يومٌ يشبه الحلم
نظرت سينثيا إلى آيلين بتوتر، وشعرت بأن تلك النظرات تخفي خلفها شيئًا أكبر من مجرد كراهية.
اعتدلت في جلستها ببطء، لكن سرعان ما امتلأت عيناها بالدموع، وكأن خوفها من انكشاف حقيقتها أثقل من قدرتها على التماسك.
اقترب شهريار منها بقلق، وما إن رأى دموعها حتى تبدلت ملامحه، ليمسك بها متسائلًا:
- ماذا هناك شهرزاد؟ لماذا تبكين؟
لم تستطع الرد، فاندفعت نحوه وتمسكت به بقوة، تخفي وجهها داخل صدره، وكأنها تبحث عن الأمان في المكان الوحيد الذي لم تتوقع يومًا أن تجده فيه.
نظر شهريار بغضب إلى آيلين، وقد ظهرت علامات الصدمة على ملامحها من تصرف سينثيا المفاجئ:
- ماذا فعلتِ لها؟
بقيت آيلين للحظات داخل دائرة الصدمة، غير مستوعبة لما حدث، حتى انتبهت إلى صوت شهريار الغاضب وهو يخاطبها، خفضت نظرها باحترام وأجابت بهدوء:
- لم أفعل لها شيئًا، مولاي.
أغمض شهريار عينيه للحظة يحاول السيطرة على غضبه، ثم أبعد سينثيا عنه قليلًا، وبدأ يمسح دموعها بحنان محاولًا تهدئتها، تحت نظرات الأخرى الغلضبة:
- لا تبكي... لا يوجد داعٍ للبكاء، لكن أخبريني، ما الذي دفعكِ للبكاء فجأة؟
نظرت سينثيا إلى آيلين، وما إن التقت أعينهما حتى أسرعت آيلين بخفض نظرها، تمسكت سينثيا بيد شهريار، وكأنها تطلب منه ألا يتركها، ففهم ما تريد، والتفت نحو آيلين:
- يمكنكِ الخروج، آيلين.
رفعت آيلين حاجبيها بصدمة من تصرفات سينثيا، وشعرت بالغضب يتصاعد داخلها:
"يا إلهي... كم هي خبيثة حقًا."
أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنت أمام الملك باحترام، وغادرت المكان بخطوات هادئة تخفي خلفها نار غضبها.
التفت شهريار إلى سينثيا بعدما تأكد من إغلاق الباب، ثم اقترب منها بنبرة أكثر لطفًا:
- والآن شهرزاد... أخبريني، ماذا فعلت آيلين؟
أمسك منديله وقدمّه إليها، فمسحت أنفها به، كانت ملامح الحزن واضحة على وجهها، حتى إن احمرار أنفها جعل شهريار يبتسم بحنان رغم قلقه عليها، وقف وأمسك الورقة والريشة، ثم وضعهما بين يديها، راقب ما تكتبه باهتمام، قبل أن يعقد حاجبيه باستغراب ومأنه لتوه انتبه:
- لماذا لا تريدين الحديث؟
انحنت تكتب له متنهدة:
- لا أريد أن أتسبب بمشكلة، مولاي.
نظر إليها بضيق، فهو يعلم أنها تخفي شيئًا، لكنه لم يرد الضغط عليها أكثر:
- شهرزاد، إن لم تقولي لي ما الذي فعلته آيلين، فسوف أقوم بطردها.
أمسكت يده بسرعة، ونظرت إليه برجاء، ثم كتبت على الورقة:
- لم تفعل لي شيئًا، مولاي... لكنني تذكرت والديّ، لقد اشتقت إليهما.
نظر إليها شهريار بعدم تصديق، لكنه لم يرد أن يزيد حزنها، فسحبها إلى أحضانه وهو يمرر يده على شعرها بحنان.
- أعلم أن هذا ليس السبب... لكنني أريد أن أصدقكِ، شهرزادي.
أغمضت عينيها براحة، فقد خرجت من هذا المأزق بسلام، لو علمت آيلين حقيقتها، لكان مصيرها مختلفًا منذ اللحظة الأولى، وعليها أن تجد طريقة للتخلص منها حتى تسير خطتها كما أرادت.
لكن أفكارها توقفت عندما سمعت ضحكات شهريار، رفعت رأسها باستغراب، لتجده يشير إلى دكستر الجالس فوق قدميه، يحاول إبعاد يدي شهريار عنه.
