قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 4 من 6
وضع القراءة:

خلف الإبتسامات تختبئ الاسرار

ساد الصمت للحظات داخل الجناح، وكأن الزمن توقف أمام ذلك المشهد الذي لم يكن أحد يتوقعه، كانت سينثيا بين ذراعي شهريار بلا حراك، وملامحها الهادئة تخفي خلفها الكثير من الأسرار والمشاعر المتناقضة.
نظر شهريار إليها بصدمة وقلق اجتاح ملامحه، قبل أن يحملها بين ذراعيه بسرعة، وكأن خوفه عليها جعله ينسى كل شيء من حوله، اتجه بها نحو السرير وهو يصيح بالخدم بصوتٍ مضطرب:
- أحضروا الحكيمة بسرعة.
وضعها على السرير برفق شديد، وكأنه يخشى أن يؤذيها بمجرد لمسه لها، ثم جلس بجانبها يربت على وجنتها بحنان، وعيناه لا تفارقان ملامحها الشاحبة:
- سينثيا... سين، أفيقي أرجوكِ.
كانت نبرته تحمل خوفًا لم يعتد أحد على رؤيته منه، فذلك الملك الذي اعتاد أن يخفي مشاعره خلف هيبته، ظهر الآن أمامها رجلًا لا يخشى سوى فقدانها.
في تلك اللحظة، وصلت آيلين مسرعة إلى الجناح، وملامح القلق ترتسم على وجهها وهي تقترب من شهريار:
- مولاي، هل أنت بخير؟ هل هناك شيء يؤلمك؟
نفى شهريار برأسه، وعيناه بقيتا معلقتين بسينثيا، ثم أشار إليها بقلق:
- انظري إليها، آيلين.
توجهت نظرات آيلين نحو سينثيا، وما إن وقعت عيناها عليها حتى تجمدت للحظات تذكرتها فورًا...
تلك الفتاة التي اختارها الملك بنفسه، والتي لم تكتفِ بذلك، بل أصبحت الآن في جناحه الخاص، اشتعل الغضب داخلها، وضغطت على أسنانها محاولة إخفاء انزعاجها، ثم تقدمت منها وبدأت تفحص نبضها وملامح وجهها بدقة.
وبعد لحظات، رفعت يدها وضربت وجنتها بخفة، انتفض شهريار واقفًا، واشتعل الغضب في عينيه:
- ماذا تفعلين؟
رفعت آيلين نظرها إليه وهي تراقب تغير ملامح سينثيا، ثم أجابته بهدوء:
- لقد استيقظت، مولاي.
بدأت سينثيا بفتح عينيها ببطء، لتجد أمامها عيني شهريار القلقتين، وعندما أدرك أنها بخير وأنه بجانبها، ظهرت ابتسامة راحة على وجهه:
- لقد أرعبتِني، سين... هل أنتِ بخير؟
أومأت بخفة، مطمئنة إياه، قبل أن يلتفت شهريار إلى آيلين ويأمرها:
- يمكنكِ الذهاب.
انحنت آيلين باحترام، ثم جمعت حقيبتها وغادرت، بينما بقي شهريار يتأمل سينثيا بحب واضح، وكأن مجرد رؤيتها مستيقظة كان كافيًا ليعيد إليه هدوءه.
حاولت سينثيا الاعتدال في جلستها، فسارع لمساعدتها، وكانت عيناه تستقران داخل عينيها للحظات طويلة، خفضت نظرها بخجل، وبدأ الاحمرار يتسلل إلى وجنتيها، الأمر الذي جعله يضحك بصوتٍ خافت.
انكمشت ملامحها بضيق من ضحكته، ليقترب منها ويقرص وجنتها بلطف وهو يبتسم:
- هل تعلمين أنكِ تبدين أكثر جمالًا عندما تخجلين؟
خفضت رأسها بتوتر وخجل، ليضع يده أسفل ذقنها ويرفع وجهها إليه برفق:
- لا تخفي جمالكِ عني، شهرزاد.
