قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 7 من 20
وضع القراءة:

حين يصبح القلب خصمًا لصاحبه

_______***
نظرت كادي إلى شهرزاد بتشجيع، محاولة أن تعيد إليها ثباتها الذي بدأ ينهار تحت وطأة المشاعر:
- هذا هو الأفضل، مولاتي... ولا أريد أن أوصيكِ مرة أخرى، ضعي مشاعركِ جانبًا، وتذكري أنكِ مخطوبة لإيدورد.
تنهدت شهرزاد بقلة حيلة، وكأنها تحاول إقناع قلبها قبل عقلها، ثم وقفت لتودع كادي:
- إنني آسفة لأنني جعلتكِ تعملين هنا، كادي.
هزت كادي رأسها نافية، وابتسمت بهدوء:
- لا يا مولاتي، صدقيني... السلطانة طيبة القلب، ولقد رأيتِ هذا بنفسك، أنا سعيدة هنا.
نظرت إليها شهرزاد بضيق مصطنع، محاولة تخفيف ثقل اللحظة:
- أي أنكِ لن تعودي معي عندما تنتهي مهمتي، كادي؟
نظرت إليها كادي بعتاب، وكأنها لم تصدق ما سمعته:
- ما الذي تتفوهين به، مولاتي؟ لقد أحببت العمل هنا بعيدًا عن عمكِ الملك آرثر... لقد كان يقف لي على كل صغيرة وكبيرة.
ضحكت شهرزاد بخفة رغم حزنها:
- إنه هكذا الملك آرثر... أحيانًا لا أستطيع فهم تصرفاته، لكنني أحاول فهمه مع مرور الأيام.
اقتربت كادي من الباب، ثم انحنت احترامًا لها:
- دمتِ بخير، مولاتي.
أغلقت الباب خلفها، لكنها توقفت فجأة عندما وجدت آيلين تقف أمامها، ابتلعت كادي ريقها بتوتر، بينما نظرت إليها آيلين باستغراب.
- ماذا تفعلين هنا، كادي؟
حاولت كادي إخفاء ارتباكها، وابتسمت بهدوء مصطنع:
- جئت لمساعدة شهرزاد في أمورها بأمر من السلطانة، والآن انتهيت.
اقتربت آيلين منها بخطوات بطيئة، ونظرات الشك واضحة في عينيها:
- حقًا؟ وهل يوجد أحد بالداخل؟
أسرعت كادي بالنفي:
- لا، لا يوجد أحد... لماذا تسألين؟
عقدت آيلين حاجبيها باستغراب:
- إذًا من كنتِ تتحدثين معه؟
ارتبكت كادي للحظة، ثم أجابت بتلعثم:
- أنا... كنت أسألها ماذا تريد وماذا أفعل لها.
نظرت إليها آيلين طويلًا، وكأنها تحاول معرفة الحقيقة من ملامحها، ثم تحدثت ببرود:
- حسنًا... يمكنكِ الذهاب.
راقبتها كادي وهي تتجه نحو الغرفة، فشعرت بالخوف يسيطر عليها، تقدمت خطوة وأوقفتها:
- إلى أين يا آيلين؟
نظرت إليها الأخرى بتكبر:
- ابتعدي... أريد أن أطمئن عليها.
لم تجد كادي خيارًا سوى الابتعاد، بعدما دفعتها آيلين وتجاوزتها، بقيت تنظر إليها بقلق، تدعو الله ألا ينكشف أمر شهرزاد.
دخلت آيلين دون أن تطرق الباب، فالتفتت إليها شهرزاد بابتسامة ظنًا منها أنها كادي، لكن ابتسامتها خفتت فور رؤيتها لنظرات آيلين المليئة بالكراهية، تراجعت للخلف تلقائيًا عندما اقتربت منها الأخرى.
- أنتِ... أيتها الحثالة، ماذا فعلتِ بالملك؟ أخبريني.
ابتلعت شهرزاد ريقها بخوف، بينما تابعت آيلين بصوت مليء بالغضب:
- أنتِ مخادعة كبيرة... أعلم حقيقتكِ المخفية التي أخذتِ بها عقل الملك وحنان السلطانة.
