قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 28 من 30
وضع القراءة:

اننا نفقده

_______***
ظلت شهرزاد تستمع إليه بصمتٍ قاتل، عاجزةً عن استيعاب ما تسمعه، أما شهريار، فكان يضمها إليه أكثر، وكأنه يحاول أن يكون جدارًا يحميها من انهيارها القادم.
رغم أنه علم بحقيقة قتل داني بوالده قبل قليل من دانيال، لكن ان يستمع الى الخبر بنفسه ليس هيّن، ولولا وجودد شهرزاد لقضى عليه بنفسه، لكن وجودها يجحم من غضبه.
سعل داني، وقد ازداد وجهه احمرارًا، ثم تابع بصعوبة:
- لقد أعدت المملكة إليكِ مرةً أخرى، أعلم أنكِ لا تعرفين إدارتها، لكن شهريار يستطيع مساعدتكِ فيها.
ثم رفع عينيه نحو شهريار، وكأن لديه وصيةً أخيرة لا يريد أن يغادر الدنيا قبل أن يقولها:
- أرجو أن تسامحني، شهريار، مع أنني لا أظن ذلك، احذر من إدوارد، فإنه يعد نفسه بحربٍ معك لأنك أخذت شهرزاد.
توقف ليلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم تابع بصوتٍ متحشرج:
- كنت قد أقنعته بأن شهرزاد ليست أميرةً حقيقية، وهو من أجبرني على تجرع السم، لم يعد في حياتي سوى ثوانٍ معدودة، وسوف تنتهي مهلته بعد قليل، اهتم بشهرزاد جيدًا، إنها أمانةٌ في عنقك شهريار، حافظ عليها... هذه وصيتي لك.
أعاد بصره نحو شهرزاد، وكانت عيناه شبه مغلقتين، لكن الحنان ظل عالقًا فيهما:
- سامحيني، ابنتي، لم أكن العم الذي تفتخرين به.
خرجت جملته الأخيرة بصوتٍ خافت كاد لا يُسمع، لتندفع شهرزاد نحوه وتحتضنه بضعف، بينما علا صوت بكائها:
- لماذا فعلت ذلك؟ كنت أحتاجك منذ زمن، وأنت تخليت عني بانتقامك وتعليمي الانتقام لن أسامحك! افتح عينيك، هيا عمي!
لم يستجب لها، هزته بيدين مرتجفتين، وكأنها تحاول إعادة الحياة إليه بالقوة:
- قلت لن أسامحك! افتح عينيك ولا تمازحني، هيا، قل لي إنك تمزح بشان والدي ووالد شهريار، هيّا لقد عهدتك حنونًا من قبل.
أكملت وهي تقبل وجهه الشاحب:
- إنني أسامحك، لكن افتح عينيك، أرجوك.
أبعدها شهريار عنه بقلب يكاد ينفطر لحالها، فالتفتت إليه وهي تضحك من بين دموعها، وكأن عقلها يرفض تصديق الحقيقة:
- إنه لم يرحل، أليس كذلك؟ ما زال على قيد الحياة. هيا، قل لي إنه يمزح.
عانقها بقوة، فانفجرت بين ذراعيه ببكاءٍ قطع نياط قلبه شعر باسترخاء جسدها بين ذراعيه، فأبعدها قليلًا، ثم انحنى يستمع إلى نبضات قلبها وأنفاسها، ليدرك أنها فقدت وعيها.
حملها بين ذراعيه، ثم نظر نحو داني متنهدًا، قبل أن تقطعه طرقات على الباب، سمح للطارق بالدخول، فتقدم دانيال باحترام:
- لقد جاء الحكيم.
أومأ شهريار له، فتقدم الحكيم نحو داني، وأخذ يفحصه بقلة حيلة بعدما أدرك أنه فارق الحياة، أعلن الحكيم وفاته، ثم وضع الغطاء على وجهه.
أغمض شهريار عينيه متنهدًا بحزن، ثم توجه بها نحو الخارج، لكن إدوارد كان يقف أمامه، وبجانبه أحد الأشخاص.
نظر إدوارد إليه بعدم تصديق لوجوده هنا، ثم اندفع إلى الداخل، ليجد دانيال والحكيم بجانب داني ووجهه مغطى، عاد إلى شهريار الذي كان قد وصل إلى منتصف الدرج، وكأن وفاة داني لم تعد تعنيه، ثم رفع صوته:
- توقف، شهريار!
لم يلتفت إليه شهريار، بل واصل نزول الدرج، مما أشعل غضب إدوارد، الذي لحق به سريعًا وأمسك كتفه:
- اترك شهرزاد.
رمقه شهريار بنظرةٍ ساخرة، ثم خاطبه بهدوءٍ بارد:
- ابتعد من أمامي، إدوارد.
جز إدوارد على أسنانه بغضب:
- قلت لك اتركها، إنها لي.
انفجر شهريار ضاحكًا رغم الغضب الذي يشتعل في صدره، ثم أجابه ببرود:
- لم ولن تكون لك في أي يوم، إدوارد، فابتعد من أمامي حتى لا أؤذيك.
