قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 18 من 20
وضع القراءة:

اعترافٌ أمام الملك

_______***
تجمدت كادي خلف الباب، واتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بسعادة لم تستطع السيطرة عليها.
هل حقًا ما سمعته؟ هل حقًا يحبها كما تحبه؟ نعم...إنه يحبها، بل يعشقها، وها هو يعترف بذلك بنفسه، استعادت أنفاسها بصعوبة، بينما تابع دانيال حديثه، وقد غلب الحزن صوته:
- أحبها كثيرًا يا مولاي، ولكن ماذا عن عائلتي؟ هل سيتقبلون هذا الحب؟ وخاصة إن علموا بأنها خادمة؟ لكنني أحبها وأريدها شهريار، ولا يهمني أحد، أنا لا أنظر إليها على أنها خادمة، ولا أنظر إلى نفسي على أنني وزير.
تنهد بقوة كبيرة من تلك القيود التي تقيدهم بلا رحمة، حانقًا على الأعراف والتقاليد التي تتحكم بهم:
- مولاي، أنت تعلم أن هذه المراتب لا تهمني، ما يهمني هو القلب الذي دق لصاحبته.
كان شهريار يستمع إليه بسعادة، فقد كان يرى أمامه صديق دربه وهو يعيش المشاعر ذاتها التي عاشها هو يومًا مع شهرزاد.
ابتسم ابتسامة صادقة، ثم وضع يده على كتف دانيال مشجعًا إياه، وكأنه يمنحه القوة التي يحتاجها:
- لا تستغنِ عنها، ولا تتخلَّ عن حبك بسبب أحد.
ابتسمت كادي بسعادة كبيرة، شعرت وكأن قلبها لم يعد يتسع لكل ذلك الفرح، وأن دقاته ستتوقف من فرط سعادتها.
تراجعت إلى الخلف، ثم أسرعت نحو غرفتها، أغلقت الباب خلفها بسعادة غامرة، حتى إنها نسيت أمر السلطانة الأم تمامًا.
لكن سرعان ما تذكرت الحقيقة التي تحاول الهرب منها، هي جاسوسة، وهي تخدعهم، والرجل الذي يحبها لا يعرف كل حقيقتها.
غامت عيناها بالحزن، وسرعان ما انطفأت ابتسامتها، وقد شعرت بشعور الأميرة شهرزاد، فاقت من شرودها على دمعة حارة خانتها، وانحدرت على وجنتها.
مسحتها بحزن وسخرية من حالها، ثم عادت لإكمال سقي الزهور، لكنها لم تكن منتبهة بما يكفي، فقد كاد أحد الأصص أن يسقط على قدمها، لولا أنها وجدت نفسها فجأة محاصرة بين ذراعي شخص وقف أمامها وحال دون سقوطه عليها.
رفعت عينيها بخجل، ثم تساءلت:
- ما الأمر؟
جاءها صوته القلق:
- هل تأذيتِ؟
نظرت إليه باستغراب، لتجده ينظر إليها بحب دفين، حب لم تعرف ما الذي عليها أن تفعله أمامه، ولا ماذا تقول، خفضت رأسها بخجل، إلا أن دانيال رفع يده أسفل ذقنها برفق، محاولًا أن يجعلها تنظر إليه.
تلاقت عيناهما، وكانت نظراته هذه المرة أكثر وضوحًا من أي اعتراف، ثم خاطبها بنبرة عميقة، وكأنه يريد أن يترك كلماته داخل قلبها:
- رأسك يجب أن يكون دائمًا مرفوعًا، مهما حدث، لا تجعليه ينحني أبدًا.
نظرت إليه كادي بخجل شديد، ثم أفلتت من بين يديه، واتجهت نحو القصر بخطوات سريعة، بينما بقي دانيال مكانه يتابع ابتعادها بصمت.
________**
كانت شهرزاد تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الخارج بعينين مضطربتين، لم تكن ترى القصر ولا الحديقة ولا السماء، كان عقلها غارقًا في سؤال واحد.
كيف ستخبر شهريار بالحقيقة؟ كيف ستخبره بكل شيء؟ ثم، بعد ذلك، كيف ستعترف له بحبها؟
كانت تعرف أن الأمر لن يكون سهلًا.، وأن الكذبة التي أخفتها عنه طوال هذه الفترة قد تكون أكبر من أن يغفرها، ومع ذلك، كانت قد اتخذت قرارها.
ستخبره، سترجوه أن يسامحها، وستعترف له بكل ما في قلبها، لن تخدعه أكثر من ذلك.
كانت غارقة في أمواج أفكارها عندما انفتح باب الغرفة ودخل شهريار، متقدمًا نحوها بابتسامة هادئة، لكنه سرعان ما لاحظ شرودها، وعرف أنها لم تنتبه حتى إلى دخوله.