التصقت شهرزاد بالحائط خلفها، وشعرت بالخوف يتسلل إليها، اقتربت آيلين أكثر، وضغطت بإصبعها على كتفها:
- هيا... أخبريني.
نظرت إليها شهرزاد بقلق، وألفةسؤال يدور بعقهلت، هل علمت بحقيقتها؟ هل اكتشفت أنها أميرة؟ وأنها تستطيع الحديث؟ هل علمت انها جاءت لمهمة واحدة وهي قتل الملك والعودة بعدها مباشرة؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أشارت بيديها أنها لا تستطيع الكلام، رفعت آيلين حاجبها بشك، ثم ابتعدت عنها وهي تزفر بضيق.
تنفست شهرزاد براحة عندما أدركت أنها لم تعرف الحقيقة كاملة، فتوجهت نحو المكتب، وأمسكت الريشة، ثم كتبت بهدوء:
- لا أعلم عن ماذا تتحدثين.
ضحكت آيلين بسخرية حقيقية، ويكاد عقلها يجن:
- أرجوكِ يا سينثيا... لا تفعلي هذا.
نظرت إليها شهرزاد، ثم كتبت:
- أولًا: اسمي شهرزاد، وقد أطلقه مولاي عليّ لأنه يليق بي. ثانيًا انني حقًا لا أعلم بماذا تتهمينني.
طقطقت آيلين أصابعها، ثم اقتربت منها ووضعت يدها على كتفها تضغط عليه مرةً أخرى:
- اتركي حركات الفتاة الضعيفة والمسكينة جانبًا... أنتِ مشعوذة وساحرة، لقد سحرتِ عقل مولاي، أعلم أن خلفكِ أحدًا أرسلكِ، لكنني لا أعلم من هو... وسوف أكتشف ذلك قريبًا.
حافظت شهرزاد على هدوئها، ثم كتبت لها بذات الهدوء:
- لم يرسلني أحد إلى هنا... لكن أخبريني، لماذا أنتِ غاضبة إلى هذه الدرجة؟
ابتعدت آيلين قليلًا، وأخذت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهي تفكر كيف استطاعت هذه الفتاة أن تأخذ مكانًا قريبًا من الملك بهذه السرعة، ثم التفتت إليها متجاهلة سؤالها:
- كيف قدمتِ إلى هنا؟
كتبت شهرزاد بعد لحظة تفكير:
- لقد أرسلني عمي إلى السلطانة إليزابيث.
تابعت آيلين باستغراب:
- ولماذا أرسلكِ عمكِ؟
ترددت شهرزاد، فهي تعلم أن أي خطأ صغير قد يفتح باب الشك، ثم كتبت:
- إنه يعرف السلطانة منذ زمن بعيد، وقد أرسلني لأقوم بخدمتها.
ازدادت نظرات آيلين شكًا وهي تتقدم منها:
- ولماذا اختارتكِ للملك؟ لقد سمعت من الجواري وكل من في القصر أن السلطانة هي من اقترحتكِ عليه، وأنه وافق بسرعة كبيرة.
أجابت شهرزاد بهدوء وقد علمت سبب غضبها وغيرتها:
- لم يحدث الأمر هكذا... لقد ذهبنا لرؤية الجارية التي سيختارها مولاي، لكنه اختارني أنا بدلًا منها، لم تكن السلطانة تريد ذلك، لكنها لم تستطع منعه.
اشتعل الغضب في عيني آيلين:
- وأنتِ وافقتِ بسرعة؟ إذًا أردتِ قضاء ليلة معه... أساسًا عملكِ هو هذا أيتها العاهرة.
توقفت شهرزاد للحظة، كانت الكلمة أقسى من أن تتحملها، ضربت يدها على سطح المكتب بغضب، ثم أخذت نفسًا عميقًا تحاول السيطرة على نفسها.
لو نطقت الآن...لو تركت غضبها يخرج...لانكشف كل شيء، تحمد الله في سرها انها أميرة واشتطاعت التدرب على ضبط النفس، نظرت إليها، ثم أشارت نحو الباب، أي أنها تطلب منها الخروج.
