انتقامٌ هزمه الحب
__________**
أخرج شهريار صوته أخيرًا، وقد انقطع للحظة وكأنه كان يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم وجّه أنظاره نحو السلطانة إليزابيث:
- بارك الله بكِ، حبيبتي، لكن...
التصقت شهرزاد بذراعه اليسرى دون أن تشعر، وكأنها وجدت فيه مأمنًا غريزيًا من آيلين، ثم خاطبت السلطانة بابتسامة صغيرة:
- شكرًا لكِ، مولاتي.
استجمعت آيلين شتات نفسها بصعوبة، وانحنت أمام شهريار مرة أخرى:
- مولاي، ما المطلوب مني؟
تقدمت إليزابيث بهدوء، ثم وقفت إلى جانب آيلين، وقالت بابتسامة اعتذار:
- يمكنكِ الخروج يا آيلين، أريد أن أتحدث معهم قليلًا.
أومأت آيلين، وهي تضغط على أسنانها كي لا يظهر الغضب المرتجف في ملامحها:
- حسنًا، مولاتي.
رفعت عينيها نحو شهريار، ورسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، أخفت خلفها غيرةً كادت تفضحها:
- مبارك، مولاي... وأتمنى أن يأتي ولي العهد بصحة وسلامة.
كادت تستدير لتغادر، لكن شيئًا ما منعها، التفتت نحو شهرزاد.....كانت الصغيرة لا تزال متشبثة بذراع شهريار، وكأنها تعلن بصمت أنها لن تسمح لأحد بالاقتراب منه.
ابتسمت آيلين بسخرية خفية، ثم قالت باحترام مصطنع:
- اهتمي بنفسك، مولاتي، فأنتِ تحملين ولي العهد الآن، مبارك لكما مرة أخرى.
شيعتها شهرزاد بنظراتها حتى اختفت خلف الباب.
وما إن أُغلق الباب حتى ابتعدت عن شهريار، وكأنها انتبهت فجأة إلى قربها منه، فقالت بأسف:
- أعتذر... لم يكن عليّ الاقتراب منك، لكنك أنت من بدأت.
نظر إليها شهريار لثوانٍ، كان سعيدًا بقربها أكثر مما ينبغي، بل إن ذراعه التي كانت تلتف حولها قبل لحظات كانت ترفض أن تنسى دفء وجودها.
لكنه سرعان ما استعاد قسوته، أو حاول ذلك على الأقل:
- لماذا أخبرتها بمثل هذا الخبر، شهرزاد؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها، ونظرت إليه بضيق:
- لأنك كنت ستنفذ ما قلته لي، وقد أخبرتك أنني لن أسمح بذلك مطلقًا.
رفع حاجبه الأيمن، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:
- وكأنني سأستمع إلى كاذبة مثلك.
تغير وجهها في اللحظة ذاتها، لم يكن الألم في عينيها بسبب كلمته وحدها، بل بسبب الرجل الذي قالها.
شهريار! الرجل الذي كانت تعرف كيف ينظر إليها عندما يحبها، وكيف يتغير صوته عندما يشتاق إليها، وكيف يحتضنها وكأن العالم كله لا يعنيه ما دامت بين ذراعيه.
ارتجفت شفتاها، وكادت دمعة تفلت من عينيها، لكن صوت إليزابيث أوقفه:
- شهريار!
التفت الاثنان إليها بدهشة، كانت لا تزال هناك، شهريار لم ينتبه حتى إلى بقائها، تنحنحت إليزابيث بضيق، ثم قالت:
- اجلسا... وكفا عن هذه التصرفات.
نظرت شهرزاد إليها للحظات، ثم تقدمت وجلسَت بجانبها على الأريكة.
أما شهريار فظل واقفًا مكانه.
نظرت إليزابيث إليه بنظرة صارمة.
تنهد بضيق، ثم تقدم وجلس بجانب شهرزاد، أو بالأحرى التصق بها بسبب ضخامة جسده وضيق الأريكة.
نظرت إليزابيث إليهما وكأنها معلمة أمام طفلين تشاجرا بسبب لعبة واحدة:
- ما هذه التصرفات يا شهريار؟ هل أنت...
قاطعها بضيق:
- سلطانتي، أرجوكِ... لست طفلًا حتى تخاطبيني هكذا.
كادت ضحكة صغيرة تفلت من شهرزاد.
رفعت يدها سريعًا إلى فمها، لكنه لمحها.
