قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 22 من 23
وضع القراءة:

حين يخذل الإنتقام صاحبه

_________**
ظل دانيال صامتًا للحظات طويلة بعد اعتراف كادي، لم تكن الكلمات التي سمعها سهلة.
كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب كل شيء ظنه صحيحًا عنها منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها القصر.
رفع رأسه ببطء، والتقت رماديّتاه بسواد عينيها المرتبكتين، لم يغضب، ولم يصرخ....وكان هدوؤه هو أكثر ما أخافها.
أطلق زفرة بطيئة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم تستطع كادي فهم معناها:
- أعلم كل شيء يا كادي.
اتسعت عيناها بدهشة، وكأنها لم تسمع الجملة جيدًا، حدقت في وجهه تبحث عن أي أثر للخداع، ثم خرج سؤالها مترددًا:
- من أين تعرف؟ هل أخبرك الملك شهريار؟
أومأ لها، ثم اعتدل في جلسته وأخذ نفسًا عميقًا:
- أجل، لقد أخبرني، لكنه نبّهني ألا أتعرض لكِ بسوء، فقد أخذ مني ضمانًا بذلك.
ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة من نفسه، وأردف:
- أتعلمين يا كادي؟ كنت أشك في أمرك منذ البداية، لكنني رميت ذلك الشعور خلف ظهري. رأيتكِ في إحدى المرات تتحدثين مع إدوارد عندما كان هنا، فقلت لنفسي إنكِ ربما كنتِ تنقلين طلبًا منه، لكن الورقة التي دسستِها في جيبكِ أعادت الشكوك إلى رأسي من جديد.
ابتلعت كادي ريقها بصعوبة، ثم رفعت عينيها نحو السماء، وكأنها تبحث بين النجوم عن شجاعة تساعدها على مواجهة الرجل الجالس بجانبها:
- أتعلم يا دانيال؟ منذ أن وطئت قدمي هذا القصر، وحين وقعت عيناي عليك للمرة الأولى، كنت أريد أن أخبرك بكل شيء. لكنني كنت خائفة... خائفة من عقاب الملك داني، وخائفة أكثر من عقاب الملك شهريار. هل تتذكر أول لقاء بيننا؟
أومأ دانيال، وجلست إلى جواره، لم يكن ذلك اللقاء بالنسبة إليه ذكرى عابرة، كان من تلك اللحظات التي بقيت في ذاكرته رغم مرور الأيام:
- أجل، لا أنساه أبدًا. عندما التقيت بعينيكِ السوداوين، كسواد الليل الحالك، شعرت وكأن مجرات كاملة تدور داخلهما، وكأنها تطلب مني أن أقترب، أو ربما كانت تحذرني من أن أضيع فيهما.
ابتسم بحنين، ثم تابع:
- لا أعلم ماذا فعلتِ بي حينها. كل ما أتذكره أنني بمجرد سماع صوتكِ وأنتِ تخبرينني أنكِ تبحثين عن عمل في القصر، ضعت في صوتكِ قبل أن أعرف حتى اسمكِ. ولم ينقذني من شرودي سوى صوت الملك حين سأل عما تريدين.
ضحكت كادي بخفة رغم دموعها، فابتسم لها قبل أن تتغير ملامحه إلى شيء أكثر جدية:
- وأحمد الله أن الملك لم يكن ممن يقضي وقته مع كل جارية تدخل القصر، وإلا لكنت متُّ فعلًا قبل أن أعرف حتى ماذا حدث لي.
اقترب منها، ورفع يده ليمسح دموعها المنهمرة عن وجنتيها:
- أعلم أنكِ مذنبة، وأعلم أن مجيئكِ إلى القصر كان لغرض نقل الأخبار، حتى لو كانت تلك الأخبار في نظركِ صغيرة. وأعلم أيضًا أن شهرزاد كانت تملي عليكِ ما تقولينه لداني. لكن هذا كله لا يلغي الحقيقة.
