حين التقى القدر
______***
تحركاتٌ عاجلة عجَّت داخل أرجاء القصر بأكمله، حتى بدا المكان وكأنه خلية نحلٍ لا تهدأ. كان الخدم يهرولون في الممرات حاملين الأقمشة الفاخرة والزهور، والحراس يعيدون تنظيم صفوفهم أمام البوابات، بينما انشغل الوزراء وكبار القادة بمراجعة آخر الترتيبات، وكل واحدٍ منهم يدرك أن أي خطأ، مهما كان صغيرًا، قد يُعد إساءةً في يومٍ انتظرته المملكة بأسرها.
فاليوم... يعود ملكهم.
ذلك الملك الذي غاب أشهرًا طويلة بين ألسنة اللهب، وساحات القتال، وصليل السيوف، حتى أصبحت أخبار المعارك تصل إلى القصر أسرع من رسائله. كان الموت يلاحقه في كل مواجهة، حتى شاع بين الناس أكثر من مرة خبر مقتله، قبل أن يتبين أنه ما زال يقاتل في الصفوف الأولى كعادته.
ولذلك، لم تكن عودته مجرد عودة قائدٍ منتصر، بل كانت عودة رجلٍ ظن الجميع أنهم فقدوه إلى الأبد.
وفي تلك اللحظة، انطلق أحد فرسان الحرس الملكي من الطريق المؤدي إلى القصر، ممتطيًا فرسه بأقصى ما يستطيع من سرعة، بينما كانت حوافر الجواد تضرب الأرض بعنف، فتثير خلفها سحبًا من الغبار.
شق الفارس طريقه بين الجنود والخدم دون أن يتوقف، حتى بلغ البوابة الرئيسية، فقفز عن صهوة حصانه قبل أن يستقر تمامًا، وصاح بصوتٍ جهوري ارتد صداه بين الأسوار الحجرية الشاهقة:
- افتحوا الأبواب... لقد وصل مولانا الملك!
وما إن دوَّى صوته حتى تحرك الحراس في انسجامٍ تام، ودُفعت البوابتان الخشبيتان الضخمتان ببطء، بينما صدر عنهما صريرٌ ثقيل امتزج بصوت السلاسل الحديدية، لتنكشف خلفهما ساحة القصر الملكي بكل عظمتها.
اصطف الجنود والخدم والوصيفات والوزراء في صفين متقابلين يمتدان حتى الدرج الرخامي المؤدي إلى المدخل الرئيسي، وانحنت الرؤوس احترامًا وهيبةً، بينما عمَّ المكان صمتٌ مهيب لم يقطعه سوى صوت حوافر الجواد الملكي.
ظهر الملك أخيرًا....
كان يمتطي جوادًا أسود ضخمًا، يكسوه العرق بعد رحلةٍ طويلة لم تنتهِ إلا قبل لحظات. أما هو، فكانت هيبته تسبق حضوره؛ درعه المعدني يحمل آثار ضربات السيوف والرماح، وعباءته الملكية تمزق طرفها من كثرة المعارك، بينما التصقت بها بقعٌ باهتة من الدم والتراب، شاهدةً على ما خاضه من قتال.
كان شعره الأسود مبعثرًا بفعل الرياح، ولحيته نمت أكثرومن ذي قبل خلال أشهر الحرب، أما عيناه، فرغم الإرهاق الواضح فيهما، ظلتا تحملان ذلك البريق الحاد الذي اعتاده الجميع في قائدٍ لم يعرف يومًا معنى التراجع.
أبطأ الجواد خطواته حتى توقف أمام الدرج، فنزل الملك عنه بثبات، إلا أن التعب كان واضحًا في حركة كتفيه الثقيلة، فقد أنهكته الليالي الطويلة التي قضاها بلا نوم، وأثقلت جسده الجراح القديمة التي لم تتح له الحرب فرصةً ليداويها.
ارتفعت الأصوات من حوله في آنٍ واحد:
- حفظ الله مولانا الملك!
- مرحبًا بعودتكم، يا مولاي!
