حين انطفأت ممالك القلب
_______***
بتر داني حديثه فجأة، وبقي يحدق في الشخص الواقف عند الباب بعينين اتسعتا من هول الصدمة، وكأن عقله يرفض أن يصدق ما تراه عيناه، تحركت شفتاه بصعوبة، ولم يخرج صوته إلا متلعثمًا:
- كيف... كيف هذا؟
تقدم صوميل بخطوات هادئة، لكن الغضب كان واضحًا في نبرة صوته، وكأن خمس سنوات كاملة من الانتظار كانت تختبئ خلف كل كلمة ينطق بها:
- كيف ماذا؟ هل أنت مستغرب لوجودي على قيد الحياة؟ أم أنك متعجب من أنني أقف أمامك الآن؟
انعقد لسان داني تمامًا، لم يجد إجابة واحدة يستطيع أن يخرجها من بين شفتيه اقترب صوميل خطوة أخرى، فتراجع داني إلى الخلف بصورة تلقائية، وقد ظهر الخوف على ملامحه رغم محاولاته اليائسة لإخفائه.
رفع يده في وجهه، يأمره بالتوقف:
- توقف عندك... لا تتقدم.
توقف صوميل بالفعل، أما إدوارد، فقد كان يتابع المشهد بأكمله من مكانه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستمتعة، خاصة وهو يرى الخوف الذي عجز داني عن إخفائه.
جلس بهدوء، ووضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، مستمتعًا بالمشهد وكأنه ينتظر لحظة انهيار الرجل الذي طالما ظن أنه أقوى من الجميع.
رفع صوميل يده نحو وجهه، ثم أبعد القطعة التي كانت تغطي عينه اليمنى، وما إن وقعت عينا داني عليها حتى أشاح بوجهه بسرعة، وكأن مجرد النظر إليها يعيد إليه ذكرى حاول دفنها طويلًا.
لم يكتفِ صوميل بذلك، أمسك بالرداء الذي يغطي صدره، ثم نزعه ببطء، كاشفًا عن آثار ما حدث له.
كان الغضب في عينيه أشبه بنار ظلت مشتعلة لسنوات، تنتظر لحظة واحدة فقط لتلتهم كل شيء، رفع يده المبتورة أمام داني، وخاطبه بمرارة ممزوجة بغضب مكبوت:
- انظر يا داني... انظر إلى ما فعلته بي، انظر إلى إنجازك العظيم.
توقفت عيناه عند يده المبتورة، ثم رفعها أمامه أكثر، وكأنه يريد أن يجبره على مواجهة جريمته:
- هل ترى هذه اليد؟ اليد التي قطعتها وجعلت الدماء تتدفق منها، ولم تلتفت إليّ، ولم يرف لك جفن حتى وأنا أنزف أمامك؟ ورغم ذلك كله، لم تكتفِ... وضعت سيفك الساخن في عيني حتى لا أستطيع الرؤية وأفقد بصري.
ارتجفت شفتاه للحظة، ثم خرج صوته أكثر هدوءًا، لكن هدوءه كان أخطر من الصراخ:
- أتدري؟ أنا لا ألومك يا داني... بل ألوم إخلاصي لك. ذلك الإخلاص الذي جعلني أضع حياتي بين يديك دون أن أتخيل أنك ستكون أنت من ينهيها.
ثم أشار بعينيه نحو إدوارد:
- وفي الحقيقة، الفضل يعود للأمير إدوارد. لولا أنه أسعفني في ذلك الوقت، لما رأيتني أقف على قدمي أمامك الآن.
ابتلع داني ريقه بصعوبة، وقد بدأت ملامحه تفقد تماسكها شيئًا فشيئًا، كان ظهور صوميل حيًا أخطر مما يمكن أن يتخيله.
فهذا الرجل هو نفسه الذي قتل الملك آلبرت، والد شهريار، والملك فرانك والد شهرزاد، بالسيف ذاته والطريقة ذاتها؛ طعنة غادرة من الخلف اخترقت القلب وأنهت حياتهما في لحظة واحدة.
وعاد إلى ذاكرة داني ذلك اليوم الذي أمر فيه صوميل بقتل فرانك بعد عودته من مملكة آستورياس، كان قد نصحه بألا يصطحب معه حراسًا حتى لا يظن شهريار أنه يريد إشعال حرب بين المملكتين.
وقد صدقه فرانك.....خرج دون أن يعلم أن مؤامرة كاملة كانت تُحاك خلف ظهره، أفاق داني من شروده على صوت إدوارد، الذي كان يتحدث إلى صوميل.
اعتدل إدوارد في جلسته، ثم تقدم نحو ذلك الحارس ضخم الجثة، صاحب الملامح القاسية والمظهر الذي كان كفيلًا بإثارة الرعب في قلب أي شخص.
