حين يتحدث القلب قبل الكلمات
_______***
وقف شهريار يراقبها بصمت، وقد امتزجت ملامحه بين الحزن والاستغراب من تصرفها المفاجئ، لم يتوقع أن تتمسك شهرزاد بالسلطانة بهذه الطريقة، وأن تخبئ وجهها خلف كتفها وكأنها تبحث عن ملاذٍ يحميها من الخوف الذي اجتاحها.
نظرت السلطانة إليها بشفقة وحنان، ثم رفعت يدها تمسح على شعرها برفق محاولة تهدئة ارتجافها، بينما تحدثت إليها بصوتٍ هامس:
- لا تخافي سين، لا يوجد داعٍ للخوف... انظري إلي.
رفعت شهرزاد عينيها إليها بتردد، وقد ظهر الخوف الحقيقي في نظراتها، تنهدت السلطانة بهدوء ثم أمسكت وجهها بين يديها بابتسامة مطمئنة:
- انظري إليّ يا سين.
تدخل شهريار بضيق وهو ينظر إليهما:
- إنها شهرزاد يا سلطانة.
ضحكت السلطانة من ضيقه، ثم عادت لتنظر إلى شهرزاد وهي تكمل حديثها محاولة إخراجها من خوفها:
-كان لا بد من التخلص منه، لأنه خائن، ومصير كل خائن هو الإعدام... انظري إليه، إنه لم يعد موجودًا الآن.
التفتت شهرزاد ببطء نحو منصة الإعدام، لتجدها فارغة تمامًا لا يوجد عليها شيء، بقيت للحظات تنظر إليها بصدمة، ثم عادت بعينيها نحو شهريار وقد امتلأت نظراتها بالأسف.
وبخت نفسها بصمت على فعلتها، فقد أدركت أنها اندفعت خلف خوفها دون تفكير، تحركت نحوه بخطوات مترددة، إلا أن الرهبة منه ما زالت تسيطر عليها، فانحنت أمامه باحترام، تحمل في عينيها اعتذارًا واضحًا لم تستطع الكلمات التعبير عنه.
اكتفى شهريار بإيماءة باردة، وكأنه يريد أن يرى شيئًا آخر، يريد أن يتأكد من مشاعرها حقًا، لا مجرد اعتذار عابر.
وقف وهو يراقب نظراتها المصدومة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يتخطى الجميع، وبعدها أصدر أمره بإخلاء المكان.
بقيت شهرزاد تنظر إليه بصدمة من تصرفه، ثم التفتت نحو السلطانة بحزن، تنهدت إليزابيث بقلة حيلة، لكنها ابتسمت لها محاولة التخفيف عنها وهي تنهض:
- تعالي معي، لا يوجد داعٍ لبقائنا هنا.
غادرت شهرزاد برفقة السلطانة، بينما وقف شهريار في شرفة جناحه يراقب المكان بصمت، لم يغب عنه أنها اختارت الذهاب مع السلطانة، فتنهد وهو يشعر بتضاربٍ داخله، هل حقًا عليه أن يكون بهذه القسوة؟
لطالما أراد أن يحب، أن يشعر بذلك الدفء الذي يمنحه القلب لمن يختاره، لكنه كان يعلم أيضًا أن الحب نقطة ضعف، وأنها استطاعت بطريقة ما أن تجعله أكثر ضعفًا مما توقع.
انتبه إلى دانيال الذي كان يقف بجانبه، ليلتفت إليه بابتسامة خفيفة:
- أرى أنك أصبحت شاردًا كثيرًا يا مولاي هذه الأيام.
تنهد شهريار بضعف، ثم بادله الابتسامة:
- أنت تعلم كل شيء يا دانيال.
ضحك دانيال بهدوء، ثم تنهد وهو ينظر نحو كادي التي كانت تتحدث مع أحد الحراس:
- أجل، أعلم... وهذا واضح للجميع، وليس لي وحدي.
ابتسم شهريار وهو يتابع نظراته، ثم ربت على كتفه:
- وأنت مثلي يا دانيال.
نظر إليه دانيال باستغراب:
- ماذا تقصد يا مولاي؟
أشار شهريار بعينيه نحو كادي، ثم تحدث بنبرة تحمل شيئًا من المزاح:
- وأنت أيضًا لا تستطيع إخفاء مشاعرك عني.
ابتسم دانيال بحزن، وأخفض نظره قليلًا:
- أنت تعلم أن حبي ميؤوس منه يا مولاي.
نظر إليه شهريار بضيق:
- دانيال، لماذا تقول مولاي؟ أنا شهريار فقط... ثم إن حبكم ليس ميؤوسًا منه، لا تهتم، صارحها بذلك.
أخذ دانيال نفسًا عميقًا قبل أن يجيبه:
- لا أريد... من الأفضل أن أضع مسافة بيننا، إنها لا تناسبني وأنا لا أناسبها.
نظر إليه شهريار باستنكار:
- انظر إليّ، هل شهرزاد تناسبني؟ لا... لكنني لا أهتم، كل ما يهمني أن قلبي اختارها دون الجميع.
تردد دانيال قليلًا قبل أن يجيبه بحذر:
- لكنني لست مرتاحًا لها يا شهريار.
