حين يصبح القلب عدوًّا للعقل
بقيت كلمات شهريار معلقة بينهما، وكأنها لامست شيئًا مخفيًا داخل قلبها.
نظرت إليه سينثيا بتوتر، تحاول الهروب من نظراته التي كانت تخترق صمتها وتكشف ما تحاول إخفاءه.
لكن شهريار لم يبتعد، بل ظل يتأمل عينيها اللتين تبدل لونهما مع مشاعرها المتناقضة، وكأنهما تحملان حكايات كثيرة لا تستطيع الكلمات التعبير عنها.
ابتسم بخفة وهو ينظر إليها باهتمام:
- هل تعلمين أن عينيكِ تغيرتا؟ لقد أصبحتا بلون أغمق.
ارتبكت من ملاحظته الدقيقة، وابتسمت بتوتر قبل أن تنهض محاولة تغيير الموضوع والابتعاد عن تلك اللحظة التي جعلتها تشعر بأنها مكشوفة أمامه.
لكن شهريار وقف خلفها وأمسك يدها بلطف مستفسرًا:
- إلى أين؟
نظرت إليه باستغراب، ليكمل وهو يبتسم بهدوء:
- سوف ننام هنا، لن أعود إلى المملكة الليلة.
اتسعت عيناها قليلًا، ونظرت حولها بقلق، هل سيبقيان هنا في وسط الغابة؟
لاحظ خوفها، فأمسك يدها مطمئنًا إياها وأعادها معه إلى مكانهما:
- لا تخافي... انظري إلى الحراس حولك، إنهم يقومون بعملهم. أنتِ بأمان، شهرزاد.
أومأت له، لكنها لم تستطع منع ذلك الشعور الغريب الذي يملأ قلبها، عادت معه إلى الأرض، فاستلقى شهريار ومد يده إليها.
ترددت للحظة، ثم أمسكت يده وجلست بالقرب منه، قبل أن تضع رأسها على صدره، أغمضت عينيها وهي تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة، ذلك الصوت الهادئ الذي منحها إحساسًا بالأمان لم تعهده منذ وقت طويل.
ابتسمت دون إرادة منها، ثم غلبها التعب بعد يوم مليء بالمغامرات والمشاعر المتناقضة، فاستسلمت للنوم العميق، أما شهريار، فبقي مستيقظًا للحظات.
كان يمرر أصابعه بين خصلات شعرها بابتسامة هادئة، مستمتعًا بقربها منه، لقد وجدها بعد أن أصبح في الثلاثين من عمره...
لكن السؤال الذي لم يستطع تجاهله كان يراوده، هل فرق العمر بينهما سيكون عائقًا؟ أم أن الأمر لا يعني شيئًا أمام ما يشعر به؟
تنهد بعمق، محاولًا إبعاد تلك الأفكار، ثم أغمض عينيه أخيرًا، واستسلم للنوم براحة لم يشعر بها منذ وقت طويل.
_______***
في الصباح، استيقظ شهريار ببطء، وكانت أول صورة وقعت عليها عيناه هي شهرزاد التي ما زالت نائمة بعمق بجانبه.
بقي يتأملها للحظات، وكأنه يحاول حفظ تفاصيل وجهها الهادئ، رفع نظره إلى السماء، فرأى العصافير تحلق بحرية بين الأشجار، قبل أن يقطع شروده صوت قريب منه.
التفت، ليجد دكستر قد استيقظ هو الآخر، يحاول فتح عينيه بتكاسل وكأنه لا يزال عالقًا بين النوم واليقظة، ضحك شهريار على تصرفه، ثم شعر بحركة شهرزاد بجانبه.
أغمض عينيه بسرعة، وكأنه يريد أن يكتشف شعورها نحوه دون أن تشعر، فتحت شهرزاد عينيها، وكان أول ما رأته وجه شهريار القريب منها.
نظرت إليه بابتسامة هادئة، ثم اعتدلت في جلستها وهي تبحث عن دكستر، وما إن مدت يديها نحوه حتى قفز إليها مسرعًا، فاحتضنته وقبلته بحب.
فتح شهريار عينيه بضيق حقيقي، ثم اعتدل في جلسته عندما رأى اهتمامها بالثعلب أكثر منه.
