ما بين القلب والقدر
خفضت شهرزاد نظرها، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل إقناع كادي:
- أجل يا كادي، سوف أفكر... صدقيني.
تنفست كادي براحة بسيطة، ثم أسرعت بالحديث:
- حسنًا، سوف أذهب، لأنني تأخرت على السلطانة... لكن أرجوكِ اهتمي بنفسك وفكري جيدًا.
ابتسمت لها شهرزاد، لتغادر كادي وتغلق الباب خلفها.
بقيت شهرزاد وحدها، فنهضت من مكانها وبدأت تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كان قلبها يدفعها نحو شهريار، بينما عقلها يحاول تذكيرها بكل ما ينتظرها.
نظرت إلى دكستر، ثم خاطبته بتردد:
- هل يجب أن أذهب وأعتذر منه يا دكستر؟
نظر إليها بعيونه البريئة، وكأنه ينتظر منها أن تكمل، ابتسمت بخفة وهي تتابع حديثها:
- إلى الملك شهريار... هل يتوجب عليّ الذهاب؟
نظر إليها دكستر بغضب وضيق، وكأنه يعترض على ما تفكر به، فضحكت وهي تقبل رأسه:
- سوف أذهب إليه... لكن في الصباح، هيا، دعنا ننام.
وقبل أن تغمض عينيها، تذكرت الرسالة التي كتبتها إلى عمها، لاسرعت نحو دكستر لتتفقد ذيله وتتأكد من وجودها.
وقفت أمام الشمعة الموجودة في الغرفة، ثم وضعت طرف الرسالة عليها، وابتعدت وهي تراقبها تحترق ببطء حتى اختفت كلماتها.
جمعت الرماد وألقته في سلة المهملات، ثم عادت نحو السرير وأغمضت عينيها، لكن صورة شهريار بقيت حاضرة في أفكارها حتى غلبها النوم.
---
في اليوم التالي، كان شهريار يجلس بكبرياء في قاعة الاجتماع، تحيط به مجموعة من الوزراء والمساعدين، بينما كان يستمع إلى وزير الملك نيكولا وهو يشرح الشروط الجديدة المتعلقة بالأسطول.
نظر إليه شهريار بجدية، ثم تحدث باعتراض واضح:
- لكنني لا أوافق على هذه الشروط، كيف تريدون الأسطول الجنوبي، وهو مصدر إبحارنا الثاني؟ إنني غير موافق، نحن اتفقنا على الأسطول الشرقي يا حضرة الوزير، فلماذا تخلون بالاتفاق؟
خفض الوزير رأسه باحترام وهو يجيبه:
- إنني أعتذر من جلالتك يا مولاي، لكنني مجرد رسول إليك، ولا أعلم بهذه الأمور، يمكنك كتابة ردك وإرساله معنا يا حضرة جلالتك.
نظر دانيال إلى شهريار، ثم اقترب منه قليلًا وهمس:
- اطلب أن تلتقي بالملك نيكولا.
رفع شهريار نظره نحو الوزير وقال:
- إنني أطلب رؤية الملك نيكولا.
ظهرت علامات الاعتذار على وجه الوزير قبل أن يجيبه:
- إنه لا يستطيع القدوم، فحالته متأزمة قليلًا يا جلالتك.
فكر شهريار للحظات، ثم تحدث:
- أظن أن الملك إدوارد يستطيع القدوم.
أجاب الوزير باحترام:
- يمكنني إخباره يا جلالتك، هل تريد شيئًا آخر؟
هز شهريار رأسه نافيًا:
- لا، فقط أريد رؤية الملك إدوارد لنتفق بشكل أفضل.
بعد مغادرة الوزير، عاد شهريار إلى جناحه. كان يشعر بفراغ واضح في غياب شهرزاد، لكنه تحامل على نفسه حتى لا يطلبها.
استلقى على فراشه، محاولًا إبعاد أفكاره عنها، إلا أن قلبه كان يرفض ذلك، حتى غلبه النوم وهو يتخيل وجودها بجانبه.
---
في الصباح الباكر، استيقظت شهرزاد بنشاط لم تشعر به منذ مدة طويلة، كان هناك قرار اتخذته في داخلها، قرار جعل قلبها أكثر هدوءًا رغم التوتر الذي يملأها.
ارتدت ملابسها بعناية، وزينت نفسها جيدًا، ثم وقفت أمام المرآة للحظات طويلة، أخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر إلى انعكاسها، وكأنها تحاول أن تستجمع شجاعتها قبل أن تخطو نحو المجهول.
لم تستطع كلمات كادي أن تمنعها، ولم تستطع مخاوفها أن تجعلها تتراجع، وحتى دكستر الذي خاصمها عندما تناقشت معه لم يمنعها، كان هناك شيء بداخلها يدفعها إليه، إلى شهريار وحده.
خرجت من غرفتها بهدوء، واتجهت نحو جناحه بخطوات مترددة، حتى وصلت إلى الحراس الواقفين أمام الباب.