أخفضت كادي رأسها، ثم رفعت يدها وأبعدت وجهها عن كفيه برفق، كانت تريد أن تقول له الحقيقة كاملة، دون خوف أو مواربة:
- أعتذر يا دانيال. وإن كنتَ قد وافقت على خطبتي مجبرًا، فأنا أحررك من ذلك. صدقني، سأستطيع تحمل الأمر.
ضحك دانيال بخفة، ثم ضرب جانب رأسها بأطراف أصابعه:
- أيتها الحمقاء... لو كنت أريد أن أترككِ، فهل كنت سأظل واقفًا هنا أصلًا؟ الملك ألصقنا ببعضنا، وأريد أن أشكره على ذلك. لقد تمنيت هذه اللحظة منذ زمن طويل.
ثم اعتدل في جلسته، ومد يده إلى جيبه وأخرج علبة صغيرة، حدقت كادي في العلبة، ثم رفعت عينيها إليه باستغراب.
فتحها......كان بداخلها خاتم فضي تتوسطه ألماسة متوسطة الحجم، نهض دانيال، ثم انحنى أمامها على ركبة واحدة، ممسكًا بالعلبة بين يديه.
تجمدت كادي في مكانها، أما هو، فنظر إليها بثبات، وكأنه للمرة الأولى لا يخشى شيئًا:
- كادي، أنا بكامل قواي العقلية والبدنية، وبكامل إرادتي، أريدكِ أن تكوني زوجةً لي. فهل تقبلين أن أكون سلطانًا على قلبكِ قبل أن أكون سلطانًا عليكِ، آنستي؟
انهارت دموعها دفعة واحدة، ولما طال صمتها، ابتسم دانيال وقال مازحًا:
- حسنًا... بدأت قدماي تؤلمانني، فلا تضيعي هذا المشهد، فأنا لا أنوي تكراره اليوم.
خرجت منها ضحكة مختنقة بين دموعها، ثم أومأت برأسها.
تنفس دانيال براحة عميقة، وكأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره وانزاح أخيرًا:
- وأخيرًا...
أخرج الخاتم من العلبة، وأمسك يدها بحذر، ثم أدخله في إصبعها، بقيت يدها بين يديه للحظات، نظرت إلى الخاتم، ثم رفعت عينيها إليه، كانت ابتسامتها هذه المرة حقيقية.
اعتدل دانيال واقفًا ومد يده نحوها:
- تعالي، لندخل. لقد أطَلنا البقاء هنا... رغم أنني، بصراحة، لا أريد لهذه اللحظة أن تنتهي.
ضحكت بخفة، ثم وضعت يدها في يده، ودخلا القصر معًا، وابتسامتهما تحمل وعدًا جديدًا لم يكن أيٌّ منهما يجرؤ على الحلم به قبل أيام.
_________**
في الجهة الأخرى من القصر، كان إدوارد يقف أمام داني غاضبًا، ضرب يده على المنضدة بعنف، حتى ارتج ما فوقها:
- كيف سمحتَ بشيء كهذا يا داني؟ كيف؟ ولماذا جعلتني أصمت هناك؟ إنها خطيبتي! كيف حدث هذا؟
جلس داني على مقعده الملكي، ونظر إليه بهدوء محاولًا السيطرة على الموقف:
- إدوارد، افهم أولًا أن ما حدث في مصلحتنا. لقد سهّل علينا الكثير.
ضحك إدوارد بسخرية من شدة غضبه:
- أقسم أنك غبي يا داني! ألم ترَ أن هذا فخ من الملك؟ ألم تشاهد الحزن في عيني شهرزاد وهي تنظر إليك بأسف؟
توقفت ملامح داني لحظة، ثم نظر إليه بشك:
- ماذا تقصد يا إدوارد؟ هل شهرزاد أخبرته؟
رفع إدوارد كتفيه ثم أسقطهما:
- لا أعلم، ربما أخبرته، وربما اكتشف الأمر بنفسه، لكن الشيء الذي أنا متأكد منه أن شهريار يعلم بخطتك الفاشلة.
