قلب شهريار
قلب شهريار
جزء 13 من 20
وضع القراءة:

الصدمة

_______***
خفضت شهرزاد عينيها للأسفل، فلم تستطع النظر إلى السلطانة من شدة الخجل، ثم بدأت تروي كل شيء:
- كنت في الثانية عشرة من عمري عندما تلقيت خبر وفاة والدي... الملك آرثر.
توقفت لحظة، وكأن الذكرى تؤلمها حتى الآن، ثم تابعت بغصةٍ شديدة:
- أحضروا والدي أمامي مقتولًا بسيف في صدره، وبعد يومين من تلقي الخبر أخبرني عمي الملك داني أن من قتله هو الملك شهريار حاكم مملكة آستورياس.
سكتت قليلًا، ثم أكملت:
- أتذكر أن والدي ذهب ليقترح معاهدة سلام بين مملكتنا ومملكتكم، صحيح أنني لا أتذكر كل التفاصيل، لكنني كنت أعلم ما يحدث في مملكتي لأنني كنت الوريثة الشرعية لمملكة أبخازيا.
تنفست بصعوبة، ثم قالت:
- بدأ عمي بزرع فكرة الانتقام من الملك شهريار داخل رأسي، صحيح أنني لم أصدقه بنسبة كاملة، كان هناك جزء صغير بداخلي يشك في الأمر... لكن في النهاية، بقي في نظري قاتل والدي، وكان عليّ أن أصدق عمي.
نظرت إلى إليزابيث بحزن:
- أرسلنا كادي إليكم قبل ثلاث سنوات، كانت خادمتي الخاصة لتنقل لنا الأخبار، صحيح أنها لم تكن تفعل ذلك كما أراد عمي، لأنها أحبتكم ورأت تعاطفكم وتسامحكم ومعاملتكم الحسنة، لكنها كانت تخبرني بكل شيء، وكنت أخبرها فقط ببعض المعلومات التي يجب عليها نقلها إليه.
أخذت نفسًا عميقًا تنظر اليها واخيرًا:
- كما أن عمي أحضر أمهر المدرسين ليعلموني لغة الإشارة حتى أستطيع إتقانها، لكن عندما دخلت مملكتكم شعرت براحة لم أتوقعها... شعرت بانجذاب بدلًا من النفور والغضب.
ابتسمت بحزن وقد غامت عيناها:
- وعندما رأيتكِ شعرت بأن والدتي آنيا أمامي.
ثم تلعثمت بخجل:
- ناهيك عن رؤية الملك... لقد...
نظرت إليها إليزابيث تحثها على المتابعة بعدما سكتت:
- لقد ماذا؟
أخفضت شهرزاد عينيها بخجل، ثم تحدثت:
- لقد وقعت صريعة حبه يا مولاتي.
ساد الصمت بينهم، صمت طويل جعل قلب شهرزاد يرتجف، رفعت عينيها نحو إليزابيث، فوجدتها ما زالت تحاول استيعاب اعترافها.
وقفت شهرزاد ببطء، ومسحت دموعها، ثم اقتربت منها:
- أعلم ما الذي تفكرين به يا مولاتي... تريدين التأكد من أنني أميرة حقًا.
ظلت إليزابيث صامتة، فرفعت شهرزاد يدها نحو كتفها، وأنزلت جزءًا من ثوبها لتظهر العلامة الملكية الخاصة بالأميرات.
اقتربت إليزابيث تنظر إليها بدقة، كانت تعرف الأختام والعلامات الملكية جيدًا، فهي ليست شيئًا يمكن تزويره بسهولة، وبعد لحظات، تنهدت بضيق عندما أدركت الحقيقة.
إنها فعلًا أميرة، أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها وسألت:
- والملك إدوارد؟
تغيرت ملامح شهرزاد، وظهر الحزن على وجهها:
- إنه خطيبي... لكنني لم أكن موافقة عليه، إنه زواج أميرات فقط من أجل المصالح، لا أعرف لماذا يفكرون بهذه الطريقة... لماذا لا يأخذ الإنسان من يحب؟ لماذا يجبروننا على أفعال لا نريدها؟
نظرت إليها إليزابيث بعقلانية:
- لأننا نريد مصلحتكم يا سين، صحيح أننا نخطئ أحيانًا، لكننا نريد أن نراكم سعداء، أنا لا أحبذ زواج شهريار من أميرة، لأن ذلك قد يتحول في النهاية إلى حرب بين المملكتين بسبب التنازع على الحكم والسيطرة.