جلست دكستر على قدميها، ثم وضعت يدها على كتف شهريار بابتسامة، بادلها ابتسامة فاترة قليلًا، لقد أحبها حقًا...
وكان يتوقع أن تكون ردة فعلها مختلفة، أن تبحث عنه أولًا كما يفعل هو، أخذ نفسًا عميقًا محاولًا إخفاء خيبة أمله الصغيرة، ثم التفت إليها:
- صباح الخير، شهرزاد.
بادلته الابتسامة وأومأت له، وقف شهريار بعدها، ثم نادى أحد الحراس وأمره:
- اجمعوا المتعلقات، سوف نعود إلى القصر.
ثم التفت إليها:
- سوف نعود إلى القصر، هيا بنا... لدي أعمال تراكمت منذ فترة.
وقفت وهي تنفض ثيابها، ثم أومأت له، حاملة دكستر بين يديها، وسارت خلفه نحو الخيل، ساعدها شهريار على الصعود، ثم اعتلى حصانه بخفة، وانطلق بها نحو القصر والحرس يحيطون بهم لحمايتهم.
_______***
وصل شهريار إلى القصر بعد رحلة هادئة، وما إن توقف عند البوابة حتى ترجل عن حصانه، ثم اقترب من سينثيا ليساعدها على النزول برفق.
أشار إلى أحد الحراس أن يأخذ الخيل ويعيده إلى مكانه، بينما بقيت عيناه تتابعان خطواتها باهتمام، وكأنه يخشى أن تبتعد عنه حتى للحظات.
في ذلك الوقت، كانت السلطانة إليزابيث تقف في الأعلى تراقبهما من بعيد، ارتسمت ابتسامة عفوية على وجهها وهي تراهما معًا، كانا يبدوان كأنهما ثنائي خُلق ليكون بجانب الآخر...
لكن سؤالًا واحدًا بقي يراودها، هل يمكن أن تكون سينثيا مناسبة حقًا لشهريار؟
لقد رأت الكثير من الأميرات في حياتها، بعدد لا تستطيع حتى تذكره، لكن هذه الفتاة كانت مختلفة، كان بها شيء خاص...شيء غامض يجعل من يراها يرغب في معرفة قصتها.
انتبهت إلى وجود جودي بجانبها، والتي لاحظت ابتسامتها الواضحة، ابتسمت الأخرى وهي تنظر إليها باستفسار:
- أراكِ مبتسمة، سلطانة.
التفتت إليها إليزابيث، ولم تستطع منع الابتسامة التي ارتسمت على وجهها، ثم تحدثت بحنان:
- إنني آمل أن يكون مولاي وسين معًا... لا أعلم لماذا، لكنني أراهما مناسبين لبعضهما البعض.
توقفت للحظات وهي تنظر إليهما، ثم تابعت:
- صحيح أنني رأيت أميرات كثيرات بعدد شعر رأسي، لكن بسين شيء مختلف عنهن... شيء خاص ومميز، إن نظرتِ إليها جيدًا، سترين أميرة نبيلة، رغم أنها لا تحمل تاجًا فوق رأسها.
نظرت جودي إليها بتفكير، وكأن كلماتها حركت شيئًا داخلها:
- وأنا أشعر بشيء غامض تجاهها أيضًا، لكنني لا أريد أن أجزم بشيء قبل أن تظهر الحقيقة كاملة.
قاطعهما طرق الباب، ثم دخلت سينثيا بخطوات هادئة تحمل ابتسامة ودودة، ابتسمت لها السلطانة فور رؤيتها، فتقدمت سينثيا وانحنت احترامًا، ثم قبلت يدها.
جلست بجانبها، وألقت نظرة ترحيب على جودي وهي تحييها برأسها، نظرت إليها إليزابيث بابتسامة لطيفة، ثم سألتها:
- أخبريني يا سين، كيف كان يومك بالأمس؟
ابتسمت سينثيا فور تذكرها لما حدث، ولم تستطع الكلمات أن تعبر عما بداخلها، لكن ابتسامتها وحدها حملت الإجابة،ىفهمت السلطانة من نظراتها، فمدت يدها تمسح على شعرها بحنان:
- حسنًا... لقد فهمت أنه كان يومًا خاصًا، اذهبي الآن لترتاحي قليلًا.