نظر إليها بضيق.
أما إليزابيث فتابعت دون اهتمام:
- وأنتِ أيضًا يا شهرزاد... ما الذي قلته؟ هل حقًا تحملين بولي العهد؟
نظر شهريار إلى شهرزاد بابتسامة لعوب، وقال:
- أخبريها عن ولي العهد الوهمي، أيتها الأميرة الصادقة.
احمر وجه شهرزاد خجلًا.
خفضت عينيها للحظة، ثم أجابت:
- لا، سلطانة... لست كذلك.
ثم رفعت عينيها نحو شهريار وأضافت بضيق:
- لكنه هو من استفزني بذلك، سلطانتي.
رفع شهريار حاجبه، كان يريد أن يضحك لكنه منع نفسه، في الحقيقة، كان يريد أن يضمها إليه أكثر من أي شيء آخر، اعتدل قليلًا في جلسته، وكأن قربها أصبح عبئًا على قلبه لا يستطيع احتماله، أخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إليها:
- حسنًا... موافق على شرطك.
عقدت إليزابيث حاجبيها باستغراب:
- عن أي شرط تتحدث؟
ابتسم شهريار:
- كنا قد اتفقنا على شيء، لا تهتمي، سلطانتي... يمكنك الاطمئنان لن أفعل ما كان في رأسي حاليًا.
تنفست إليزابيث براحة، ثم التفتت إلى شهرزاد، فوجدت ابتسامة واسعة تشق وجهها، فهمت السلطانة فورًا أن الشرط كان في صالحها.
اقتربت منها وهمست:
- حاولي أن تقربيه منكِ، وأنا واثقة بما يدور في رأسك الصغير، شهرزاد.
ابتسمت شهرزاد بحب، وأومأت لها، نهضت إليزابيث، واتجهت نحو الباب وقبل أن تغادر، التفتت إليهما نظرة أخيرة فهمتها الأخرى، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت.....صمتٌ غريب لم يبقَ فيه سوى صوت أنفاسهما، نظرت شهرزاد إلى شهريار، ثم خاطبته بهدوء:
- بدايةً... كما اتفقنا، رقصة واحدة، أليس كذلك؟
أومأ لها، فتابعت:
- وثانيًا، ستكون اليوم... لكنني نعسة حقًا.
نظر إليها مطولًا، كان يستطيع رؤية الإرهاق في عينيها، ومع ذلك لم يرد أن يتركها تنام، ليس الليلة، ليس بعد ثلاثة أيام قضاها بعيدًا عنها، أخرج صوته غليظًا:
- لا شأن لي بذلك، شهرزاد. إما اليوم... أو انسي الأمر.
تنهدت بحزن، ثم توسلته برجاء:
- لكن إن نمت أثناء سردي، فلا توقظني... وأعدك أن أكملها لك غدًا أرجوك.
ظل صامتًا للحظات، ثم تنهد بقلة حيلة:
- حسنًا... كما تشائين.
اتجه نحو السرير واستلقى عليه، توقفت شهرزاد مكانها، لم تكن قد حسبت هذه النقطة، نظرت إلى السرير، ثم إليه، بعدها عادت تنظر إلى السرير، ابتلعت ريقها بتوتر، مد شهريار يده إليها يحسم حيرتها:
- تعالي.
ترددت. كان قلبها يخفق بقوة، خطت نحوه ببطء، خطوةً تليها أخرى، وكأن المسافة القصيرة بينهما أطول طريق سارت فيه في حياتها، وأخيرًا، جلست إلى جواره، لم يمهلها شهريار كثيرًا، فأحاطها بذراعيه.
استقرت بين ذراعيه. تجمدت للحظة، رغم أنها ليست الأولى لكنها تشعر بأنها تُحتضن لأول مرة، ربما ما تشعر به أصبح أثقل
أما هو فأغمض عينيه، واستنشق رائحة شعرها بهدوء، كانت رائحة تشبه الياسمين، رائحة حفظها قلبه قبل أن تحفظها ذاكرته، همس بصوت غلبه النعاس والاشتياق:
- هيا... ابدئي الآن، وصفي لي الأحداث وكأنني بداخلها.
استمعت إلى دقات قلبه المنتظمة تحت أذنها. للحظة، نسيت كل شيء، نسيت غضبه....نسيت الخطة.....نسيت خوفها.