نظرت إليه باستغراب عند سماع الاسم، ليبتسم بحب وكأنه اتخذ قراره منذ لحظات.
- سوف أسميكِ شهرزاد... هل يزعجكِ ذلك؟
نظرت إليه بابتسامة هادئة، ثم نفت برأسها، محاولة الحديث، لكنها لم تستطع، فاكتفت بالإشارة بيدها، ابتسم وهو يمسك يدها التي تشير بها، ثم همس بمزاح:
- لا شكر على واجب، سي... أقصد شهرزاد.
قاطعهما طرق الباب، فأذن بالدخول، ليفاجأ بآيلين تقف وخلفها فتاة أخرى، عقد حاجبيه باستغراب، بينما تقدمت آيلين قليلًا وانحنت باحترام:
- مولاي، لقد اخترت لك هذه الجارية بسبب ما حدث قبل قليل.
نظر شهريار إليها للحظات، ثم انتبه إلى ملامح سينثيا التي ظهر عليها الضيق فور رؤيتها للفتاة، أمسك بيدها يضغط عليها برفق بعدما حاولت الاعتدال والوقوف، ثم تحدث بحزم:
- لا أريدها، آيلين، شكرًا لكِ، يمكنكما الخروج.
بقيت آيلين تنظر إلى الأرض وهي تحاول الاعتراض:
- لكن مولاي...
قاطعها بضيق واضح:
- قلت إنني لا أريدها، اخرجا.
خرجت آيلين وهي تخفي غضبها بصعوبة، لكنها قبل أن تغادر ألقت على سينثيا نظرة مليئة بالعداء والانتقام، ثم أغلقت الباب خلفها.
التفت شهريار إلى سينثيا، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة عندما لاحظ انزعاجها:
- ما الذي أزعجكِ، شهرزاد؟
عقدت شهرزاد ذراعيها أمام صدرها بضيق، ثم تحركت مبتعدة عنه، أمسك بها شهريار باستغراب، فكانت تشير بيدها نحو طاولة المكتب.
ابتسم بعدما فهم مقصدها، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه، واضعًا إحدى يديه أسفل ركبتيها والأخرى خلف ظهرها، واتجه بها نحو المكتب، أجلسها برفق، ثم أمسك بالريشة وقدمها إليها.
ابتسمت بخجل بسبب تصرفه السابق، ثم أخذت الريشة وبدأت تكتب:
- لقد أحببته حقًا مولاي، لطالما كنت أريد أن أغير اسمي إلى اسم آخر، لكن عمي كان يعترض... شكرًا لك.
نظر إليها شهريار بحب عميق، ثم انحنى وقبل وجنتها برقة تجمدت في مكانها من شدة المفاجأة، بينما ابتعد عنها قليلًا وهو يراقب صدمتها بابتسامة خفيفة.
ضحك عندما رأى احمرار وجنتيها الذي يشبه حبات الفراولة، ولوح بيده أمام وجهها حتى تنتبه إليه، وضعت يديها على وجهها تخفي خجلها، وهي تعاتب نفسها بصمت:
"اهدئي يا سين... لا تتأثري به."
وصل إلى مسامعها صوت ضحكته، فنظرت إليه من بين أصابعها كأنها تخشى أن يكتشف ارتباكها، مد يده إليها، فوضعت يدها فيها، واتجها معًا نحو السرير.
جلس شهريار براحة، وأشار إليها بالجلوس بجانبه، فأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجلس، سحبها نحوه وهو يستند إلى الخلف، فشعرت براحة غريبة وهي تضع رأسها على صدره وتغمض عينيها.
همس شهريار بهدوء:
- ارتاحي الآن... يكفي أنكِ بجانبي.
_______***
مع بزوغ الصباح، تسللت أشعة الشمس من بين الستائر لتستقر على وجه سينثيا، مما جعلها تفتح عينيها بضيق وهي تحاول الهروب من الضوء الذي أزعجها.
