قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 3 من 6
وضع القراءة:

جناح الملك... وما تخفيه النظرات

أمسكت إليزابيث بيد سينثيا بعدما لاحظت نظرات الجواري المحيطة بها.ط، لم تكن تلك النظرات تحمل إعجابًا أو فضولًا فقط، بل كان فيها شيء من الغيرة والعداء، فالفتاة التي لم يعرفها أحد قبل ساعات أصبحت فجأة اختيار الملك أمام الجميع.
قادت السلطانة سينثيا بعيدًا عن المكرمة، بينما تبعتهما جودي بخطواتٍ هادئة وهي تراقب كل ما يحدث بعينٍ خبيرة.
وصلن إلى الغرفة التي أُعدت لها، والتي كانت بجانب جناح السلطانة مباشرة، فجلست إليزابيث بجوارها على السرير، وأمسكت يدها بحنان محاولةً تهدئتها، نظرت إليها بعطفٍ متحدثة:
- انظري يا سينثيا... أنا أعتذر حقًا.
هزت سينثيا رأسها بسرعة، ثم وضعت إصبعها على شفتي السلطانة، مشيرةً إليها ألا تعتذر، أدركت إليزابيث ما تريد قوله، فتنهدت وهي تنظر إليها بحزن.
كانت تشعر بأن هناك شيئًا سيئًا يقترب، شيئًا لا تستطيع منعه بسهولة، ابتسمت لها محاولةً طمأنتها، ثم احتضنتها بحب:
- إن إعجاب الملك بكِ أمر نادر جدًا يا سين، وهذا يعني أنه فضلكِ على جميع الموجودات هنا، والأغرب أنه لم يطلب غرفة الجواري كما يفعل عادة، بل طلب جناحه الخاص... وهذا لم يحدث من قبل.
سكتت قليلًا، ثم أكملت بقلق:
- أعلم أنني لا أريد لكِ هذا الطريق، لكن إن رفضتِ أمر الملك فقد يكون الأمر أصعب. فقط... احذري غضبه يا سين، سأحاول الحديث معه، ربما يفهم الأمر.
بقيت سينثيا تنظر إليها بحزن، لم تكن تريد أن تكون سببًا في مشكلة للسلطانة التي احتضنتها منذ دخولها القصر.
حاولت التعبير عن امتنانها، لكن الكلمات لم تخرج منها، فدخلت جودي وهي تحمل ورقة وريشة، ابتسمت لها سينثيا شاكرة، ثم بدأت تكتب.
ناولتها الورقة لإليزابيث، قرأت السلطانة كلماتها، فظهر التأثر على وجهها:
"لا عليكِ يا سلطانة... لقد آويتِني إلى هنا، ووضعتِني تحت حمايتكِ، والآن سأحاول رد هذا الجميل."
ابتسمت إليزابيث بحنان، ثم وضعت يدها فوق رأسها وهي تتمتم ببعض الأدعية التي اعتادت قولها لحفظ من تحب، كانت ترى أمامها فتاةً صغيرة دخلت حياتها فجأة، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في قلبها.
______****
أخذت سينثيا نفسًا عميقًا وهي تقف أمام جناح الملك، كانت قد وصلت إلى اللحظة التي لم تعد تستطيع الهروب منها.
وقفت رانسيا بجانبها، وعلى الرغم من قلقها، إلا أنها ابتسمت لها بحنان وشجعتها بإيماءةٍ هادئة، كانت رانسيا قد خدمت القصر سنواتٍ طويلة، ورأت الكثير من الوجوه تدخل وتخرج من هذا المكان، لكنها شعرت بشيءٍ مختلف تجاه سينثيا.
ربما لأنها لم ترَ في عينيها طمعًا أو رغبةً في المكانة.ط، بل رأت خوفًا وارتباكًا فقط
فُتح باب الجناح.....ترددت سينثيا لحظة، ثم خطت أولى خطواتها إلى الداخل.
توقفت وهي تنظر حولها بانبهارٍ كامل، كان جناح الملك واسعًا بشكلٍ يفوق توقعاتها، مطليًا بدرجات الأزرق الداكن، تتخلله خطوط ذهبية تزيد المكان فخامة.