صمت قليلًا، ثم تابع:
- ألم تلاحظ رسالتها الأخيرة؟ كان حديثها مترددًا، وكان الخوف واضحًا بين كلماتها. وحتى الملك أصر على حضورنا، وقال إنه يحضر لمفاجأة كبيرة.
ظل داني ينظر أمامه، يعيد كل كلمة في رأسه، ثم تمتم:
- يبدو ذلك حقًا... كيف لم أنتبه إلى هذا؟
همس إدوارد بسخرية:
- لأنك غبي وأبله.
تجاهله داني، ثم عقد حاجبيه مفكرًا:
- إذًا علينا أن نكون أكثر حذرًا من الآن. بالتأكيد سيحاول القضاء علينا.
أومأ إدوارد بتأكيد:
- أجل، هذا صحيح. لكن هل لديك خطة؟
أومأ داني وهو شارد الذهن:
- أعتقد ذلك، أنت اذهب الآن لديك موعد مع الملك آرتس، حاكم مملكة ريوكيو، في الصباح الباكر. يبدو أنه لم يتمكن من حضور حفلة شهريار اليوم.
أغمض إدوارد عينيه للحظة، محاولًا ألا ينفجر في وجهه، ثم استدار وغادر متوجهًا نحو الخارج.
_________**
كان شهريار لا يزال يقف أمام شهرزاد، استمع إليها حتى النهاية، استمع إلى كل كلمة خرجت من قلبها، وإلى كل رجاء ارتجف بين حروفها.
ورغم كل ما حاول إقناع نفسه به، لم يستطع أن يمنع عينيه من ملاحظة صدقها، كانت تقف أمامه وهي تبذل آخر ما تملك من كرامة في سبيل ألا تخسره.
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما، وقال بصوت متماسك بالكاد:
- هذا لا يشفع لكِ يا شهرزاد.
استدار نحو الباب، لكن يدها أمسكت بيده وأوقفته، التفت إليها بضيق:
- استمع إليّ أولًا، مولاي.
حاول سحب يده منها:
- لا أريد أن أستمع إلى صوتكِ، هل فهمتِ؟
رفعت عينيها إليه، كانت زرقاويتاها مبللتين، لكنهما لم تكونا منكستين، هذه المرة لم تهرب منه، بل واجهته:
- إن كنت تظن أنني ما زلت كاذبة، فأنا أضع بيني وبينك ميثاقًا بصدقي، أنا لم أعد أكتفي بحبك، بل أريد عشقك وحنانك وقلبك، دعني أرى الدنيا من عينيك، وأتعلم السعادة من سعادتك، وأعرف كيف أتحدث عنها من قلبك.
سكتت لحظة، ثم تابعت بصوت أكثر ضعفًا:
- دعني أنظر إلى الأرض من عينيك، ودع حبك يكون في يدي وقلبي. دعني أعود طفلة أمامك، وتعلمني أنت معنى غرامك. دع الليل يشهد حبي لك، والنهار يشهد شوقي إليك. أريدك لي يا مولاي، ولن أسمح لغيري أن يأخذك مني.
أغمض شهريار عينيه بقوة، كان يعرف أنه يضعف، وكان يعرف أيضًا أنه لا يريد أن يضعف، اقتربت منه بخطوات مترددة، ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته.
تجمد مكانه، لم يتحرك، حتى أنفاسه توقفت لثوانٍ، ابتعدت عنه عندما شعرت بتشنج جسده، ثم ابتسمت بخفة، لقد نجحت الفكرة التي اقترحتها عليها السلطانة في الصباح.
كانت قد أخبرتها أن قبلة منها ربما تستطيع أن تهدئ ذلك الأسد الثائر، استجمَع شهريار نفسه، ونظر إليها باستغراب:
- ماذا تفعلين؟
رفعت رأسها بثقة:
- أريد أن أعقد معك اتفاقًا آخر، مولاي.