ان شرودها يقلقه كثيرًا لذلك اقترب منها أكثر، ثم وضع يده على كتفها، انتفضت شهرزاد والتفتت إليه بسرعة، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وقد ارتسم التوتر بوضوح على ملامحها.
ابتسم شهريار وهو يتأمل اضطرابها:
- ما بال شهرزادي شاردة هكذا لدرجة أنها لم تنتبه إلى وجودي؟
أخذت نفسًا متوترًا، ثم أجابته:
- آسفة، مولاي، فقد كنت شاردة ولم أشعر بك.
تأملها شهريار لحظات، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة:
- وفيمَ كانت شهرزادي شاردة؟ أتمنى أن يكون شهريارها هو من يحتل تفكيرها.
أخذت شهرزاد نفسًا عميقًا، وكأنها تجمع شجاعتها الأخيرة، ثم رفعت عينيها إليه:
- مولاي، هناك شيء يجب أن تعلمه، فأنا لن أستطيع إخفاء الحقيقة عنك بعد الآن.
اختفت الابتسامة من وجهه، وحل مكانها الاستغراب:
- ماذا تقصدين؟ وما الذي تتحدثين عنه؟
أغمضت عينيها للحظات، ثم تمسكت بما تبقى لديها من شجاعة:
- لكن قبل أي شيء، لا تقاطعني، دعني أتحدث وأخرج كل شيء.
غمضتعينيها تستجمع شجاعتها ثم أمسكت بيده تتوجه الداخل تجلسه على الأريكة، بعدها بدأت بسرد الحقيقة كاملة.
كشفت له كل ما أخفته، وكل ما اضطرت إلى فعله، وكل الأسرار التي حملتها في قلبها.
كانت تتحدث تسير غي الغرفة وهي لا تنظر إليه، وكأنها تخشى أن ترى الحكم في عينيه قبل أن تنهي اعترافها.
وحين رفعت عينيها إليه، اصطدمت بنظراته، كانت الصدمة واضحة على وجهه.
تقدمت منه بخطوات مترددة، ثم أمسكت يده ووضعتها فوق قلبها، وقد بدأت دموعها تنحدر بصمت على وجنتيها.
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان صادقًا بصورة لم تعهدها من قبل:
- صدقني، لقد فعلت هذا رغمًا عن إرادتي، لكن عليك أن تعلم شيئًا واحدًا... حبي لك صادق.
ابتلعت غصة آلمت قلبها فبل حلقها:
- هذا القلب لم ينبض إلا باسمك، ولم يعرف أحدًا غيرك، أنا أحبك لأن فيك كل ما يثير نفسي، ويأخذ من رأسي عقلي، ويضاعف النبض في قلبي، ويرسم الحب على خدي... لذلك أحبك.
اختنق صوتها أكثر، وازدادت دموعها انهمارًا، لكنها تابعت وكأنها تخشى أن تتوقف قبل أن تقول كل ما ظل حبيس قلبها:
- أحبك، أحببتك، وسأحبك، اعشقك، عشقتك، وسأعشقك، سأكتب حبك وأنشره وأعلنه فوق السحاب مع الريح، ومع حبات المطر، سأخبر كل البشر بأنني أحبك، وسأظل أحبك مهما عاندني القدر. سأظل أحبك حتى لو لم تسامحني.
مسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم تابعت بصوت يحمل كل ما عجزت عن قوله طوال تلك الفترة:
- سأكتبها في كل لحظة، بل بين أجزاء اللحظة، سأحفر اسمك في قلبي، وسأجعلك قصيدة عشق بكل الصفحات، سأكتبك عنوانًا لأيامي، وسأعيش حبك حلمًا في خيالي، ستكون حبًا أبديًا بلا نهايات، وعشقًا خالدًا مهما طالت المسافات.
ابتلعت غصتها، ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا بالحب والخوف معًا:
- سأحبك كثيرًا ودائمًا، وأكثر من كل شيء، فأنت داخل قلبي، ومختبئ في جميع ضحكاتي المسروقة... أعني تحديدًا أنك مختبئ خلف هذا التماسك الذي أظهر به، وسبب في صحتي واطمئناني وقوتي. سأحبك، وأحبك، وأحبك... حتى الممات.
ساد الصمت، صمت ثقيل، كأن الغرفة بأكملها توقفت عن التنفس، كانت شهرزاد تنتظر كلمة واحدة، غفرانًا.....غضبًا....رفضًا.....أي شيء.
لكن شهريار بقي واقفًا أمامها، وملامحه لا تحمل أي تعبير يمكنها أن تقرأه، ترك يدها الممسكة به، ثم ابتعد عنها ببطء، وكأن كلماتها تركت داخله صدمة أكبر من أن يستطيع التعبير عنها.
رفع عينيه إليها أخيرًا، وخرج صوته هادئًا بصورة زادت خوفها بدل أن تطمئنها:
- أنتِ..
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.