قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 2 من 6
وضع القراءة:

بين نظرةٍ ووعدٍ مجهول

انتبه شهريار إلى صوت السلطانة الأم إليزابيث وهي تخاطبه، فانتزع بصره بصعوبة عن الفتاة الواقفة بالقرب من رانسيا.
كانت سينثيا قد خفضت رأسها بخجلٍ بعدما همست لها رانسيا ببضع كلماتٍ تشجعها على الثبات، إلا أن ذلك الخجل لم يزدها إلا جمالًا ورقة.
أعاد شهريار نظره إلى السلطانة، ثم تساءل بهدوء:
- ماذا هناك يا سلطانة؟
ارتسمت على شفتي إليزابيث ابتسامة خفيفة، فقد كانت تراقب نظراته منذ اللحظة الأولى، ولاحظت أنها لم تغادر الفتاة قط، ابتسمت بخبثٍ أمومي وهي تستفسر:
- هل أعجبتك؟
ظل صامتًا لثوانٍ، وعيناه لا تزالان معلقتين بملامح سينثيا، ثم أجاب بصوتٍ هادئ امتزج فيه الفضول بالدهشة:
- هل هي إحدى الجواري... أم ماذا؟
ضحكت السلطانة بخفة، ثم التفتت نحو الفتاة التي ما زالت تقف بخجل:
- تعالي يا سينثيا.
تقدمت سينثيا بخطواتٍ هادئة، تتمايل بخفةٍ طبيعية لا تعرف التصنع، بينما تابعها شهريار بعينيه دون أن يشعر بمن حوله، ولأول مرة منذ سنوات...
وجد نفسه عاجزًا عن صرف نظره عن فتاةٍ لا يعرف عنها شيئًا، رفعت سينثيا رأسها على استحياء، فتلاقت عيناها الزرقاوان بعينيه.
وفي تلك اللحظة...شعر وكأن الزمن توقف، تنهد في داخله وهو يوبخ نفسه بصمت:
"ما الذي يحدث لي؟ منذ متى أصبحت أتصرف كفتىً مراهقٍ أسَرَته نظرة؟"
أشارت السلطانة إلى المقعد المجاور لها:
- اجلسي يا عزيزتي.
جلست سينثيا بهدوء، بينما ازداد خجلها حتى احمرّت وجنتاها، فبدت أكثر جمالًا، نهض شهريار من مجلسه، وعدّل رداءه الملكي قبل أن يخاطب السلطانة باحترام:
- سأذهب إلى المكرمة يا سلطانة.
أومأت إليه بابتسامة:
- حسنًا يا بني.
تحرك بخطواتٍ واثقة متجاوزًا رانسيا، التي انحنت احترامًا له بصفتها رئيسة خدم القصر والمسؤولة عن كل ما يتعلق بالجواري، بينما تبعته أنظار الجميع حتى اختفى خلف الباب.
ما إن غادر حتى بقيت إليزابيث تحدق في سينثيا طويلًا، كانت قد بلغت الستين من عمرها، إلا أن الزمن لم يستطع انتزاع هيبتها ولا ملامحها الهادئة التي طالما بثت الطمأنينة في قلوب من حولها.
لقد رأت في حياتها جميلاتٍ كثيرات...لكنها لم ترَ جمالًا نقيًا يشبه جمال تلك الفتاة، جمالٌ يخلو من التكلف، وتغلفه براءةٌ آسرة، ولذلك...
لم تستغرب انجذاب شهريار إليها منذ النظرة الأولى، بل إنها أيقنت أن قلبه، الذي استعصى طويلًا على النساء، قد بدأ يلين دون أن يشعر.
لكن...
ذلك الأمر أقلقها أكثر مما أسعدها، فهي تعلم حقيقةً لا يعلمها شهريار، وحقيقة كهذه قد تقلب حياة الجميع رأسًا على عقب، تنهدت بخفوت، ثم خاطبتها بحنان:
- سينثيا... هل تعلمين من كان هنا قبل قليل؟
هزت سينثيا رأسها نفيًا، مما جعل السلطانة تبتسم قبل ان تردف:
- إنه الملك شهريار... حاكم مملكة آستورياس، وأصغر من تولى الحكم فيها، فقد حمل مسؤولية المملكة وهو في الخامسة عشرة من عمره، بعد استشهاد والده، الملك روبرت، في إحدى المعارك.
بدت علامات الانبهار واضحة على وجه سينثيا، بينما تابعت إليزابيث، وقد غلبها الحنين:
- كان روبرت رجلًا عظيمًا... كريمًا، حكيمًا، واسع الأفق، يحسن معاملة الجميع، ولا يتردد في التضحية من أجل شعبه.