رمشت عدة مرات، ثم بدأت تتفحص المكان حولها باستغراب، وكأنها تحاول تذكر أين هي، قبل أن يصل إلى مسامعها صوت تنفس هادئ بجانبها.
التفتت ببطء، لتجد شهريار نائمًا بعمق، وملامح السكون والراحة تكسو وجهه، توقفت للحظات وهي تنظر إليه، ثم ضربت جبهتها بخفة عندما عادت إليها ذكريات الليلة الماضية.
بقيت تحدق به قليلًا، تراقب هدوء ملامحه، قبل أن تقرر الانسحاب من بين ذراعيه بهدوء حتى لا توقظه، تحركت على أطراف أصابعها باتجاه الباب، ثم طرقته بخفة.
فتح الحراس الباب فورًا، فانطلقت من أمامهم بخطوات ثابتة تحمل شيئًا من الكبرياء، رغم أن قلبها كان يحمل الكثير من التساؤلات.
أخذت تتجول في أرجاء القصر، تنظر إلى تفاصيله بعينين فضوليتين؛ الجدران المزخرفة، الممرات الواسعة، وكل زاوية تحمل أثرًا من عظمة المكان.
حتى وصلت إلى فناء القصر، فتوقفت عندما لمحت شيئًا يتحرك خلف الأشجار، راقبت الحرس المنتشرين حول القصر بحذر، ثم توجهت نحو إحدى الأشجار بخطوات مترددة، يدفعها الفضول لمعرفة ما يختبئ هناك.
وفجأة! قفز ثعلب أحمر اللون أمام وجهها، شهقت بخفة ووضعت يدها على قلبها تهدئ نبضاته المتسارعة، ثم سرعان ما تبدلت ملامحها إلى فرحة ممزوجة بالاشتياق، حملته بين ذراعيها، وراحت تقبله بحنان وهي تبتسم:
- أوه دكستر... لقد اشتقت إليك كثيرًا.
أمال الثعلب رأسه نحوها وكأنه يبادلها الشوق، فابتسمت وهي تمرر يدها على فرائه بحنان:
- هل أرسلك عمي إلى هنا؟
حرك دكستر ذيله، فانتبهت إلى وجود ورقة ملفوفة حوله، نظرت حولها بتوتر، ثم أسرعت بأخذها وإخفائها داخل فستانها، قبل أن تعود بخطوات هادئة نحو القصر.
مرت بين الحرس بكبرياء مصطنع، تخفي خلفه قلقها، ثم توجهت مباشرة نحو غرفتها، ما إن أغلقت الباب خلفها حتى أطلقت زفيرًا مرتاحًا، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الطريق.
وضعت دكستر على السرير، ثم أخرجت الورقة وبدأت تقرأ الكلمات الموجودة بداخلها:
- مرحبًا ابنة أخي... بدايةً، هل أنتِ بخير؟ أخبريني ماذا فعلتِ داخل القصر، هل كل شيء كما خططنا؟ هل شك بكِ أحد؟ إن قرأتِ رسالتي فأرسلي إليّ بالتفاصيل... وانتبهي جيدًا، لا تسمحي لأحد أن يكشف أمرك.
بقيت تنظر إلى الكلمات للحظات، ثم توجهت نحو الشمعة وأحرقت الورقة حتى اختفت معالمها، راقبت الدخان المتصاعد بشرود، وهي تفكر في الخطوة القادمة التي ستقدم عليها.
صحيح أنها لم تكن تتوقع أن تسير الأمور بهذا الشكل، ولم يكن ما حدث بينها وبين شهريار ضمن خطتها، لكنها قطعت طريقًا طويلًا، ولم يعد بإمكانها التراجع الآن.
التفتت نحو دكستر، ثم أمسكت بالريشة وبدأت تكتب رسالة إلى عمها:
- أهلًا عمي... لقد اشتقت إليك كثيرًا، لا تقلق، أنا بخير، ولقد وصلت إلى جناح الملك شهريار، أتمنى أن تكون أنت بخير.
