الحقيقة التي غيرت كل شيء
_______***
كانت السلطانة الأم تتابع الموقف منذ بدايته، تراقب نظرات آيلين المتجهة نحو شهرزاد، وتشعر بأن هناك أمرًا تخفيه تلك النظرات، وقبل أن تتحدث آيلين، أجابت السلطانة بدلًا منها:
- إنها مصابة بفايروس إيبولا يا مولاي.
أغمضت آيلين عينيها بقوة ما إن سمعت كلمات السلطانة، لقد نسيت وجودها هنا، ونسبت ذكاءها ودقة ملاحظتها للتعابير.
كانت تريد إخباره بأمر سينثيا وإدوارد، فقد رأت شفتيها تتحركان، وهذا دليل واضح في نظرها على أنها فتاة كاذبة تستطيع الكلام، لكنها الآن وجدت نفسها في مأزق.
فتحت عينيها عندما وصلها صوت شهريار القلق:
- وهل هي بخير أيتها الطبيبة آيلين؟ أعلم أن هذا المرض معدٍ وقاتل، إنه فتاك جدًا.
ألقت آيلين نظرة سريعة نحو شهرزاد، فرأت علامات الرجاء واضحة في عينيها، نعم، لقد تسرعت.
لقد نسيت أن شهريار درس الطب في الماضي، قبل أن تتراكم عليه مسؤوليات الحكم والحروب التي خاضتها مملكته، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبه:
- عليّ أن أعيد الفحص مرة أخرى يا مولاي، لأنني كنت أشك به في البداية، لكن علامات التعب التي ظهرت على سينثيا لاحقًا ليست كذلك.
نظر شهريار إلى شهرزاد التي كانت تمسك يده بقوة، ثم تحدث بأمل:
- أرجو ألا يكون هناك شيء سيئ، وأن يكون تقريرك عن حالتها خاطئًا.
ثم نظر إلى آيلين بعقدة استياء بين حاجبيه، متذكرًا أمرًا مهمًا:
- بالمناسبة، لقد قمت بتغيير اسمها أيتها الطبيبة، إنها شهرزاد وليست سينثيا.
ابتسمت شهرزاد باتساع، ثم وضعت رأسها على كتفه وهي تحمد الله في داخلها، لقد خرجت من هذا المأزق سالمه، بعدما كادت أن تموت خوفًا.
بعدها رفعت عينيها نحو آيلين، فوجدتها تكاد تنفجر غضبًا، أسرعت آيلين في الرد:
- أعتذر يا مولاي، لم أكن أعلم.
ثم تابعت موضحة:
- لكن كما أخبرتك، فايروس إيبولا تتراوح فترة حضانته لفترة طويلة نوعًا ما، وبداية ظهور أعراضه تكون بين يومين إلى واحد وعشرين يومًا.
ظل شهريار يستمع إليها بتركيز، كان يعلم خطورة هذا المرض، فقد درس عنه من قبل، وإذا كانت شهرزاد مصابة به حقًا، فهذا يعني أنه لن يستطيع الاقتراب منها مطلقًا، لأنه ينتقل بالعدوى حتى ظهور الأعراض، والتي تبدأ عادةً بحمى شديدة، وآلام في العضلات، وصداع، والتهاب في الحلق، ثم تتبعها أعراض أخرى.
رغم ذلك خاطر بنفسه واقترب منها، ثم عقد حاجبيه بتساؤل، ثم نظر إلى آيلين:
- هل يمكنكِ تشخيص حالتها أيتها الحكيمة آيلين؟ أم أحضر حكيمًا آخر لتشخيصها؟ لا أقلل من قدرك، لكن ربما تشعرين بالإرهاق واختلط عليكِ الأمر.
أسرعت السلطانة إليزابيث بالتدخل:
- هل يمكنك يا مولاي أن تخرج لبعض الوقت حتى تتمكن الحكيمة آيلين من فحص شهرزاد والتأكد من حالتها؟ لا نريد انتقال العدوى إليك أنت حاكم البلاد وتعبك يعني تعب البلاد أجمع.
زم شهريار شفتيه باستنكار، فهو لم يكن يريد الابتعاد عنها، لكنه في النهاية أومأ، اقترب منها وقبّل رأسها بحنان صاربًا بكل شيءٍ عرض الحائط قبل أن يعتدل واقفًا:
- وافيني بخبر كونها سليمة أيتها السلطانة، سأذهب إلى جناحي لأكمل أعمالي التي تركتها في المنتصف.
أومأت له إليزابيث، وتابعت خطواته حتى خرج من الغرفة، وما إن أغلق الحراس الباب خلفه، حتى عادت بنظرها إلى شهرزاد وآيلين.
جلست أمامهما، ونظراتها تحمل هدوءًا يخفي خلفه عاصفة من الأسئلة، ثم تحدثت:
- أخبروني... ما الذي يحدث هنا؟
بللت شهرزاد شفتيها بتوتر، وأنزلت نظرها إلى الأرض، أما آيلين فتقدمت منها، وانحنت باحترام:
- مولاتي وسيدة القصر... إن أخبرتك بشيء، هل ستصدقينني؟
نظرت إليها إليزابيث بقلق، ثم أومأت:
- أخبريني لأرى ماذا يوجد بجعبتك.