انسدلت الستائر الحريرية من النوافذ العالية، بينما انتشرت في الزوايا أماكن للجلوس مزينة بوسائد كبيرة ناعمة.
أما الجدران فكانت شاهقة الارتفاع، زينتها رسومات مختلفة للطيور والحيوانات والمناظر الطبيعية، تتداخل معها ألوان براقة وزخارف دقيقة، كان أبرزها زخرفة الأرابيسك التي منحت المكان طابعًا ملكيًا ساحرًا.
تقدمت أكثر وهي تتأمل اللوحات المعلقة....بدا واضحًا أن من رسمها لم يضع مجرد ألوان على القماش، بل وضع جزءًا من روحه، وكأنه أراد لكل لوحة أن تحمل قصةً خاصة بها.
اتجهت نحو المكتب الموجود في زاوية الجناح، فتوقفت أمام تمثالٍ يجسد الملك شهريار، نظرت إلى تفاصيله بدهشة....كان التمثال قريب الشبه به لدرجة جعلتها تشعر للحظة وكأنه يقف أمامها، مما زاد توترها.
انتقلت عيناها نحو السرير الكبير ذي اللون الذهبي الذي جذب انتباهها، ثم إلى الشموع المنتشرة في المكان والتي جعلت الجو أكثر هدوءًا وغموضًا.
ابتسمت بتوتر...لم تكن تعرف ماذا ينتظرها في هذه الليلة، وبينما كانت تضع يدها على معدتها الصغيرة وهي تنظر إلى طاولة الطعام، سمعت صوته خلفها.
تجمدت للحظة...خفضت رأسها بخضوع واحترام كما أوصتها رانسيا، اقترب شهريار منها، ثم رفع ذقنها برفقٍ يجبرها على النظر إليه، أخذ نفسًا عميقًا عندما رأى ملامحها عن قرب.
ثم ابتسم وأشار إلى طاولة الطعام، داعيًا إياها لمشاركته، جلست سينثيا أمام طاولة الطعام بتوترٍ واضح، بينما أخذت الملعقة بين أصابعها المرتجفة وبدأت بتناول الحساء بهدوء.
أما شهريار...فلم يكن منشغلًا بطعامه بقدر انشغاله بها، كان يراقب كل حركة تصدر منها، وكأنه يحاول اكتشاف لغزٍ لا يعرف له تفسيرًا.
كانت طريقتها مختلفة، لم تكن تشبه الجواري اللواتي اعتاد رؤيتهن، أولئك اللواتي يحاولن لفت الأنظار بحركاتٍ مقصودة وكلماتٍ محسوبة.
أما هي....فكانت هادئة بشكلٍ غريب، تجلس باستقامةٍ كالأميرات، لا تحني ظهرها، ولا تقترب بوجهها من الطعام، بل ترفع الملعقة إليها بكل رقيٍ واعتدال.
تساءل في داخله:
"من أنتِ يا سينثيا؟"
"هل أنتِ حقًا جارية... أم أن هناك قصةً أخرى خلف وجودك هنا؟"
ظل يتأمل تفاصيلها التي بدأت تجذبه دون أن يشعر.ط،زتوقفت عيناه عند وجنتيها، حيث انتشرت بعض النقاط البنية الصغيرة بخفة، ذلك النمش الذي زاد ملامحها براءةً وجمالًا.
ابتسم دون قصد، كان جمالها مختلفًا، ليس جمالًا صاخبًا يجذب الأنظار للحظة، بل جمالٌ هادئ يجعل الشخص يرغب في النظر إليه أكثر.
رفعت سينثيا عينيها نحوه، ولاحظت أنه لم يلمس طعامه منذ جلوسهما،وتوقفت عن الأكل، ووضعت الملعقة جانبًا، ثم نظرت إليه باستفهام.
ابتسم شهريار وسألها بهدوء:
- هل شبعتِ؟
ابتسمت له امتنانًا، ثم أومأت بالموافقة، نهض شهريار من مكانه، وأعاد الكرسي إلى الخلف، ثم تقدم نحوها، أمسك يدها المرتجفة، شعر بارتباكها فورًا، لكنه لم يعلق عليه.