رفع حاجبه بسخرية:
- وما هو، جلالتك؟
حمحمت، متجاهلة سخريته:
- أن أروي لك قصة، وإن أعجبتك، تسامحني. وإن لم تعجبك، يمكنك أن تفعل بي ما تشاء.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، كان يعلم أنها تحاول الوصول إلى قلبه من باب آخر، وقبل أن يجيب، تعالت طرقات على باب الجناح.
سمح للطارق بالدخول، وانفتح الباب لتدخل آيلين بخيلاء واضحة، بفستانها الطويل ذي اللون الناري،زانحنت أمام الملك باحترام:
- جلالتك، لقد طلبتني.
_________**
بعد انتهاء الحفلة ومغادرة معظم الضيوف، صعدت السلطانة إليزابيث إلى جناحها، كانت متعبة، بدلت ثيابها، ثم جلست على المقعد بينما كانت جودي تساعدها.
نظرت إليها إليزابيث طويلًا قبل أن تسأل:
- برأيك، هل كان تصرف شهريار صحيحًا؟
تنهدت جودي، ثم أجابتها بصدق:
- لا، مولاتي ليس صحيحًا تمامًا، الأميرة شهرزاد مخطوبة للملك إدوارد، وقد رأيت الانكسار في عينيه. لكن من ناحية أخرى... تصرف شهريار مفهوم ومنطقي بالنظر إلى ما اكتشفه.
جلست إليزابيث متنهّدة:
- أجل، معك حق. لكنني أشفق عليها. إنها صغيرة يا جودي، وقد خُدعنا جميعًا بسببها قبل أن نعرف الحقيقة.
أومأت جودي:
- صحيح، لكنها كانت تستطيع أن ترفض منذ البداية أو أن تفكر جيدًا قبل أن تبني قرارها على وعود الآخرين وأقوالهم.
زفرت السلطانة بقوة، ثم قالت:
- لقد طلب مني أن أحضر له آيلين. يريدها في جناحه.
اتسعت عينا إليزابيث، ونهضت من مكانها:
- وهل أخبرتها يا جودي؟
أومأت جودي:
- إنها في طريقها إليه، مولاتي.
توجهت إليزابيث نحو الباب بسرعة:
- تعالي معي يا جودي. يبدو أن شهريار يريد أن يجرح شخصًا آخر الليلة.
_________**
كانت شهرزاد تحدق في آيلين بغيظ واضح، لم تحتج إلى سؤالها عن سبب مجيئها، تقدمت منها بضيق:
- اخرجي إلى الخارج.
رفعت آيلين عينيها إليها، وعلى شفتيها ابتسامة تخفي ما في داخلها:
- من بعد إذنك، لقد طلبني الملك، وأتيت لأعرف ما الذي يريده.
نظر إليها شهريار، ثم همّ بالحديث:
- شكرًا لكِ يا آيلين، لقد كنت أريد...
لكن شهرزاد قاطعته، كانت غيرتها أسرع من عقلها:
- لقد كان يريدكِ لتكشفي عليّ، فيبدو أنني أحمل ولي العهد.
توقفت الكلمات في المكان، ساد صمت ثقيل، تجمد شهريار في مكانه.
أما آيلين، فبقيت تنظر إلى شهرزاد وكأنها لم تفهم ما سمعته، ثم ابتسمت شهرزاد، محاولة إخفاء ارتباكها:
- شكرًا لكِ. فأنا أعرف أنني كذلك، لكن لتأكيد الأمر ليس إلا.
اتسعت عينا إليزابيث بسعادة، وقد كانت قد دخلت للتو مع جودي وسمعت الجملة الأخيرة، اقتربت منها بسرعة، واحتضنتها بفرح:
- هل حقًا ما تقولينه، ابنتي؟ مبارك لكِ، حبيبتي!
ثم التفتت نحو شهريار الذي ظل واقفًا في مكانه، وكأن عقله توقف عن العمل:
- مبارك لك، مولاي. لقد سعدت حقًا.
وأخيرًا خرج صوت شهريار، كان مرتبكًا على نحو لم تعهده فيه السلطانة:
- بارك الله بكِ، حبيبتي، لكن...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.