نظر إليه شهريار بتساؤل:
- هل علمت شيئًا؟ هل رأيت منها أي تصرف يثير الشك؟
صمت دانيال للحظات، ثم أجابه:
- لا، لكنني قمت بالتحري عنها.
تغيرت ملامح شهريار بقلق:
- وماذا وجدت؟ أجبني.
تنهد دانيال قبل أن يوضح:
- إنها صادقة... هل تعلم الملك ثاول؟ لقد قامت فتاة يتيمة لكنها خبيثة بخداعه وسلب نصف ثروته، ولذلك قرر أن يقتل كل فتاة يتيمة، لأنه بحث عنها كثيرًا ولم يجدها.
شعر شهريار بالراحة قليلًا، ثم تحدث:
- لقد أخفتني... ولكن ما الذي يدعوك للشك بها؟
أجابه دانيال بشرود:
- لا أعلم، هي لا تريحني أبدًا، لقد بحثت عن اسمها أيضًا، ووجدت أنها حقًا غادرت... أما بالنسبة لعمها، فمنهم من قال إنه قُتل عمدًا عندما لم يجد الملك سين، ومنهم من قال إنه هرب... والآن ثاول يبحث عنها.
نظر إليه شهريار بخوف واضح:
- لن أسمح له بذلك، على جثتي إن وصل إليها.
وضع دانيال يده على كتفه مطمئنًا:
- اهدأ، إنه لا يعلم مكانها أبدًا، وإن حدث ذلك سيجدنا في وجهه.
أخذ شهريار نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة نفسه، ثم تحدث بصوت أكثر هدوءًا:
- إنني بخير... هل تعلم شيئًا؟ أنا أيضًا في بعض الأحيان أشعر بأنها تخفي شيئًا......شيئًا أكبر من صمتها أقرأ ذلك في عينيها، لكنني لا أعلم لماذا لا أريد أن أصدق ذلك.
نظر إليه دانيال بتفكير:
- هل لأنك أحببتها؟
رفع شهريار كتفيه ثم أنزلهما وهو يجيبه بتردد:
- لا أعلم، صدقني.
تنهد دانيال وهو يتحرك نحو الباب:
- الآن لدينا موعد مع وزير الملك نيكولا من أجل الأسطول الذي اتفقنا عليه.
تحرك شهريار ليسير بجانبه وهو يجيبه:
- لقد ذكرتني به... هيا لنرَ ما لديهم من شروط، ثم بناءً على ذلك نضع شروطنا.
_______***
بينما كانت شهرزاد تجلس على السرير بهدوء ظاهري، فقد كان عقلها يعيد تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم مرارًا وتكرارًا، احتضنت دكستر بين ذراعيها، وكأن وجوده يمنحها شيئًا من الطمأنينة وسط الفوضى التي تعيشها.
بقيت تنظر إلى الفراغ بشرود، تفكر في نظرات شهريار الباردة، وفي خوفها من أن يخسرها قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
قطع شرودها صوت الباب وهو يُفتح، لتلتفت وتجد كادي تدخل بخطوات قلقة، وما إن اقتربت منها حتى سألتها بتوتر:
- كيف أنتِ يا مولاتي؟ هل أنتِ بخير؟
لم تستطع شهرزاد السيطرة على مشاعرها أكثر، فاندفعت نحوها تعانقها بخوف، بينما خرج صوتها محملًا بالبكاء:
- إنني خائفة يا كادي... سوف يتخلص مني حقًا إن علم بخيانتي.
ربتت كادي على شعرها بحنان محاولة تهدئتها:
- لا تقلقي يا مولاتي، لم يكتشف ذلك، فقط اهدئي.
ابتعدت شهرزاد عنها بعد لحظات، ومسحت دموعها وهي تتحدث بحزن:
- هل رأيتِ ردة فعله عندما اعتذرت إليه؟ لقد أومأ لي بفتور... لم يكن ذلك شهريار الذي قابلته.
ابتسمت كادي براحة بسيطة، وكأنها ترى في ذلك ما كانت تتمناه:
- هذا أفضل لكِ.
نظرت إليها شهرزاد بألم، وكأن كلماتها زادت اختناقها:
- لا... أنا أشعر بالاختناق حقًا، لقد اعتدت على ابتسامته عندما ينظر إليّ.
تنهدت كادي بيأس وخوف عليها، ثم اقتربت منها:
- مولاتي، لماذا لا تفهمين؟ ماذا تحدثنا صباحًا؟ إنني خائفة عليكِ، أرجوكِ لا تفعلي هذا.
نظرت إليها شهرزاد باستغراب:
- لا أفعل ماذا؟ ماذا فعلت؟
تحدثت كادي بحزن وهي تحاول جعلها ترى الحقيقة:
- أن تتعلقي به يا مولاتي... انظري وفكري بإدوارد، كيف ستعيشان معًا؟ ألم تخبريني أنه سيقيم حفلًا يعلن فيه أنكِ له بعد قيامك بالمهمة؟ إنه يحبكِ حقًا، صحيح أن الملك شهريار طيب معكِ، لكنكما لا تصلحان لبعضكما، صدقيني.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!