قادها نحو الشرفة الكبيرة المطلة على المملكة، وما إن وقفت هناك...حتى توقفت أنفاسها من شدة الانبهار، كانت المملكة تبدو مختلفة من هذا الارتفاع.
الأضواء المنتشرة في كل مكان، والمباني الممتدة، والهدوء الذي يحيط بالقصر...كل ذلك جعلها تشعر وكأنها تنظر إلى لوحةٍ حية، وقف شهريار خلفها، وأحاطها بذراعيه.
كان يشعر بارتجافها بين يديه، بل إنه ازداد أكثر، لكنه لم يرَ في خوفها رفضًا، بل رأى فتاةً ضائعة لا تعرف ما ينتظرها.ط، أخذ نفسًا عميقًا من هواء الليل، ثم وضع ذقنه فوق رأسها وأغمض عينيه بهدوء.
ولأول مرة منذ وقتٍ طويل...شعر بالراحة، تحدث بصوتٍ منخفض، وكأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف لها:
- أتعلمين يا سينثيا... أنني نادرًا ما أختار جارية؟
بقيت صامتة تستمع إليه، تابع وهو ينظر إلى أضواء المملكة أمامه:
- لا أعلم لماذا انجذبت إليكِ... هل بسبب جمالكِ الذي لا يشبه أحدًا، أم بسبب عينيكِ اللتين تحملان نظرةً غريبة وكأن خلفهما حكاية طويلة.
توقف للحظة، ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة:
- هل أخبركِ بسرٍ لا يعرفه أحد سوى دانيال؟
رفعت رأسها قليلًا، وكأنها تنتظر ما سيقوله، أكمل عندما شعر بإيماءتها:
- كل الجواري اللواتي يأتين إلى هنا... لم أقترب من أي واحدةٍ منهن، كنت أرسلهم فورًا بعد أن أتأكد من خلو الطريق، وأن السلطانة لا تراقبني.
تفاجأت سينثيا....لم تعرف لماذا شعرت بشيءٍ مختلف بعد سماعها ذلك؟! ربما لأنها علمت أنه شاركها سرًا لا يعرفه إلا شخصٌ واحد، أو ربما لأنها اكتشفت أن الملك الذي ظنته مختلفًا عن الجميع...كان أكثر تعقيدًا مما توقعت!
أدار شهريار جسدها بهدوء حتى أصبحت أمامه، والتقت عيناها بعينيه الخضراوين، ثم سألها:
- أخبريني عن نفسك.
أخذت سينثيا نفسًا عميقًا، ابتسمت له ابتسامةً صغيرة، ثم أمسكت يده وقادته نحو الطاولة، جلست على كرسيه الملكي، وأخذت الريشة.
بدأت تخط الكلمات على الورق ببطء.ط، وقف شهريار يراقبها بصمت، ومع كل كلمة يقرأها...كانت ملامحه تتغير.  .حتى توقف للحظة.
هل هي حقًا لا تستطيع الحديث؟ هل كانت صامتة طوال الوقت لأنها لا تملك صوتًا؟
تابع قراءة ما كتبته، ومع كل سطر كان يشعر بثقلٍ أكبر في قلبه، قرأ عن الألم الذي عاشته، وعن المعاناة التي أخفتها خلف صمتها، رفع عينيه إليها، كانت تبتسم رغم كل شيء.
وهنا...
رأى في عينيه للمرة الأولى شعورًا لم يعتد ظهوره، الأسف......الأسف على فتاةٍ حملت أكثر مما ينبغي لعمرها.ط، وقفت سينثيا ببطء، ثم اقتربت منه.
نظرت داخل عينيه وكأنها تريد إخباره بشيءٍ لا تستطيع الكلمات وصفه، وقبل أن تفعل...بدأ العالم من حولها بالدوران، شعر شهريار بجسدها يضعف أمامه، وفي اللحظة التالية...سقطت بين ذراعيه فاقدةً للوعي.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.