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ خافت:
- كلما نظرت إلى شهريار... رأيت والده أمامي، طريقته في التفكير، وهيبته، وحتى حكمته... كلها تشبه روبرت إلى حدٍ كبير.
شردت بعينيها بعيدًا، وكأن الماضي عاد حيًا أمامها، ولم تشعر إلا بدمعةٍ انسابت فوق خدها، اقتربت سينثيا بسرعة، ثم رفعت يدها تمسح دمعتها برفقٍ بالغ.
ابتسمت إليزابيث امتنانًا، ثم جذبتها إلى صدرها، في تلك اللحظة...
لم تكن تعانق سينثيا.ط، بل كانت تعانق ابنتها الراحلة إيف، التي اختطفها المرض قبل سنوات، ابتعدت عنها قليلًا، وربتت على وجنتها بحنان، ثم همست:
- أتدرين... إنني أراكِ تشبهين ابنتي إيف كثيرًا، لقد رحلت وهي في التاسعة من عمرها، بعد صراعٍ طويل مع مرضٍ عجز الجميع عن علاجه، ولو كتب لها أن تعيش... لكانت اليوم في مثل عمرك يا سينثيا.
ارتجف قلب سينثيا، أمسكت بورقةٍ وريشة كانتا بجانب الطاولة، وكتبت كلماتٍ قليلة، ثم قدمتهما إليها بابتسامة دافئة.
قرأت إليزابيث ما كتبته، فارتعشت شفتاها، واغرورقت عيناها بالدموع، فتحت ذراعيها مرةً أخرى وهي تبتسم وسط دموعها:
- شكرًا لكِ يا سين... لأنكِ تريدينني أن أعتبركِ ابنتي، وأن يكون لكِ في قلبي المكانة نفسها.
عانقتها سينثيا بمحبةٍ صادقة.....أما رانسيا، فوقفت تراقب المشهد وقد تأثرت كثيرًا، بينما كانت جودي، ذات النظرة الثاقبة، تتابع كل تفصيل بصمت.
لم تكن تشك في طيبة سينثيا...
لكن خبرتها الطويلة أخبرتها أن ظهور فتاةٍ بهذه الهيئة، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لا بد أن يخفي خلفه سرًا لم يُكشف بعد.
رفعت السلطانة رأسها، ثم خاطبت خادمتها كادي، التي أسرعت بالانحناء احترامًا:
- يا كادي، اذهبي وأخبري الخدم أن يجهزوا الغرفة المجاورة لجناحي من أجل سينثيا.
أومأت كادي بطاعة، ثم غادرت مسرعة لتنفيذ الأمر، عادت إليزابيث تلتفت نحو جودي مبتسمة:
- هيا يا جودي... أريد أن أذهب إلى المكرمة، وأرى أي جارية سيختارها مولاي هذه الليلة.
القسم اثاني: مكرمة القصر واختيار الملك
أومأت جودي للسلطانة، ثم وقفت تساعدها في الاستعداد للخروج، بينما بقيت سينثيا تراقبهما بصمتٍ واستفهامٍ واضح في عينيها.
لاحظت إليزابيث حيرتها، فاقتربت منها بابتسامةٍ هادئة وسألتها:
- هل تريدين المجيء معي؟
أومأت سينثيا بالموافقة، ثم أشارت بيدها متسائلة عن وجهتهما، ابتسمت السلطانة بحنان، وأجابتها:
- سنذهب إلى مكرمة القصر، هناك حفلة أُقيمت احتفالًا بعودة الملك بسلام، فقد أرسل الملك آرتس جواري فرنسيات هديةً لشهريار، والجارية التي تنال إعجابه... هو من يختارها لقضاء الليلة معه.
ما إن فهمت سينثيا معنى كلماتها حتى تغيرت ملامحها، وظهر الضيق واضحًا على وجهها، لم تستطع إليزابيث منع ضحكتها أمام تعبيرات الفتاة البريئة، ثم تابعت موضحة:
- هذه قوانين مملكتنا منذ زمنٍ بعيد يا سين، ولا يمكننا تغييرها بسهولة.
عقدت سينثيا ذراعيها أمام صدرها بضيقٍ واضح، وكأنها لا تزال غير مقتنعة بما سمعته، مما جعل السلطانة تبتسم مرةً أخرى.
كانت إليزابيث تعرف أن قلب سينثيا مختلف عن قلوب الكثيرات، وأنها تنظر للأمور بنظرةٍ أكثر نقاءً، وهذا ما جعلها تخشى عليها أكثر.