أخذت آيلين نفسًا عميقًا، ثم نظرت نحو شهرزاد بمكر:
- مولاتي، لقد رأيت سينثيا تقف مع الملك إدوارد في باحة الحديقة الخلفية، وكانت تبكي بشدة، بينما كان الملك يصرخ في وجهها، وكانت عروق وجهه بارزة من شدة الغضب، حتى انه أمسك بقكها بين يديه.
ثم تابعت بثقة:
- وبعد ذلك رأيت سينثيا تحرك فمها، وهذا دليل على قدرتها على الكلام.
نظرت كل من شهرزاد والسلطانة الأم إلى آيلين بصدمة، ثم التفتت كل واحدة منهما إلى الأخرى، وكأنهما تحاولان استيعاب ما سمعته، لكن آيلين لم تتوقف عند ذلك الحد، بل أكملت بعدما شعرت أنها أصابت هدفها:
- وعندما واجهتها أنكرت الأمر بشدة، لكنني متأكدة من شيء واحد يا مولاتي... هناك شيء بين سينثيا والملك إدوارد.
بدأت دموع شهرزاد تتسابق على وجنتيها، بينما كانت تهز رأسها نافية بخوف، أما إليزابيث فأغمضت عينيها بهدوء، ثم تحدثت بنبرة ثابتة:
- هل انتهيتِ أيتها الحكيمة؟
أجابتها آيلين بهدوء:
- أجل مولاتي.
أشارت إليزابيث نحو الباب:
- إذًا يمكنك الخروج الآن.
مسحت شهرزاد دموعها بخوف، وهي تراقب السلطانة التي كانت تنظر إليها بخيبة وألم، تقدمت إليزابيث نحوها بعدما غادرت آيلين الغرفة، لكنها توقفت ورفعت يدها تطلب منها البقاء في مكانها، ثم قالت بهدوء يخفي خلفه غضبًا كبيرًا:
- أريدك أن تخبريني الحقيقة كاملة يا سين.
ارتفع نحيب شهرزاد، وصوت بكائها كان يحمل في داخله كل الخوف الذي حاولت إخفاءه طوال الأيام الماضية، نظرت إليها إليزابيث بملامح متألمة، لكنها حاولت أن تبقى ثابتة أمامها، تحدثت بنبرة أكثر حزمًا:
- لا أريد بكاءً يا سين، أريد جوابًا... وبالأحرى أريد أن أعلم الحقيقة.
ظلت شهرزاد تبكي بصمت، وعقلها يرسم أسوأ الاحتمالات، تخيلت غضب شهريار، ونظرات الخيانة التي ستراها في عينيه، والمصير الذي ينتظرها بعد أن يعرف أنها خدعته، كانت تخاف من كل شيء.
من خسارته...ومن خسارة نفسها.
راقبتها إليزابيث للحظات، ثم عندما لم تجد منها إجابة تحركت نحو الباب وهي تقول:
- بما أنك لا تريدين إخباري، فالملك شهريار يستطيع إجبارك على قول الحقيقة.
انتفضت شهرزاد فورًا، وأمسكت يدها قبل أن تصل إلى الباب، حاولت إخراج صوتها، لكن الكلمات بقيت عالقة في حلقها، وكأنها تخشى أن تعترف بالحقيقة.
ثم خرج صوتها أخيرًا ضعيفًا ومليئًا بالاختناق:
- ليس بيدي... أقسم لكِ.
تجمدت إليزابيث في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية، هل... هل تحدثت؟ هل سمعت صوتها فعلًا؟ نظرت إلى شهرزاد بعدم تصديق، بينما جلست الأخيرة على الأرض وهي تبكي:
- لقد أجبروني على ذلك مولاتي.
ابتعدت إليزابيث عنها قليلًا، تنظر إليها بمشاعر متناقضة.
الغضب...والشفقة...والصدمة.
رفعت شهرزاد عينيها إليها، ثم هتفت بصوت مرتجف:
- لكن أريدك أن تعلمي شيئًا يا مولاتي... لقد أحببتك بصدق.
جلست إليزابيث بضعف على المقعد القريب، وأغمضت عينيها للحظات، كانت تحاول استيعاب كل ما يحدث.
بعد صمت طويل فتحت عينيها وسألتها:
- من الذي أرسلك؟
نظرت شهرزاد إليها بألم، ثم أجابتها:
- قبل أن أخبرك بالحقيقة... هل تعطيني الأمان؟
تنهدت إليزابيث ببطء، كانت تفكر في هذه الصدمة الكبيرة التي تلقتها، وفي الفتاة التي أمامها، والتي لم تعد تعرف هل تغضب منها أم تشفق عليها، ثم أومأت متنهدة:
- أخبريني بما لديك، لكن إن لم أقتنع بما تقولينه، فسوف تتحملين نتائج أقوالك وأفعالك يا سين.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!