ابتسمت عندما رأت نظرات الثعلب الرافضة، بينما ابتسم شهريار متعجبًا:
- يبدو أنه لا يريدني.
ضحكت بخفة، ثم احتضنت دكستر بحب وكتبت لشهريار:
- إنه رفيقي المفضل منذ خمس سنوات... وجدته صغيرًا جدًا واعتنيت به، لذلك ستجده متعلق بي بشدة.
نظر إليها شهريار بإعجاب، فذلك الجانب منها كان جديدًا عليه، جانب مليء بالحنان والوفاء، وقف ومد يده إليها بابتسامة:
- تعالي... سوف آخذكِ إلى مكان جميل.
نظرت إلى يده بتردد للحظات، ثم وضعت يدها فيها، وسارت خلفه نحو الخارج.
_______***
بعد فترة قصيرة، كانت سينثيا تجلس أمام شهريار على ظهر الخيل، بينما كان هو خلفها يقود الطريق بهدوء.
كانت الغابة تمتد أمامهما كلوحة ساحرة، أشجارها العالية تحجب بعضًا من ضوء الشمس، وأشعتها الذهبية تتسلل بين الأغصان لتنعكس على الأرض الخضراء كأنها خيوط من نور.
كان الحراس يسيرون خلفهما على مسافة قريبة، يراقبون المكان بحذر، بينما كان الهدوء يحيط بهما بطريقة جعلت سينثيا تنسى للحظات كل ما يحيط بها من أسرار ومخاطر.
نظر شهريار إليها، ولاحظ أن وجنتيها ما زالتا تحملان أثر الخجل، فابتسم بخفة محاولًا إبعاد التوتر عنها:
- لا تكترثي لحديث السلطانة، شهرزاد... إنها عفوية دائمًا.
ما إن سمعت كلماته حتى عادت إليها ذكرى ما حدث قبل قليل داخل الجناح، عندما جاءت السلطانة لتخبرهما بخروجهما إلى الغابة.
كانت إليزابيث قد نظرت إليهما بابتسامة ماكرة وهي تخفي ضحكتها، ثم تحدثت بنبرة مليئة بالمزاح:
- خذا راحتكما، شهريار... لكن لا تستعجل بفعل أي شيء، فما زالت سين، أقصد شهرزاد، متعبة.
شعرت سينثيا حينها بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها، فعادت من شرودها ووضعت يديها على وجهها تخفي ملامحها.
ابتسم شهريار عندما رأى ارتباكها، لكنه لم يعلق، واكتفى بالاستمتاع بتلك اللحظات الصغيرة التي جعلتها أقرب إليه دون أن تشعر.
وبعد وقت من السير، توقف الخيل عند مكان ساحر وسط الغابة، هبط شهريار أولًا، ثم مد يديه إليها ليساعدها على النزول، ترددت للحظة، لكنها وضعت يديها بين يديه، فحملها برفق حتى لامست قدماها الأرض.
نظرت حولها بإعجاب صادق، كان المكان هادئًا بشكل مختلف، أرض خضراء واسعة تحيط بها الأشجار، وبحيرة صافية تعكس جمال السماء، بينما كانت الفراشات تتحرك بخفة بين الزهور.
قفز دكستر من بين ذراعيها فورًا، وبدأ يركض ويلهو بين الأعشاب، يطارد الفراشات بمرح، راقبته سينثيا بابتسامة واسعة، وكأنها عادت للحظات إلى طفولتها بعيدًا عن كل ما تحمله من أسرار.
تقدمت نحو البحيرة بانبهار، ثم جلست عند حافتها ووضعت قدميها داخل المياه الباردة، لتشعر براحة تسري في جسدها.
جلس شهريار بجانبها، لكنه لم يكن ينظر إلى جمال المكان فقط، بل كان غارقًا في أفكاره، كانت عيناه تتابعان المياه الجارية بشرود.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في الحكم أو المسؤوليات أو المؤامرات التي تحيط به...كان يفكر بها فقط.
بفتاة دخلت حياته بطريقة لم يتوقعها، فتاة صامتة لكنها استطاعت أن تملأ المكان بالكثير من المعاني، توقفةعقله للحظات، هل أحبها حقًا؟ أم أن ما يشعر به مجرد انجذاب وإعجاب؟
لم يكن يعرف، كل ما يعرفه أنه عندما تكون بجانبه، يشعر بشيء لم يشعر به من قبل، التقط عصا صغيرة وجدها بجانبه، وبدأ يرسم بها على الرمال الطينية دون وعي.
