قبول الاعتراف
_______***
مسحت شهرزاد دموعها ببطء، محاولةً أن تستعيد قدرتها على التفكير، لكن الكلمات التي سمعتها منه كانت أكبر من أن تمرّ عليها بسهولة.
كيف لها أن تجيب؟ كيف لها أن تخبره أن قلبها الذي حاولت كثيرًا أن تمنعه من التعلق به، قد اختاره منذ وقتٍ طويل؟ أن تخبره أن خوفها لم يكن من حبه...بل من أنها لا تستحقه.
أمسكت الريشة بأصابع مرتجفة، ثم كتبت له:
- لا أعلم يا مولاي ما الذي عليّ قوله... لقد فاجأتني، أنا مجرد جارية من جواريك التي جاءت إلى هنا! فكيف لملك البلاد ان يحب جاريته لا يعلم عنها شيء.
ثم صمتت قليلًا تخرج بعض ما في صدرها تختبر مشاعره:
- لا يعلم هل تكن له الشر ام الخير، هل تليق بحبه ام لا؟
قرأ كلماتها بصمت، ثم رفع عينيه إليها، وكأن ما كتبته لم يغيّر شيئًا من يقينه بها، لم يرَ فيها يومًا جارية، ولم يشعر نحوها يومًا بأنها أقل من أي امرأة أخرى.
ابتسم لها بحنان، ثم اقترب خطوة، وأجابها بصوتٍ هادئ:
- أنتِ لستِ جارية يا شهرزاد... أنتِ ملكة من ياقوت وماس، أنتِ العطر الذي بقي أثره في روحي قبل المكان، يا حبيبتي، عيناي لم تعرفا الراحة منذ عرفتكِ، وفي قربك أمان ودفء وحنان لم أجدهما في أي مكان آخر.
توقفت أنفاسها وهي تستمع إليه.
كان يتحدث عنها وكأنه يراها بطريقة مختلفة تمامًا عن نظرة العالم إليها، لم يكن يرى ماضيها...بل يرى شخصها.
تابع وهو يثبت نظره عليها:
- سحركِ يا سيدتي ليس جمالًا فقط... بل شيء لا تستطيع الكلمات وصفه. هناك أشياء فيكِ لا يفهمها أحد، لأنكِ ببساطة مختلفة. هذه الكلمات لكِ وحدكِ يا ملكة الحب.
لم تستطع شهرزاد الصمود أكثر، لم تعد قادرة على الاختباء خلف الخوف أو الصمت، تقدمت نحوه ثم ارتمت بين ذراعيه، وللمرة الأولى، لم تفكر في العواقب.
لم تفكر في الماضي، لم تفكر إلا في تلك اللحظة، كانت سعيدة باعترافه، ولن تكذب على نفسها أكثر، فلو قالت إنها لا تحبه، لكانت تكذب على قلبها قبل أن تكذب عليه.
أحاطها شهريار بذراعيه بحنان، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن، ثم ابتعد عنها قليلًا، ومسح دموعها بأطراف أصابعه، وهو يبتسم برفق:
- حسنًا... لماذا البكاء الآن؟
خفضت رأسها بخجل، عاجزة عن النظر إليه، فابتسم وهو يكرر سؤاله:
- لم تجيبيني... لماذا تبكين؟
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم شعرت بحرارة الخجل تملأ وجهها حتى أصبح بلون الأثاث الأحمر المحيط بها، أمسكت الريشة، وكتبت له:
- لقد أعطيتني حبك يا مولاي... وهذا كثير عليّ.
نظر إلى كلماتها طويلًا، وكأنه يريد أن يمحو منها كل شعور بالنقص، ثم أخذ العقد بين يديه، واعتدل واقفًا.
اقترب منها بهدوء، ثم وضعه حول عنقها بنفسه، وكأن ذلك العقد لم يكن مجرد زينة، بل وعدٌ صامت منه لها.د، تحدث وهو ينظر إليها:
- ليس كثيرًا يا شهرزادي.
رفعت يدها تلمس العقد الذي استقر حول عنقها، وشعرت بثقله الجميل، لا بسبب أحجاره الكريمة، بل بسبب المعنى الذي يحمله، لقد اختارها، اختارها هي.
وبعد لحظات من الصمت، أمسك شهريار بيدها واتجه بها نحو السرير.
كان التعب قد بدأ يظهر على ملامحه بعد أيامٍ طويلة من الإرهاق، فأردف بهدوء:
- أشعر بالنعاس الآن... أريد أن أنام، هل تشاركينني النوم؟
شعرت شهرزاد براحة كبيرة عندما أدركت أنه لم يطلب منها شيئًا آخر، كان كل ما أراده قربها فقط، سارت معه بخطواتٍ هادئة، ثم استلقت بجانبه، إلا أن قلبها ظل يحمل بعض الخوف مما قد يأتي لاحقًا.
فهي تعلم أن السعادة أحيانًا تكون محاطة بالكثير من المخاطر، لكنها للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل...شعرت بالأمان الحقيقي.
________**
في صباح اليوم التالي، كانت شهرزاد تجلس أمام السلطانة إليزابيث، وقد أخبرتها بما حدث في الليلة الماضية، وباعتراف شهريار الذي قلب كل شيء داخلها.
ظلت إليزابيث صامتة لفترة طويلة، تستوعب ما سمعته، قبل أن تلتفت إلى جودي، ونظرة القلق واضحة في عينيها، ثم همست بجدية:
- علينا الإسراع بالأمر يا جودي... انه سريعٌ في مشاعره، صدقيني، شهريار سيتألم كثيرًا إن اكتشف الحقيقة، وأنا لا أريد أن أرى ملك البلاد في حالة من الضعف.