لم يبقَ في عالمها سوى ذراعين يحيطان بها، وقلب تسمع نبضاته بوضوح، ثم بدأت:
- في البداية... إنها قصة فتاة تم اختطافها من قبل عصابة كبيرة تابعة لأحد الملوك.، وسأبدأ من اللحظة التي تم اختطافها فيها.
حرّك شهريار رأسه قليلًا، إشارةً إلى أنه يستمع، ابتسمت شهرزاد، ثم تابعت:
- ابتسمت الفتاة بسعادة كبيرة عندما نجحت في حل العقدة التي تربط كفيها خلف ظهرها. لقد احتاجت وقتًا طويلًا حتى استطاعت تحرير نفسها.
توقفت لحظة، ثم واصلت بصوت أكثر هدوءًا:
- حرّكت كفيها بحركة دائرية، محاولةً إعادة الدم إليهما بعد الخدر الذي أصابهما. ثم مشت على أطراف قدميها بحذر، حتى لا يصدر عنها أي صوت يدل على أنها تحركت.
كانت شهرزاد تتحدث وهي ترسم المشهد في مخيلتها، ومع كل كلمة، كان شهريار يستمع أكثر:
- وصلت إلى الباب الخلفي للسرداب، وكان مفتوحًا بسبب ذلك الحارس الأخرق بعدما غادر دون أن يغلقه خلفه. مشت بخطوات بطيئة، تشبه خطوات طفل يتعلم السير، ثم تحولت خطواتها فجأة إلى خطوات فهد يطارد فريسته.
ابتسم شهريار دون أن تشعر، تابعت:
- ركضت بأقصى سرعتها، غير آبهة بالألم في قدمها التي جُرحت عندما اختطفوها. لم يكن هناك شيء يشغل عقلها سوى الحارس الذي لمحها بمجرد خروجها من السرداب.
ثم خفضت صوتها:
- كانت أنفاسها متقطعة وسريعة، وكانت تركض بخوف أكبر عندما سمعت أصوات الرجال خلفها، وهم يبحثون عنها.
توقفت، لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام عندما شعرت بأن شهريار أصبح أكثر انتباهًا، سألها بصوت مكتوم:
- أكملي... إنني أستمع إليك.
نظرت إليه بطرف عينها، ثم تابعت:
- بدأت الرؤية أمامها تصبح مشوشة بسبب دموعها التي كانت تتسابق على وجنتيها. كانت تخشى أن يمسكوا بها مرة أخرى، خصوصًا عندما تذكرت ذلك الصوت الرجولي الخشن الذي جمد أطرافها عندما همس قرب أذنها...
خفضت صوتها، وقلدت نبرة الرجل:
- إن كنتِ ذكية بما يكفي يا صغيرة، حاولي أن تفكري في الهرب من هنا.
ارتجفت قليلًا وهي تكمل:
- قالت في نفسها وهي تبكي: يا إلهي... إن أمسكوا بي وأرسلوني إلى الرئيس، فسوف يقتلونني لا محالة.
قطب شهريار حاجبيه، ثم سأل بفضول حقيقي:
- لكن لماذا تم اختطافها؟
أغمضت شهرزاد عينيها، وقد شعرت بالسعادة لأن اهتمامه بالقصة يزداد:
- كانت تجهل السبب، ربما لأنها شاهدت قتل ذلك الحارس البسيط الذي كان يحمل دليلًا على جرمهم... أو لأنها رأت مؤامرة قتل الأمير المسكين الذي رفض والده الملك تسليمهم المملكة.
ثم مسحت دمعة وهمية من طرف عينها، وتابعت:
- واصلت طريقها، لا تعرف أين ستذهب، ولا من يمكن أن تثق به.
سألها شهريار بقلق:
- هل سيمسكون بها؟
ابتسمت رغم تعبها:
- دعني أكمل.
تابعت بهدوء غريب:
- كانت الفتاة على وشك مواصلة الركض، لكن التفاتها نحو الجهة اليسرى جعلها تتوقف.
فتحت عينيها قليلًا:
- كان هناك بيت صغير، يشبه البيوت الريفية، تساءلت كيف يمكن لبيت بهذه البساطة أن يكون في وسط مملكة عريقة كهذه.
ثم تابعت بصوت أقرب للهمس:
- دارت حوله منخفضة على أطرافها الأربعة عندما سمعت صوت أحد الخاطفين قريبًا منها.