كانت يده تتحرك بهدوء، حتى شعر بجلوسها بالقرب منه، نظرت سينثيا إلى الرسم بفضول، فابتسم لها وأشار بيده أن تنظر من الجهة الأخرى....اقتربت قليلًا، لتجد ملامح فتاة مرسومة على الرمال.
توقفت للحظات وهي تتأمل الرسم، وكأنها تحاول فهم ما يدور داخله. لكن شهريار لم يترك لها فرصة للسؤال، فقد ترك العصا ونهض عندما رأى الخدم يضعون المائدة على العشب.
جلس أمام الطعام، وأخذ بعض الفاكهة، بينما اقتربت سينثيا منه وهي تنظر إليه بضيق مصطنع، لاحظ ذلك، فابتسم في داخله.
ترك حبات التوت بين أصابعه، ثم رفع نظره إليها، وكأن العالم كله اختفى من حوله:
- شهرزادي وقديستي... يا سيدة النساء، أريد أن أكتب شعرًا لكل ما فيكِ.
توقفت أنفاسها وهي تنظر إليه، بينما أكمل بصوت هادئ يحمل الكثير من الصدق:
- للشفتين قصيدة، وللخدين قصيدة، وللرمش القادم نحوي ألف قصيدة... أما عيناكِ فهما قصة أخرى، فدعيني وإياهما أبدع أوزانًا شعرية.
تعلقت عيناها بعينيه، وكأن كلماته وصلت إلى مكان عميق داخل قلبها، كانت كلمات كثيرة تمر في قلبها دون أن تجد طريقها إلى شفتيها، فبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى الحديث حتى يشعر الآخرون بعظمتهم، يكفي حضورهم ليغيروا شكل المكان من حولهم.
تابع وهو ينظر إليها بثبات:
- أنا لا أحبكِ ولا أريدكِ بين ساعدي ضحية... أريد أن ألغي الحنة، ألغي الغناء، وأجعل شهريار أضحوكة، وألغي كل كنوز سليمان لتغدو هباء حين أقول... أدمنت هواكِ.
ارتجف قلبها أمام كلماته، وامتلأت عيناها بالدموع، لم تكن تعلم هل تبكي من جمال كلماته، أم من خوفها من أن تصبح تلك المشاعر حقيقة لا تستطيع الهروب منها.
اقترب منها ووضع حبات التوت داخل فمها بلطف، ابتسمت له، ثم أخذت بعض الحبات وقدمتها إليه، فتح فمه ليتناولها، ثم ابتسم بصدق:
- ألذ توت تذوقته في حياتي.
وبعد وقت طويل، تحولت السكينة بينهما إلى ضحكات طفولية، كان شهريار يركض خلفها بين الأعشاب، بينما كانت هي تضحك بصوت عالٍ، ضحكة صافية لم تستطع إخفاءها رغم صمتها.
ابتسم وهو يراقبها....كم كانت ضحكتها مختلفة...كانت تجعله يتعلق بها أكثر دون أن يشعر، أمسك بها من الخلف، فنظرت إليه بضيق مصطنع.
انحنت وأمسكت عصا صغيرة، ثم كتبت على الرمال:
- إنك سريع مثل الفهد، مولاي... وأنا بطيئة مثل الحلزون.
نظر إليها وهو يضيق عينيه بمكر، فتراجعت للخلف بسرعة عندما عاد يركض خلفها، كانت تلك اللحظات بسيطة، لكنها بالنسبة له كانت أغلى من كل انتصاراته.
فهي المرة الأولى التي يشعر فيها أنه يعيش فقط... دون أن يكون ملكًا.
_______***
حلّ المساء بهدوء على الغابة، وبدأت خيوط الشمس الأخيرة تختفي خلف الأشجار، تاركة السماء مزيجًا ساحرًا من الألوان الهادئة.
كان المكان غارقًا في السكينة، لا يُسمع فيه سوى صوت الرياح وهي تمر بين الأغصان، وحركة المياه الهادئة في البحيرة القريبة.
كان شهريار مستلقيًا على العشب، يفرد ذراعيه خلف رأسه، بينما كانت سينثيا بين ذراعيه، تستند إليه وهي تنظر إلى السماء الممتلئة بالنجوم.
كانت لحظة مختلفة...لحظة لم تشبه أي شيء عاشته من قبل.