ثم نظرت إليها بشك:
- لكن إن كنتِ أنتِ الأميرة شهرزاد فعلًا...
أومأت شهرزاد بتأكيد:
- أجل مولاتي... فهل تعطينني الأمان؟
تنهدت إليزابيث، ثم أجابتها:
- أريدك أن تعلمي شيئًا يا سين... أقصد يا شهرزاد.
اقتربت منها قليلًا:
- الملك شهريار لم يقتل والدك الملك آرثر مطلقًا.
تجمدت شهرزاد في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة، وكأن كلمات إليزابيث هدمت جدارًا كاملًا بُني داخل قلبها منذ سنوات.
شهريار...ليس قاتل والدها؟
شعرت بأن أنفاسها توقفت للحظة، وأن كل ما آمنت به طوال هذه السنوات بدأ يتغير، تابعت إليزابيث حديثها بهدوء:
- صحيح أنه قدم إلى هنا لعرض السلام والمصالحة، لكن شهريار طلب بعض الوقت للتفكير، ثم في نهاية المجلس أخبره بموافقته قبل أن يغادر.
صمتت قليلًا، ثم أكملت:
- صحيح أن الجميع يظن أن الملك شهريار هو قاتل الملك آرثر، لكنه رغم ذلك لم ينفِ الخبر... بقي صامتًا يتلقى العداء والكراهية من الجميع.
نظرت إلى شهرزاد بتمعن:
- وهذا لسبب في نفسه... ولا بد أنه يعلم القاتل الحقيقي، لكنه ينتظر الوقت المناسب ليعلن براءته أمام الممالك كافة، ويكشف القاتل الحقيقي لوالدك.
بقيت شهرزاد تنظر إليها غير مصدقة، ثم بدأت ابتسامة صغيرة تظهر على شفتيها، بينما امتلأت عيناها بالدموع.
يا إلهي...إذن الرجل الذي أحبته لم يكن قاتل والدها، لم يكن الشخص الذي رسمته في خيالها طوال سنوات، شعرت براحة لم تعرفها من قبل، وكأن حملًا ثقيلًا أُزيل عن قلبها.
لكن إليزابيث قطعت فرحتها بصوت جاد:
- لكن يا شهرزاد، إن علم الملك بكذبك... صدقيني لا أستطيع حمايتك منه.
تلاشت ابتسامتها فورًا، ونظرت إليها بخوف، تابعت إليزابيث:
- ربما أستطيع منعه من إعدامك والتخلص منك، لكن سيكون بعد عذاب كبير.
وضعت شهرزاد يدها حول رقبتها بخوف، ثم سألت بصوت مرتجف:
- ألا يوجد هناك طريقة؟
صمتت لحظة، ثم تابعت:
- أنا لا أريد قتله... صحيح أنهم أحضروني إلى هنا لأتخلص من قاتل والدي، لكنني كنت سأتراجع عن الفكرة، أنا لا أحب القتل وأمقته بشدة.
تنهدت إليزابيث بتفكير، ثم خاطبتها:
- انظري... صحيح أنني متضايقة منك كثيرًا بسبب كذبك عليّ، لكنني لا ألومك تمامًا، لقد كنتِ عالقة في كذبة وخداع من أقرب الأشخاص إليك.
اقتربت منها قليلًا:
- سنضع خطة... خطة تساعدك على مجاراة عمك وتصرفاته، وخطة أخرى تجعلك قادرة على النطق، وتجعل الملك يسامحك إن علم بالأمر.
جلست شهرزاد على السرير تفكر، ثم تحدثت:
- ربما لدى كادي أفكار تستطيع أن تفيدنا بها.
أشارت إليزابيث للخدم بفتح الباب، دخل الحارس وانحنى باحترام:
- أوامرك جلالتك.
أمرت إليزابيث:
- اذهب وأرسل إليّ كادي وجودي.
خرج الحارس لتنفيذ الأمر، ثم نظرت شهرزاد إليها باستغراب:
- ولماذا جودي جلالتك؟
تنهدت إليزابيث وأجابتها:
- لأنها قريبة من الملك شهريار أكثر مني، هي من قامت برعايته في صغره، وهو متعلق بها ويحترم قراراتها وأوامرها.
ثم صمتت قليلًا قبل أن تضيف:
- كما أنها كانت تشك بأمرك، لقد أخبرتني أن أحذر منك، لكنني لا أعلم لماذا أحببتك أنا أيضًا.