وضعت الورقة داخل ذيل الثعلب، لكنها توقفت عندما سمعت طرقًا على الباب، نظرت بتوتر نحو دكستر، وحاولت إخفاءه بسرعة، لتتفاجأ بظهور السلطانة إليزابيث وهي تتقدم نحوها بملامح قلقة.
ابتسمت سينثيا بتوتر عندما احتضنتها السلطانة، فبادلتها العناق بهدوء، ابتعدت إليزابيث قليلًا وهي تتفحص وجهها باهتمام:
- هل أنتِ بخير، سين؟
أومأت سينثيا مطمئنة إياها، فابتسمت السلطانة براحة، جلست سينثيا بجانبها، ثم أمسكت بالريشة وكتبت لها:
- إنني بخير، سلطانة... لا تقلقي.
ابتسمت إليزابيث بحنان وهي تطمئن عليها:
- لقد أتى مولاي إليّ هذا الصباح وهو سعيد جدًا، لكنه أخبرني بتعبك، فخفت كثيرًا.
خفضت سينثيا رأسها بخجل عندما تذكرت ما حدث بينها وبين شهريار، لاحظت السلطانة ذلك فضحكت بخفة.
نظرت إليها سينثيا باستغراب، بينما اقتربت إليزابيث منها بابتسامة ماكرة:
- لماذا انتفخت وجنتاكِ خجلًا؟ أخبريني، ما الذي حدث؟
أسرعت سينثيا بالنفي، ثم كتبت لها:
- لا، لم يحدث أي شيء، سلطانة... لقد أُغمي عليّ كما تعلمين، لكنه أطلق عليّ اسم شهرزاد.
نظرت إليها إليزابيث بتعجب، فأومأت سينثيا مؤكدة كلامها، لتبتسم السلطانة بسعادة، ثم وقعت عيناها على دكستر، فسألت باستفسار:
- من أين هذا؟
ابتسمت سينثيا بتوتر، ثم كتبت:
- إنه ثعلبي... لقد أحضرته معي بالأمس، لكنني نسيت أمره، فوجدته ينتظرني.
وفي تلك اللحظة، وصل إلى مسامعهما طرق الباب، فتحت الخادمة الباب، ليظهر شهريار من خلفه.
ابتسمت السلطانة فور رؤيته، ونهضت وهي تقترب منه، وبعد أن قبل يدها باحترام، وضعت يدها على كتفه وهي تبتسم:
- أتمنى لك السعادة، مولاي.
ثم تحركت خارجة، تاركة إياهما بمفردهما، تقدم شهريار نحو سينثيا، فانحنت له وهي تبتسم، ليبادلها ابتسامتها بحب، اقترب منها قليلًا، ثم تحدث بهدوء:
- هل تعلمين أنني، ولأول مرة، أشعر بهذا العمق من الراحة والطمأنينة؟
ابتسمت بخفة، ليجلس شهريار على السرير، لكن طرق الباب قاطع هدوء اللحظة، أخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على غضبه، ثم ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه من شدة انزعاجه.
فتحت الخادمة الباب، لتظهر آيلين من خلفه.ط، انحنت باحترام، ثم أخذت نفسًا عميقًا تهدئ به ضيقها:
- مولاي، أريد أن أفحص سينثيا لنطمئن عليها.
نظر إليها شهريار بنظرة حازمة وصحح لها:
- تقصدين شهرزاد، آيلين... لقد أصبح اسمها شهرزاد وليس سينثيا.
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه آيلين وهي تنظر إليها، ثم تقدمت منها بعدما استلقت سينثيا على السرير، اقتربت منها وهمست بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواها:
- لا تفرحي الآن... لقد كشفتك.
تجمدت سينثيا للحظة، واتسعت عيناها بصدمة، بينما بقيت آيلين تراقبها بابتسامة غامضة تحمل الكثير من الأسرار.
...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.