتحت عينيها بسرعة، لتجده واقفًا أمامها.
شهريار.....كانت عيناه مليئتين بالقلق والخوف عليها، ابتسمت بسعادة لرؤيته، ثم سرعان ما وبخت نفسها في داخلها، هل هكذا ستتعاملين معه؟ هل ستنسين كل شيء لمجرد رؤيته؟
اقترب منها شهريار وجلس بجانبها، ثم أمسك يدها بحنان:
- ما الذي يؤلمك يا شهرزاد؟
حاولت سحب يدها من بين يديه، لكنه ضغط عليها دون قصد في المكان الذي يؤلمها، أغمضت عينيها بقوة من شدة الألم، فانتبه إليها فورًا، نظر إلى يدها ثم إليها بقلق:
- ماذا بكِ؟
انتظر إجابتها، لكن عينيه بقيتا تراقبانها باهتمام، كانت آيلين تقف خلفه، تراقب المشهد بابتسامة خبيثة، أغمضت شهرزاد عينيها، ثم انفجرت فجأة في بكاء مرير.
بكاءًا شديدًا وكأنها بم تبكِ من قبل، كان بكاءًا من كثرة الضغوط التي تتحملها والخيرة التي هي بها، اقترب منها شهريار بخوف، واحتضنها بحنان، فتمسكت به دون تفكير.
كانت تشعر بالأمان بين ذراعيه رغم كل شيء، رفم كل الحيرة والتيه التي تعايشهم، نظرت بطرف عينها نحو آيلين، فرأت الغضب يشتعل في ملامحها.
ابتعدت عن شهريار بعد لحظات، ومسحت دموعها بحزن، في تلك اللحظة تقدمت آيلين، وشرارات الغضب واضحة في عينيها:
- عذرًا يا مولاي.
انتبه شهريار إليها، ثم نظر نحوها بقلق:
- ما الذي تعاني منه؟ لقد أخبرتني كادي أن السلطانة الأم عند شهرزاد لأنها متعبة جدًا.
نظرت آيلين إلى شهرزاد للحظات، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة. تغير شعور شهرزاد فورًا، وشعرت بالخطر يقترب، تحدثت آيلين بهدوء متعمد:
- مولاي... أريد أن أخبرك بشيء اكتشفته.
ابتلعت شهرزاد ريقها بخوف، بدأ قلبها يخفق بعنف، وكأنها تسمع صوت الحقيقة وهي تقترب منها، وبدون أن تنتبه، أمسكت بيد شهريار وضغطت عليها بقوة.
كان شهريار ينظر إليها باستغراب، بينما رفعت آيلين عينيها نحوهما وهي تستعد لإكمال حديثها...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.