نظرت إليها بحنان:
- ربما لأنك ذكرتِني بابنتي الأميرة إيف... فقد فقدتها وهي في التاسعة من عمرها، وأنتِ الآن في نفس عمرها تقريبًا لو كانت موجودة.
قاطع حديثهما طرق على الباب، بعد لحظات دخلت كادي وهي تمسك بيد جودي وتساعدها على المشي، نظرت إليزابيث إليهما ثم أشارت:
- يمكنكم الجلوس.
نظرت شهرزاد نحو كادي، ثم حركت رأسها قليلًا بإشارة جعلت كادي تفهم أن أمرهم قد اكتُشف، اتسعت عينا كادي بصدمة.
لكن إليزابيث ابتسمت لها مطمئنة، ثم وجهت حديثها إلى جودي:
- لقد كان حدسك في مكانه يا جودي بخصوص شهرزاد، لطالما كانت لكِ نظرة خاصة في الآخرين.
ابتسمت جودي بخفة:
- لم تنتبهي جلالتكِ إلى أنك تتعاطفين مع أمثالها.
ثم نظرت نحو شهرزاد:
- هل علم الملك بهذا؟
نفت إليزابيث برأسها:
- لا، لم يعلم.
ثم تابعت:
- لكن هل تعلمين من تكون بالحقيقة؟
نظرت جودي نحو شهرزاد بعدم فهم، فنفت:
- لا.
أجابت إليزابيث:
- إنها الأميرة شهرزاد... الوريثة الشرعية لمملكة أبخازيا.
اتسعت عينا جودي بصدمة كبيرة، كيف لأميرة أن تفعل كل ذلك؟ أين أخلاق النبلاء؟ وأين التصرفات التي تليق بمن تحمل دماء الملوك؟
بدأت إليزابيث تسرد لها كل ما أخبرتها به شهرزاد، كانت كادي تستمع بصمت، لكن عقلها كان يحلل كل كلمة تسمعها.
كانت تريد أن تفهم الحقيقة كاملة، لا أن تحكم عليها بسرعة، نظرت نحو كادي التي كانت تخفض رأسها، ثم تنهدت قائلة:
- وإلى متى كنتِ ستستمرين بكذبتك أيتها الأميرة؟
نظرت شهرزاد إلى الأرض بتفكير، ثم أجابت بصدق:
- صدقيني... لا أعلم.
زفرت جودي بضيق، ثم نظرت إلى إليزابيث:
- في البداية، علينا أن نجعلها تستطيع النطق حتى يصبح الأمر أسهل بالنسبة لنا ولها.
ثم فكرت قليلًا وأضافت:
- ربما نستطيع إخراجها من الصدمة التي منعتها من الكلام بصدمة أخرى... فالشيء الذي ذهب بصدمة قد يعود بصدمة.
نظرت إليها بتردد:
- أو ربما نجعلها تتدحرج من ارتفاع شاهق نوعًا ما... لا أعلم حقًا.
شهقت شهرزاد بخوف:
- لا... لا... لا أريد. ماذا لو حدث الأمر حقيقة؟
تدخلت كادي بسرعة:
- أظن أن لدي فكرة عندما قلتِ صدمة... ربما نجعل أحد الأشخاص يمثل أنه يحاول الاعتداء عليها، وبذلك يخرج صوتها.
نظرت شهرزاد إليها بفزع:
- لا، لا أريد ذلك.
أما جودي فأجابت بتأكيد:
- إنها فكرة جيدة، ويمكنني جعل أحد الحراس يقوم بهذه المهمة، لكن بشرط أن تضمن الملكة الأم سلامته.
أومأت إليزابيث:
- أجل، أستطيع ضمان ذلك، لكنني سأختاره بنفسي حتى أكون واثقة منه، لا نريد أن تتأذى.
وافقت جودي:
- حسنًا، سأحضر بعض الحراس ونتفق على الشخص المناسب.
قالت كادي بقلق:
- لكن من سيخبر الملك؟
وفجأة، انفتح الباب!
توقفت جميع الحركات للحظة، ودلف شهريار إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة، إلا أن ملامحه سرعان ما تغيرت عندما لاحظ التوتر الواضح على وجوه الجميع، رفع حاجبه باستغراب، وهو يوجه نظره إليهم متسائلًا:
- تخبروني بماذا؟
ساد الصمت في الغرفة... والجميع التفت نحوه ينظرون اليه، هل سمع ما كانوا يتحدثون عنه أم ماذا؟!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.