فهي التي جاءت إلى هذا القصر وهي تحمل هدفًا واحدًا، وتضع حول قلبها جدارًا يحميها من أي شعور، وجدت نفسها الآن تجلس بجانب الرجل الذي كان من المفترض أن يكون مجرد جزء من خطتها.
لكنها لم تعد تراه كما كانت تراه في البداية...لم تعد ترى الملك فقط...بل رأت إنسانًا يحمل قلبًا طيبًا خلف هيبته، ورجلًا يمنحها أمانًا لم تكن تتوقع أن تجده.
تنهد شهريار بتعب، ثم ابتسم وهو ينظر إليها:
- لقد أتعبتِني، سين... أنتِ مثل الطفلة، لا تتوقفين عن اللهو واللعب.
ابتسمت بخفة، لكنها سرعان ما شعرت بوخزة في قلبها....لقد بدأت تتعلق به...وهذا كان أخطر شيء يمكن أن يحدث، لماذا يكون بهذه الطيبة؟ لماذا يعاملها بهذا اللطف؟
كل ما قيل لها عنه كان مختلفًا تمامًا عما تراه أمامها الآن، الرجل الذي حذروها منه لم يكن يشبه الرجل الذي يجلس معها تحت ضوء النجوم.
تنهدت بقلة حيلة، وهي تدرك أن عليها ألا تنسى سبب وجودها هنا، يجب أن تنهي ما أتت من أجله...ويجب أن تضع أمر قلبها جانبًا.
لكن قلبها لم يكن يستمع إلى أوامر عقلها، رفعت عينيها إليه، وأخذت تتفحص ملامحه بهدوء، كانت تراقب تفاصيل وجهه، هدوء عينيه، وابتسامته التي تجعلها تنسى للحظات كل ما حولها.
ترددت كثيرًا، ثم اقتربت منه وقبلت وجنته بخجل، توقف شهريار عن الحديث، وبقي للحظات ينظر إليها بتعجب، وكأنه لم يتوقع منها هذه المبادرة، رفع حاجبه باستغراب:
- ما المناسبة؟
خفضت رأسها بخجل شديد، ثم أخفت وجهها داخل صدره مرة أخرى تمتنع عن الحديث، ضحك شهريار وهو يشاكسها بلطف:
- يبدو أنه أعجبكِ المخبأ كثيرًا.
شعرت بالخجل أكثر من كلماته، فاعتدلت في جلستها بسرعة، ليعتدل هو الآخر ويقترب منها، ثم قبل وجنتها برقة، ابتسم وهو يهمس:
- العفو.
ضحكت بخفة عندما فهمت قصده، ثم تنهدت وهي تغرق في أفكارها، نظر إليها شهريار باهتمام، ثم تحدث بصوت هادئ:
- إنه يوم خاص، شهرزاد... لم آتِ إلى هذا المكان منذ مدة طويلة، شكرًا لأنكِ شاركتِني يومي.
بادلته الابتسامة، لكن ما تخفيه خلف قلبها كان أكبر بكثير مما يظهر على وجهها، نعم...كان يومًا مميزًا....يومًا لم تكن تتوقع أن تعيش مثله.
فقد ركضا معًا، وضحكا معًا، وتناولا الطعام، وحتى إنهما تبعا مسار حلزون صغير حتى وصلا إلى مكانه، لتضحك عندما جلس شهريار على ركبتيه وهو يتتبعه بضجر وكأنه يشتكي من بطئه.
كانت تفاصيل صغيرة...لكنها صنعت ذكرى كبيرة، نظر إليها شهريار طويلًا، وكأنه يحاول اكتشاف شيء لا تعرف هي أنه واضح في عينيه، ثم ابتسم متسائلًا:
- أتعلمين، شهرزاد... من ينظر إليكِ يظنكِ أميرة جاءت من كتب الأساطير، وأظنكِ كذلك.
شعرت بأن قلبها توقف للحظة، ابتلعت ريقها بصعوبة، ونظرت إليه بتوتر، كانت كلماته تفتح أبوابًا تخشى الاقتراب منها، فهي ليست الأميرة التي يراها...
وليست الفتاة التي يعتقد أنها تكونها، ورغم ذلك، لم تستطع أن تمنع قلبها من التأثر، ظل ينظر إليها منتظرًا ردها، بينما بقيت هي صامتة، تحمل في داخلها حربًا بين الحقيقة والمشاعر.
أكمل شهريار حديثه وهو لا يعلم أن كل كلمة يقولها تقربها منه أكثر، وتجعل المهمة التي جاءت من أجلها أصعب بكثير...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!