لم يستطع إدوارد أن يلكمه خوفًا على شهرزاد التي كانت بين يدي شهريار، فاكتفى بمواجهته زافرًا:
- بعد أن علمت بحقيقتها، هل تريد أن تكون لك؟ إنها لا تناسبك، شهريار.
قلب شهريار عينيه إلى الداخل، ثم نظر إلى شهرزاد بين ذراعيه قبل أن يجيبه بتهكم:
- هل تريد أن تكون لك وهي تحمل ولي العهد؟
بدا أن استيعاب إدوارد كان بطيئًا هذه المرة، فحدق فيه غير مصدق:
- من تقصد؟ هل تقصد شهرزاد؟
أومأ له شهريار، ثم تابع سيره متجنبًا إياه، لكن إدوارد أمسكه من الخلف، فشد شهريار على أسنانه بقوة، ثم استدار إليه، ليجد دانيال قد أسرع بالنزول.
مد شهريار شهرزاد نحوه، مخاطبًا إياه بحزم:
- خذها إلى القصر، وضعها في جناحي.
نظر دانيال بقلق إلى إدوارد، ثم عاد ببصره إلى شهريار:
- لكن مولاي، دعني أقوم بإلزامه حده.
ابتسم له شهريار بهدوء:
- لا تقلق، أستطيع أن أتدبر أمري، لكن أسرع بالذهاب، واجعل السلطانة وكادي عندها، وخذ الجيش معك، فلا داعي له.
أومأ دانيال، وفي داخله توجسٌ شديد من إدوارد، ثم خرج مسرعًا متوجهًا نحو آستورياس.
طقطق شهريار رقبته، ثم اندفع بقبضته نحو إدوارد، فأصابه في أنفه بقوة، شعر إدوارد بشيءٍ دافئ يسيل على فمه، فمسح الدماء سريعًا، ثم حاول لكم شهريار، إلا أن الأخير تصدى له بكل بساطة.
أمسك يده، ولوى ذراعه خلف ظهره، ثم خاطبه بغضبٍ مكبوت:
- كسرت السيف الذي رفعته عليّ من قبل، والآن استطيع كسر يدك، فأنا ملك البلاد.
شدد ضغطه على ذراعه، ثم تابع بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
- أقسم، إدوارد، إن لمحتك هنا خلال ثوانٍ، لأضعن سيفي في صدرك ولن أتردد في ذلك، لا أحب العنف، ولا أحب أن أستخدمه، فاذهب من هنا بسلام، فهذا القصر لشهرزاد وليس لك.
استمع إدوارد إليه بألم، لكنه لم يسمح له بالظهور على ملامحه، ابتعد عنه شهريار، ثم توجه نحو الباب، مشيرًا إلى الخارج:
- تفضل... من غير مطرود.
كان جميع الخدم ينظرون إليهما بترقب وفضول، بينما جز إدوارد على أسنانه واتجه نحو الخارج، وقبل أن يخرج، استل سيفه فجأة، وغرسه في صدر شهريار الذي كان قد اقترب من رئيس الخدم ليخبره بتجهيز دفن داني.
جثا شهريار على الأرض، وقد بدأت الدماء تغمر ثيابه.
________**
نظر دانيال إلى شهرزاد التي كانت بين يديه، ثم أشار إلى الحارس أن يأخذها، قبل أن يعود أدراجه نحو القصر مسرعًا، وقد تسلل الخوف إلى قلبه خشية أن يكون شهريار قد أصيب بأذى.
لكن ما إن وصل إلى الباب حتى تجمد في مكانه، كان شهريار ممددًا على الأرض، غارقًا في دمائه.
اقترب منه دانيال سريعًا، ثم جثا على ركبته بجانبه، وصوته يرتجف من شدة الصدمة وعدم التصديق:
- ماذا حصل لك، مولاي؟
خرج صوت شهريار متقطعًا، مثقلًا بالألم:
- اهتم بشهرزاد جيدًا، دانيال، لم أستطع أن أسعدها كثيرًا... لم أخبرها بحبي الكامل لها.
انهمرت دموع دانيال بغزارة، وضغط بيده على جرحه محاولًا إيقاف النزيف:
- لا تتحدث، مولاي، ستكون بخير، أعدك بذلك.
ارتسمت على شفتي شهريار ابتسامة محبة رغم الألم، ثم خاطبه بصوتٍ ضعيف:
- دائمًا ما كنت أعتبرك أخي، دانيال، وليس وزيرًا يعمل عندي. أرجوك... إنها أمانة في رقبتك. لم أستطع أن أنفذ وصية داني.
سعل، وارتجفت أنفاسه، بينما فرت دمعة من عينه:
- لا تجعلوا غيوم الحزن تخيّم عليكم. أوصيك بأمور المملكة، دانيال.
مسح دانيال دموعه بكتفه، ثم صرخ فيه محاولًا إبقاءه واعيًا:
- لا تغلق عينيك، مولاي! ستعيش، أعدك بذلك!
ثم التفت إلى الخدم الواقفين في حالة ذهول، ورفع صوته بأقصى ما يستطيع:
- أحضروا الحكيم بسرعة! لا تقفوا مكتوفي الأيدي! إنه يذهب من بين أيدينا!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.