اقتربت آيلين منها، تحمل في عينيها خليطًا من الغضب والغيرة.ط، وضعت إصبعها على رأس شهرزاد، متحدثة بتحذير:
- ضعي هذا في عقلك الصغير والسميك... الملك لي أنا، ولن تستطيعي أخذه مني أيتها الصغيرة، ابتعدي عن طريقه ولا تقتربي منه... هل فهمتِ؟
ثم تركتها وغادرت بعد أن ألقت عليها نظرة حادة، بقيت شهرزاد واقفة للحظات، ثم جلست ببطء وهي تحاول منع دموعها من السقوط.
لم تكن الكلمة تؤلمها لأنها صدرت من آيلين فقط...بل لأنها أصابت مكانًا حساسًا داخلها.....دخلت كادي بعد خروج آيلين مباشرة، وكانت ملامح الخوف واضحة عليها.
- ما الذي حدث؟ هل علمت بكل شيء؟
لم تجبها شهرزاد، بل اندفعت نحوها واحتضنتها بضعف، ثم انفجرت دموعها:
- أنا لست كذلك...
ربتت كادي على شعرها محاولة تهدئتها:
- اهدئي يا مولاتي... لا تبكي.
ابتعدت عنها شهرزاد ومسحت دموعها:
- هل أنا كذلك، كادي؟
نظرت إليها كادي باستغراب:
- أنتِ ماذا، مولاتي؟
خفضت شهرزاد عينيها بحزن.
- هل أنا عاهرة؟
شهقت كادي بقوة، ثم وضعت يدها على فمها قبل أن تتحدث بغضب:
- ماذا تقولين يا مولاتي؟ أنتِ أطهر فتاة على وجه الأرض... انتِ أميرة أشرف السلالات الملكية، كيف سمحتِ لنفسكِ أن تقولي هذا؟
نظرت إليها شهرزاد بألم بينما تتذكر كبملت آيلين:
- آيلين محقة يا كادي... لقد تعلقت بالملك وأنا مخطوبة لشخص آخر، ألا تعد هذه خيانة بحقي وبحق إيدورد؟
أخذت كادي نفسًا عميقًا، ثم نظرت إليها بحنان:
- آيلين فتاة تعشق الملك، وقد رأيتِ تصرفاتها الهوجاء عندما تكون أمامه... ثم إنكِ يا مولاتي لستِ كذلك، إنها مشاعر عابرة، لأنكِ وجدته مختلفًا عن إيدورد، أليس كذلك؟
تنهدت شهرزاد بقلة حيلة:
- أرجو ذلك يا كادي... لأنني إن غرقت به أكثر، فلن أستطيع النجاة أبدًا.
انحنت كادي احترامًا:
- حسنًا، مولاتي... أستأذنكِ، يجب أن ترتاحي.
خرجت كادي، وتركت شهرزاد وحدها مع صراعها الذي أصبح أكبر من قدرتها على الاحتمال.
_______***
بعد مدة طويلة، استيقظت شهرزاد من نومها، وبقيت للحظات تنظر إلى سقف الغرفة بشرود، كانت كلمات آيلين ما زالت تتردد في ذهنها...الملك لي أنا...
وذلك الاتهام القاسي الذي جعلها تشعر بأنها مذنبة رغم أنها لم تختر ما يحدث داخل قلبها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم نهضت من مكانها وخرجت من الغرفة.
كان القصر مختلفًا عن المعتاد، فالحرس منتشرون في كل مكان، وخطواتهم تحمل جدية وصرامة جعلتها تتساءل عما يحدث.
تقدمت نحو أحد الحراس، فأخبرها بأن السلطانة إليزابيث موجودة في باحة القصر عند الملك.
بحثت بعينيها عن كادي، لكنها لم تجدها، فاضطرت إلى النزول إلى الأسفل، وما إن وصلت حتى توقفت خطواتها، كانت هناك مجموعة كبيرة من الناس مجتمعين في ساحة القصر، وجميع الأنظار متجهة نحو الملك شهريار.
كان يجلس على كرسيه الملكي بهيبة واضحة، وملامحه تحمل جدية لم ترها فيه من قبل، وقفت تراقبه بصمت.