ابتسمت لهم، ليفسحوا لها الطريق بإذن مسبق من شهريار، انه كلما رأوها بأنسمحوا لها بالولوج.
دخلت إلى الجناح، وقلبها يخفق بقوة، توجهت نحو غرفة نومه، لتجده نائمًا بهدوء، ملامحه أكثر راحة مما اعتادت أن تراه.
وقفت للحظات تتأمله، وكأنها تحفظ تفاصيله في ذاكرتها.
أحبته...نعم، لقد اعترفت بذلك لنفسها أخيرًا، أحبت حنانه وطيبته قبل كل شيء، سوف تعيش هذا الحب معه، حتى وإن اكتشف خيانتها يومًا، وحتى إن كان الثمن غاليًا، فقد فعلت للمرة الأولى في حياتها شيئًا اختارته هي، دون أوامر أو ضغط من أحد.
اقتربت منه بخجل، ثم انحنت لتطبع قبلة رقيقة على وجنته، لكنها ابتعدت بسرعة عندما تحرك قليلًا، حاولت إيقاظه برفق، لكنه لم يستجب.
وقفت تنظر حولها بحيرة، فلا بد أن توقظه بطريقة ما، التقطت كأسًا وملعقة، ثم ضربتهما بجانب أذنه، ليفتح عينيه بانزعاج.
نظر إليها بصدمة، وكأنه لا يصدق وجودها أمامه، هل هي حقيقة أم مجرد حلم؟
أمسكت بيده وهي تحثه على النهوض، فاستجاب لها وكأنه ما زال تحت تأثير المفاجأة، دخلت إلى المرحاض، وضعت بعض الماء في يدها، ثم مسحت وجهه بهدوء، بينما كانت تشعر بالخجل من نظراته الثابتة إليها.
خرجت من المرحاض، ليتبعها وهو يجلس على الأريكة بصمت، وما زال غير قادر على استيعاب وجودها.
أمسكت منشفة صغيرة، ثم اقتربت منه وبدأت تجفف وجهه بلطف، ظل ينظر إليها للحظات، ثم أمسك بيدها متسائلًا:
- هل أنتِ هنا حقًا؟
ضحكت بخفة، وأومأت له بالإيجاب.
اتجهت نحو طاولة المكتب وجلست على الكرسي، ثم بدأت بالكتابة، بينما اقترب منها شهريار يراقبها بصمت، أنهت كلماتها، ثم تركت القلم ونظرت إليه:
- مولاي، إنني أعتذر عما بدر مني بالأمس، لم أكن أقصد ذلك... لقد خفت قليلًا، لكنني الآن بخير.
ثم أكملت كتابتها:
"فيا سلطان قلبي، لا تجادلني فيما تمليه الأقدار علينا، فأنا يوم أحببتك تمنيتك قدري، لم يعنني أين... ومتى... ولماذا، ولم تشغلني الحواجز والأسوار.
اخترت فقط أن أعشقك، متناسية كل الأقدار، فهل تقبل اعتذار شهرزادك يا مولاي وسلطاني؟"
رفعت عينيها إليه بعدما انتهت، لتجده يبتسم، عقدت حاجبيها باستغراب، ثم أشارت له أن يتحدث بعدما طال صمته.
وضع يده على يدها بلطف، ثم تحدث بابتسامة:
- هل هذا اعتذار أم اعتراف بالحب؟
ابتسمت شهرزاد بتوتر، ثم كتبت:
- إنه اعتذار يا مولاي... هل قبلته؟
اقترب شهريار من الكلمة التي كتبتها، ووضع إصبعه على عبارة "أحببتك"، ثم نظر إليها وهو يبتسم.
حاولت إخفاء ارتباكها، فحكت مؤخرة رأسها وكتبت:
- إنه اعتذار فقط.
أمسك شهريار بيدها، ونهض، لتتحرك خلفه حتى وقفا في منتصف الجناح، انحنى ليقبل رأسها بحب، ثم نظر داخل عينيها وتحدث بصوت هادئ:
- أجل، أقبل اعتذار شهرزادي.
تنفست شهرزاد الصعداء، ثم اندفعت تعانقه بحب، ليشدد هو الآخر عناقها وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
لكن طرق الحارس على الباب قطع تلك اللحظة، تحدث الحارس باحترام:
- مولاي، لقد وصل الملك إدوارد ابن الحاكم نيكولا.
تجمدت شهرزاد في مكانها، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى شهريار، التفت شهريار نحو الباب باستغراب:
- في هذا الوقت المبكر؟ حسنًا، يمكنك الذهاب.
غادر الحارس، بينما تنهد شهريار بقلة حيلة، ثم عاد بنظره إليها، اقترب منها وتحدث بهدوء:
- انتظريني هنا، سوف أبدل ثيابي ونذهب سويًا، حسنًا؟
بقيت شهرزاد تنظر إليه بصمت، وقلبها يحمل مزيجًا من الخوف والفرح.....فهي الآن أمام الرجل الذي أحبته... وفي الوقت نفسه أمام الماضي الذي قد يكشف كل شيء.
---
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!