وقفت سينثيا بطاعة، ثم وقعت عيناها على كادي للحظة قبل أن تتحرك خارجة باتجاه غرفتها، نظرت كادي إلى السلطانة بتردد، ثم تحدثت بهدوء:
- سلطانتي، هل أذهب وأساعدها قليلًا؟
أومأت إليزابيث بالموافقة:
- أجل، كادي... إنها فكرة جيدة.
انحنت كادي احترامًا، ثم خرجت خلف سينثيا، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق بابها، ثم فتحته ودخلت، وأغلقت الباب خلفها.
ما إن رأتها سينثيا حتى تبدلت ملامحها إلى سعادة حقيقية، اندفعت نحوها مسرعة واحتضنتها بشوق.
- لقد اشتقت إليكِ كثيرًا، كادي.
اغرورقت عينا كادي بالدموع وهي تبادلها العناق:
- وأنا أيضًا اشتقت إليكِ، مولاتي.
ابتعدت عنها سينثيا، ومسحت دموعها بلطف، ثم جلست على السرير وهي تبتسم لها برفق:
- ما الأخبار، كادي؟
تنهدت كادي، ثم أجابتها مطمئنة:
- لا شيء يدعو للقلق، كل شيء كما تعلمين، مولاتي... أخبريني أنتِ، ما الأخبار؟
ساد الصمت للحظات، ونظرت سينثيا أمامها بضياع:
- لا أعلم يا كادي... إنه طيب القلب، بعكس ما قاله لي عمي، أتعلمين أنني أشعر بالانجذاب نحوه؟
شهقت كادي بقلق، ثم نظرت إليها بجدية.
- إياكِ يا مولاتي أن تقعي بحبه، إن علم الملك بهذا، ستقوم حرب لن يخمدها سوى أرواح كثيرة... ولا تنسي أيضًا أنكِ مخطوبة للملك إيدورد، عدو الملك شهريار.
خفضت سينثيا عينيها بحيرة، وكأن كلماتها أعادت إليها الحقيقة التي تحاول نسيانها.
- أخبريني... ماذا أفعل يا كادي؟
جلست كادي تفكر للحظات، ثم أجابت:
- عليكِ أن تنهي مهمتك التي قدمتِ من أجلها، وأن تضعي قلبك ومشاعرك جانبًا، مولاتي.
ابتسمت سينثيا بحزن، ثم همست:
- هل تعلمين أنه أطلق عليّ اسمي الحقيقي... شهرزاد.
نظرت إليها كادي بألم، فهي ترى الصراع الذي تعيشه داخلها؛
- أعلم، مولاتي... لكنكِ لا تستطيعين حتى أن تسمحي لنفسكِ بالإعجاب به، أنتِ تعلمين تفكير إيدورد، لقد وافق بصعوبة على مجيئكِ إلى هنا وتمثيل هذا الدور... أن يظن الجميع أنكِ تهيمين به عشقًا.
تنهدت سينثيا بضيق وقد اغرورقت عيناها:
- لكنني لا أكن له أي مشاعر، كادي... وأنتِ تعلمين هذا.
زفرت كادي وهي تفكر، ثم تحدثت بهدوء:
- لا أعلم يا مولاتي... لكنني لم أشاهد من الملك شهريار أي سوء حقًا، صحيح أنه عصبي بدرجة كبيرة، وللمرة الأولى أراه هادئًا بهذا الشكل مع أحد. لقد أثرتِ به... وربما يكون هذا جيدًا.
ابتسمت سينثيا بحزن، وعادت ذاكرتها إلى اليومين الماضيين، إلى ضحكاته...إلى معاملته...إلى الأمان الذي شعرت به بجانبه.
ابتسمت دون إرادة منها، فلاحظت كادي ذلك وسارعت بتنبيهها:
- مولاتي... لا تتوهّمي بحبه، تذكري أنه من قتل والديكِ.
أغمضت سينثيا عينيها بألم، ثم تنهدت وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنع غيرها:
- لقد صدقتِ... سوف أقوم بالتخلص منه، وأعود إلى حياتي كما كنت.
لكن الكلمات خرجت هذه المرة بصوت ضعيف... وكأن قلبها لم يعد يؤمن بها كما كان من قبل.
...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!