تنهدت وهي تشعر به يحتضنها بقوة:
- وجدت نافذة مواربة قليلًا، فوضعت يدها على حافتها، ووقفت على أطراف أصابعها، ثم دفعت جسدها الصغير إلى الداخل.
سأل شهريار فورًا:
- هل كان هناك أحد في البيت؟
لم تجبه، كانت قد بدأت تتثاءب، لكنه لم ينتبه إلى ذلك في البداية، تابعت بذات الوتيرة:
- التفتت بعينيها الكبيرتين، تتفحص المكان. كان البيت يمنح شعورًا غريبًا بالأمان. أضواء دافئة... أثاث قديم... ومقاعد مغطاة بالفرو البري، وكأن المكان لم يمسه الخوف يومًا.
توقفت قليلًا، ثم استرسلت:
- التفتت نحو النافذة عندما سمعت أصوات الرجال في الخارج.
ارتفع صوتها قليلًا:
- اقتربت منها، وأمسكت بطرف الستارة، ثم أبعدتها قليلًا...
أصبح شهريار منصتًا تمامًا بينما تكمل:
- وفتحت عينيها بصدمة عندما رأت صاحب الصوت الذي كان يهز كيانها يقف في الخارج.
توقفت في مكانها، كان غاضبًا كالأسد الهارب من عرينه، يوبخ حراسه على هروب تلك القطة الصغيرة.
سأل شهريار بقلق:
- هل هذا البيت له؟
لم تجبه، خفضت رأسها إلى صدره، ثم قالت بصوت متعب:
- ابتعدت عن النافذة، وقلبها يقرع كالطبول...
بدأ صوتها يخفت مع الأحداث:
- كانت تخشى أن يعثروا عليها...
تثاءبت بقوة كبيرة تنظر إليه بطرف عينها:
- ثم... فتح الباب...
صمتت، انتظر شهريار بقية الجملة لتكمل:
- وظهر الوحش الذي كانت تهابه من خلفه...
ظل صامتًا، انتظر، ثانية، ثانيتين...ثم التفت إليها بتعجب:
- شهرزاد؟
لم تجب، رفع رأسه قليلًا، كانت عيناها مغمضتين، وجهها هادئ، أنفاسها منتظمة، فقد نامت.
حدق فيها شهريار لثوانٍ، ثم أطلق زفرة طويلة، وكأنه لا يصدق ما حدث:
- هل هذه هي النهاية؟!
لم تجبه، هز رأسه بأسى مصطنع:
- يا الله... ما الذي يصبرني إلى الغد؟
ثم نظر إليها طويلًا، اختفت كل ملامح الغضب من وجهه.
كانت نائمة بحق بسلام بين ذراعيه، وكأنها لم تخنه يومًا، وكأنهما لم يتشاجرا.
وكأن قلبه لم يتألم بسببها.
رفع يده، وأبعد خصلة شعر سقطت على وجهها.
تأمل ملامحها بهدوء.
ثم انحنى وقبّل وجنتها قبلةً رقيقة، قبل أن يهمس بصوت لا يكاد يُسمع:
- أعشقك...
سكت لحظة، وكأن الكلمة وحدها لم تكن كافية:
- أعشق ابتسامتك ودموعك... حضورك وغيابك... مواعيدك ولقاءك... أعشق انتظارك حتى عندما يتعبني، وأعشق رقتك وعنفوانك، طيبتك وكبرياءك، وحتى قسوتك عندما تغضبين مني.
مرر أصابعه برفق على شعرها:
- أعشقك بكل ما فيكِ... حتى الأشياء التي جعلتني أتألم.
أغمض عينيه، ثم شد ذراعيه حولها أكثر، وكأنه يخشى أن تستيقظ وتبتعد عنه.
كان يعلم أنها أخطأت، وكان يعلم أنه غاضب منها، لكن الحقيقة التي حاول الهرب منها طوال الأيام الماضية بقيت أمامه الآن، واضحةً وقاسية.
هو يستطيع أن يعاقبها...لكنه لا يستطيع أن يتوقف عن حبها، أخذ نفسًا عميقًا، ثم دفن وجهه قليلًا في شعرها، وهمس ناظرًا لها:
- كيف سأنتقم منكِ وأنا كلما اقتربت منكِ نسيت لماذا أردت الانتقام أصلًا؟
ثم أغمض عينيه، ولأول مرة منذ ثلاثة أيام..نام قلبه قبل أن تنام عيناه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!