ذلك الرجل الذي كان قبل ساعات يضحك معها وسط الغابة، ويطاردها بين الأشجار كطفل، أصبح الآن الملك الذي يحمل مسؤولية مملكة كاملة، استمعت إلى صوته وهو يخاطب شعبه:
- يا أبناء شعبي العظيم... لقد توليت الحكم وأنا ابن الخامسة عشرة، جئت بالحب لعائلتي، وجئت بالبركة والسلام لشعبي، مهمتي كانت وما زالت البحث عن الأمن والسلام، وأن أحافظ عليكم وأحميكم من غدر الملوك والأعداء.
ساد الصمت بين الجميع، بينما تابع شهريار بصوت حازم:
- اليوم تبين أن هناك خائنًا بيننا... فإن أخطأت في حقه فأخبروني، وإن لم أخطئ فجاروني في حكمي. بصفتي الملك شهريار ابن الملك روبرت، حاكم مملكة آستورياس، أحكم بإعدام الخائن بيننا حتى يكون عبرة لغيره.
شعرت شهرزاد بقشعريرة تسري في جسدها، ثم وقعت عيناها على منصة الإعدام في منتصف القصر.
كانت السلطانة إليزابيث قد لاحظت وجودها، فأشارت إليها بالتقدم، تحركت شهرزاد بخطوات مترددة، والخوف يتزايد داخلها مع كل خطوة.
جلست بجانب السلطانة بعد أن انحنت لها احترامًا، لكن عينيها بقيتا معلقتين بذلك الرجل الذي يقف أمام الجميع، سألتها بإشارات قلقة، ففهمت إليزابيث ما تريد معرفته، تنهدت السلطانة بحزن وأجابتها:
- لقد علم الملك بوجود خائن داخل قصره، وقد حكم عليه بالإعدام... إن مصير كل خائن هو الإعدام.
ثم أضافت بصوت يحمل عدم ارتياح:
- لكنني لا أحبذ هذه الطريقة.
نظرت شهرزاد إلى الرجل الذي كان يقف أمام النهاية المحتومة، رأت الحبل يُجهز، وشعرت بأن أنفاسها تضيق، لم تكن تخاف على الرجل فقط...بل رأت نفسها مكانه.
تخيلت اللحظة التي قد يُكشف فيها أمرها، لحظة يعلم فيها شهريار أنها لم تكن الفتاة البريئة التي ظنها، ماذا سيكون مصيرها؟ هل ستكون نهايتها مثل هذا الرجل؟
نعم...هي تعرف جيدًا عقوبة الخيانة، لطالما سمعت عن إعدام الخونة في قصرها، لكنها لم ترَ الأمر أمام عينيها من قبل.
كانت الكلمات شيئًا...ورؤية الحقيقة شيئًا آخر، بدأت أنفاسها تتسارع، وشعرت بالخوف يسيطر عليها.
وفجأة، صرخت بصوت مرتفع دون أن تشعر، وهي تضع يدها حول رقبتها، ودموعها تنهمر بغزارة، لقد رأت نفسها مكانه.
رأت النهاية التي تخشاها، انتبه شهريار إليها فورًا، توقف عن حديثه، ونهض بسرعة من مكانه، متجاهلًا نظرات الجميع، ثم اتجه نحوها بقلق، كان وجهه يحمل خوفًا حقيقيًا عليها، اقترب منها متسائلًا:
- ماذا هناك؟
رفعت شهرزاد عينيها إليه....لكنها لم ترَ الملك في تلك اللحظة...رأت الرجل الذي احتواها بالأمس، وضحك معها، ومنحها شعورًا بالأمان.
وهذا جعل خوفها أكبر، تراجعت عنه دون إرادة منها، ثم التصقت بالسلطانة إليزابيث، وكأنها تبحث عن مكان يحميها من نفسها قبل أي شيء.
توقف شهريار مكانه، ظهرت الحيرة والحزن على ملامحه، لم يفهم لماذا ابتعدت عنه بهذه الطريقة.ط، فمنذ أن عرفها، كانت تبحث عن قربه...
أما الآن، فقد أصبحت تخشاه....نظر إليها طويلًا، يحاول فهم ما الذي حدث، وما الذي جعل تلك النظرة المرعوبة تظهر في عينيها.
ولأول مرة...شعر أن هناك شيئًا تخفيه عنه.....شيئًا أكبر من صمتها...وأكبر من مجرد خوف عابر.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.