ثم عادت بنظرها إلى شهرزاد، وسألتها بتأكد ورجاء أمومي:
- هل حقًا تحبينه يا شهرزاد؟
خفضت شهرزاد عينيها بخجل، ثم أجابت بصدق:
- أجل... أيتها السلطانة، أقسم انني صادقة ولا انوي غدرًا.
ظهرت الراحة قليلًا على ملامح إليزابيث، وابتسمت بهدوء:
- حسنًا... هذا جيد للغاية، أتمنى منكِ أن تحافظي على حب شهريار يا شهرزاد، فقد أعطاكِ أغلى ما يملك.
رفعت شهرزاد نظرها إليها، وأجابتها بإخلاص:
- وأنا أيضًا أعطيته حبي يا سلطانة... لكن هناك مشكلة.
توقفت للحظة، ثم أكملت:
- أنا مخطوبة للملك إدوارد لا تنسي ذلك.
ساد الصمت للحظات بعد تذكيرها للسبطانة، كانت جملة واحدة كفيلة بأن تغيّر هدوء الغرفة إلى قلقٍ جديد.
نظرت إليها إليزابيث بثبات، لكنها لم تبدُ متفاجئة كما توقعت شهرزاد، بل كان في عينيها شيء من التفكير، وكأنها كانت تعلم أن هناك عقبةً ستقف في طريق هذا الحب، لكنها نسيت.
أما شهرزاد فبقيت تنظر إليها بقلق، تنتظر ردها، فهي تعرف جيدًا أن الأمر ليس بسيطًا، إدوارد لم يكن رجلًا يمكن تجاهله بسهولة، فهو ملك، وله نفوذ، والأهم من ذلك...أنه يظن أن شهرزاد أصبحت جزءًا من حياته.
قطعت إليزابيث الصمت بنبرة هادئة، وكأنها تحاول أن تجعل الأمر يبدو أسهل مما هو عليه:
- دعي ذلك جانبًا يا شهرزاد... يمكنكِ التخلص من هذه الخطبة، وشهريار يستطيع الوقوف في وجهه.
رفعت شهرزاد عينيها إليها، لكنها لم تستطع أن تشعر بالراحة الكاملة، فالأمر لم يكن مجرد خلاف بين رجلين.،،،كانت هناك ممالك، وتحالفات، وكرامة ملوك.
وفي تلك اللحظة، تدخلت كادي التي كانت تستمع إلى الحديث بصمت، بعد أن شعرت أن عليها توضيح ما تعرفه، اقتربت قليلًا، ثم تحدثت باحترام:
- هل تسمحن لي بتدخل بسيط؟
التفتت إليها جميع الأنظار، وكأنها تدعوها لإكمال حديثها، فأخذت نفسًا هادئًا، ثم تابعت:
- إن إدوارد رجل ذو عقلية صعبة للغاية، وهو متعلق بكل شيء يحمل اسم شهرزاد، إن وقف الملك شهريار في وجهه مباشرة، فلن يكون الأمر سهلًا على الإطلاق... ولن يتراجع إدوارد بسهولة.
هزت إليزابيث رأسها بنفي، وكأنها ترفض فكرة أن يكون هناك من يستطيع الوقوف أمام ملكها:
- لا... إنه يستطيع.
لم تكن كلماتها مجرد ثقة، بل كانت إيمانًا بقدرة شهريار على حماية ما يخصه، لكن قبل أن يستمر الحديث، قطع طرق الباب أفكار الجميع.
رفعت إليزابيث نظرها نحو الباب، ثم سمحت للطارق بالدخول، انفتح الباب، ودلف فيكتور بخطواتٍ هادئة، وهو ينحني باحترام شديد، مخفضًا رأسه أمام السلطانة، بعدها تحدث بأدب:
- لقد أحضرت لكِ ما طلبته مني جودي.
وبمجرد انتهائه من كلماته، تقدم خلفه أحد حراس القلعة، كان شابًا في مقتبل العمر، بشعرٍ أصفر وعينين خضراوين، يقف بثبات أمامهن، محاولًا إظهار الاحترام والهدوء.
نظرت إليه إليزابيث باستفهام، ثم وجهت سؤالها إلى جودي:
- من هذا؟
أجابت جودي وهي تنظر إليه:
- هذا هو الشخص الذي نحتاجه.
تأملت إليزابيث الشاب للحظات، تدرس ملامحه وكأنها تحاول التأكد من أنه مناسب للمهمة التي ستوكل إليه.
ثم أومأت برأسها، تخاطب لفيكتور:
- حسنًا... شكرًا لك يا فيكتور، يمكنك الخروج الآن.
ثم التفتت إلى الحارس، مشيرةً إليه بالبقاء، خرج فيكتور بعد أن انحنى احترامًا مرة أخرى، وأُغلق الباب خلفه، بدأت إليزابيث تشرح للشاب تفاصيل الأمر، بينما بقيت شهرزاد صامتة، تراقب ما يحدث بقلبٍ مليء بالقلق.
كان عليها أن تثق بمن حولها...لكنها كانت تعلم أن القادم لن يكون سهلًا، أنهت إليزابيث حديثها، فنظر الشاب إلى شهرزاد بتفحص، وكأنه يحاول فهم حجم المهمة التي سيُطلب منه القيام بها، ثم أومأ بالموافقة، متحدثًا بثقل:
- حسنًا أيتها السلطانة... لكن متى نبدأ؟
أجابته إليزابيث بنبرة حاسمة:
- في المساء!
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!