بعد أن انتهت السلطانة من تجهيز نفسها، تحركت باتجاه مكرمة القصر، فهبّ الحرس لفتح الأبواب لها فور رؤيتها.
كان القصر بأكمله يستعد لهذه الليلة، فالملك عاد منتصرًا، والشعب يحتفل بسلامته، أما داخل المكرمة فكانت الأجواء مختلفة تمامًا.
بعد وقتٍ قصير، وصلت إليزابيث برفقة سينثيا وجودي، وما إن دخلن حتى وقعت أعين سينثيا على مجموعة الجواري اللواتي يتراقصن ويتمايلن أمام الملك، يحاولن جذب انتباهه والفوز باختياره.
ظهرت علامات الاستنكار والاشمئزاز على وجهها دون أن تنتبه، فابتسمت السلطانة عندما لاحظت ذلك، ثم وضعت يدها على كتفها برفق:
- إنهن يتنافسن للحصول على إعجابه... لكن انظري إليه.
رفعت سينثيا عينيها نحو شهريار، كان يقف بعيدًا يتحدث مع دانيال، وزيره وصديق طفولته، ولم يكن يمنح أي اهتمامٍ للجواري من حوله.
تابعت إليزابيث بذات الهدوء:
- إنه لا ينظر إلى أي واحدةٍ منهن، هذه عادته دائمًا، وفي النهاية يكون دانيال هو من يختار له.
بقيت سينثيا تنظر إليه للحظات، كان مختلفًا عن الصورة التي رسمتها في ذهنها.
لم يكن ذلك الملك الذي يلهث خلف جمال النساء كما توقعت، بل كان هادئًا، بعيدًا، وكأنه يعيش في عالمٍ خاص به، ابتسمت في داخلها دون قصد، ثم عاتبت نفسها سريعًا:
"هل وقعتِ في حبه يا سين؟ لا يجب عليكِ ذلك..."
في تلك اللحظة، توقف شهريار عن الحديث، لقد شعر بنظراتٍ يعرفها....رفع عينيه، فإذا به يرى السلطانة الأم تقف وبجانبها سينثيا.
تلاقت غابة عيناه العميقة، بأمواج بحر عينيها الهادئة وللحظة...اختفى كل شيء حوله، توقفت الموسيقى، وسكنت الأصوات في أذنيه، ولم يرَ سوى تلك الفتاة الواقفة أمامه.
اعتذر لدانيال بنظرةٍ سريعة، ثم تقدم نحوهما بخطواتٍ ثابتة، انحنى احترامًا أمام السلطانة، وقبّل يدها، بينما بقيت عيناه تتجهان نحو سينثيا.
توقفت الجواري عن الرقص، وخفتت الأصوات في المكان، فقد انتبه الجميع إلى وصول الملك منتصف القاعة، مد شهريار يده نحو سينثيا.
نظرت إليه بخوفٍ وتردد، ثم وزعت نظراتها بينه وبين السلطانة الأم، وكأنها تطلب منها تفسيرًا لما يحدث، ابتسمت إليزابيث بتوتر، ثم حاولت التحدث:
- شهريار... أقدم لك سينثيا، أو سين، ولقد...
لم يمنحها الفرصة لإكمال حديثها، بل قاطعها بابتسامةٍ هادئة:
- أعلم يا سلطانة... ولقد اخترتها لي خصيصًا.
تجمدت ملامح إليزابيث للحظة، كانت تريد إخباره بالحقيقة قبل أن يتخذ قراره، لكنها لم تجد الفرصة، استدار شهريار نحو أحد الخدم، وسأل بهدوء:
- هل جناحي جاهز؟
انحنى الخادم احترامًا يجيبه بهدوء:
- أجل مولاي، إنه جاهز تمامًا.
ثم التفت شهريار إلى بقية الجواري، وقال بصوتٍ واضح:
- استمتعن بليلتكن، لقد اخترت وانتهيت... ولا حديث بعد قرار السلطانة.
ترك يد سينثيا بهدوء، ثم تحرك خارج المكرمة وهو محتفظ بابتسامته، تبعه دانيال بعد أن ألقى نظرةً طويلة على سينثيا، وكأنه يحاول فهم سر اختيار الملك المفاجئ.
أما سينثيا...فبقيت تنظر إلى السلطانة بعينين ممتلئتين بالخوف والدموع، تنهدت إليزابيث بقلة حيلة.ط، كانت تعلم أن الأمر لم يعد مجرد اختيار جارية...
بل بداية شيءٍ قد يغير حياة الجميع.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.