لكن تلك القوة التي اشتهر بها صوميل لم تعد كما كانت، فقد سلبه داني جزءًا منها في ذلك اليوم، وترك جسده يحمل آثار فعلته إلى الأبد.
وقف إدوارد أمامه، وعلى شفتيه ابتسامة لعوب، ثم خاطبه بفضول:
- أخبرني يا صوميل... ما الذي تفكر في فعله الآن؟
ظل صوميل صامتًا للحظات، وكأنه يستعيد السنوات الخمس كلها في لحظة واحدة.
ثم رفع عينيه نحو داني، وكانت الكراهية فيهما صريحة لا تحتاج إلى تفسير:
- بالطبع سأنتقم من داني. هذا كل ما أريده.
توقفت أنفاسه لحظة، ثم أكمل:
- أردت ذلك منذ خمس سنوات. تركت حياتي كلها خلفي، وجعلت الجميع يعتقدون أنني ميت، فقط من أجل هذه اللحظة... اللحظة التي أقف فيها أمامه وأجعله يدفع ثمن ما فعله بي.
ازدادت ابتسامة إدوارد اتساعًا، بينما كانت عيناه تراقبان بؤبؤي داني المرتجفين.
ثم أشار بيده نحو داني:
- إذًا، ما رأيك أن ترد له ما فعله بك؟ لا تخف، لا يوجد حراس في الخارج. لقد صرفتهم.
خرجت من صوميل ضحكة قصيرة، تحمل عجزًا خفيًا لم يستطع إدوارد تجاهله.
ثم أجابه ببرود:
- لا... سأترك ذلك للملك شهريار.
رفع داني رأسه بسرعة، وقد اتسعت عيناه خوفًا:
- ماذا تقصد؟
ثبت صوميل نظره عليه:
- شهريار يعلم أن داني يقف خلف موت والده.
انطلقت الكلمات من داني بصدمة حقيقية:
- كيف ذلك؟ أنت تكذب! لا يمكنك أن تقول له!
ارتسمت على وجه صوميل ابتسامة هادئة، لكنها كانت كافية لإثارة رعبه:
- وهل تعتقد أنني بقيت حيًا حتى الآن دون أن أخبره؟ كان عليّ أن أضمن نفسي أولًا.
اقترب خطوة، ثم أردف بثقة:
- أرسلت إليه صباح اليوم مرسالًا أخبره بكل شيء.
هز داني رأسه بعنف، غير قادر على تصديق ما يسمعه:
- هل أنت غبي؟ هل تعلم ماذا فعلت بهذه الفعلة؟
اقترب صوميل منه حتى أصبح أمامه مباشرة، حاول داني أن يبتعد، لكن صوميل أمسك بعنقه بقبضة قوية، فتغيرت ملامحه على الفور، بينما خرج صوت صوميل غاضبًا، يحمل تهديدًا واضحًا:
- اسمعني يا داني... من الأفضل لك أن تحترم نفسك، أنت لست ندًا لي.
اشتدت قبضته للحظة، ثم أكمل:
- لكن إن كنت تعتبر نفسك كذلك... فسأريك الآن ما الذي يمكنني فعله بك.
ما إن أنهى جملته حتى دفعه أرضًا بكل قوته، سقط داني ثم حاول النهوض سريعًا، إلا أن صوميل انقض عليه وانهال عليه بعدة لكمات متتالية، كانت كل ضربة تحمل خلفها سنة من الألم، كل لحظة قضاها صوميل وحيدًا.
كل ليلة عاشها وهو يختبئ عن الجميع، كل مرة نظر فيها إلى يده المبتورة وعينه المصابة، خرج كل ذلك دفعة واحدة، لم يعد صوميل في تلك اللحظة مجرد رجل يريد الانتقام...
بل أصبح صورةً حية لغضبٍ ظل حبيسًا داخله خمس سنوات كاملة، تقدم إدوارد نحوه، ورفع صوته محذرًا:
- اتركه يا صوميل! سوف تقتله بين يديك.
ثم أضاف بسرعة:
- لا نريد أن تنتهي حياته الآن، فنحن ما زلنا نحتاج إليه.
توقف صوميل بصعوبة، كان صدره يعلو ويهبط من شدة الانفعال، بينما كانت يده السليمة تؤلمه من شدة المجهود الذي بذله.
ابتعد عنه أخيرًا، ظل داني ملقى على الأرض، والدماء تسيل من فمه، بينما كان تاجه قد سقط بعيدًا عنه.
نظر إليه صوميل للمرة الأخيرة، ثم استدار، توجه إدوارد نحو الباب، ولحق به صوميل، قبل أن يغلق إدوارد الباب خلفهما.
وبقي داني وحده، يحاول أن يستعيد توازنه، يحاول أن يقف، لكن للمرة الأولى منذ سنوات...كان يشعر أن الأرض نفسها لم تعد آمنة تحت قدميه.
__________**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!