اكتفى بإيماءةٍ هادئة برأسه، فقد كان التعب أكبر من أن يسمح له بإظهار مشاعره، ثم تابع سيره بخطواتٍ ثابتة داخل القصر، بينما كانت الأنظار تلاحقه بإعجابٍ وفخر، تقدم منه وزيره بخطواتٍ سريعة، ثم انحنى احترامًا يخاطبه:
- مولاي، إن السلطانة الأم بانتظارك في جناحها منذ ساعات.
ربت الملك على كتف الوزير برفق، ثم أجابه بصوتٍ هادئ خالطه الإرهاق:
- حسنًا... سأذهب إليها حالًا.
______***
داخل الجناح الملكي الأول، كانت السلطانة الأم تقف أمام النافذة منذ ساعات، تحدق في الطريق المؤدي إلى القصر، وكأنها تخشى أن يخدعها بصرها مرةً أخرى.
فمنذ شهرٍ كامل وصلها نبأ مقتله في ساحة المعركة، يومها شعرت أن الحياة قد توقفت، لم تعد تنام إلا قليلًا، ولا تكاد تلمس الطعام، وكانت كلما أغمضت عينيها رأت ابنها غارقًا وسط الدماء، حتى أنهكتها الهواجس والدعاء.
وحين فُتح باب جناحها، التفتت على الفور، تجمدت في مكانها وقف أمامها...حيًا بلحمه ودمه، لم تصدق عينيها في البداية، وظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة، وكأنها تخشى أن يكون طيفًا صنعه شوقها.
ثم اندفعت نحوه دون تفكير، احتضنته بكل ما تملك من قوة، حتى كادت أنفاسها تختنق من شدة البكاء، وكأنها تحاول أن تتأكد بيديها أنه حقيقة، وليس حلمًا سيتلاشى بعد لحظات.
فهو...آخر من بقي لها من عائلتها، ابنها الوحيد، وآخر من يحمل اسم الأسرة المالكة.
ابتسم لها رغم تعبه، ثم أبعدها برفق حتى لا يزيد بكاؤها، وانحنى يقبل يديها بكل احترام، قبل أن يرفع كفه إلى وجهها، ويمسح دموعها بإبهامه برفقٍ بالغ، ثم قال بصوتٍ امتلأ شوقًا:
- لقد اشتقت إليكِ... أيتها السلطانة.
ارتجفت شفتاها وهي تبتسم وسط دموعها، وربتت على خده بحنانٍ غامر، ثم همست:
- وأنا أيضًا... اشتقت إليك كثيرًا يا مولاي.
وما إن انتهت من حديثها، حتى انطلقت من شهريار ضحكةٌ عميقة ملأت الغرفة، عقدت السلطانة حاجبيها باستغراب، ثم سألته:
- وما الذي يضحكك إلى هذا الحد يا مولاي؟
هدأت ضحكاته تدريجيًا، ثم عدل ياقة ثوبه بخبثٍ لطيف يخاطبها:
- لقد ناديتِني بـ"مولاي"... وهذا يعني أن هناك شيئًا تخفينه عني، وبالتأكيد يتعلق بالجواري.
ابتسمت بإعجابٍ لسرعة بديهته، ثم أجابته وهي تهز رأسها:
- هذا صحيح، لقد أرسلهم الملك آرتس احتفالًا بعودتك سالمًا، إنهن من أصولٍ فرنسية، وقد أشرفت على إعدادهن بنفسي، وأثق أنهن سينلن إعجابك.
تنهد شهريار تنهيدةً طويلة، وأشاح بنظره للحظة، كم كان يكره فكرة الجواري، ويكره أكثر أن يظن الجميع أن قلبه يمكن أن يُشترى بجمال امرأة، أو أن وحدته تُعالج بإحاطته بالحسناوات.
لم يكن يريد سوى شيءٍ واحد...امرأة يحبها بإخلاص، وتبادله الحب ذاته، امرأة يطمئن إليها، لا جاريةً أُحضرت لتنال رضاه....لكن يبدو أن أحدًا لم يفهم رغبته الحقيقية.
ابتسم باستسلام، ثم هتف مسايرًا والدته:
- حسنًا يا سلطانة... كما تشائين، لكنني الآن أريد الذهاب إلى جناحي لأغتسل وأبدل ثيابي، فما زالت هناك أمور كثيرة يجب أن أنهيها مع دانيال.
ربتت على كتفه بحنان، وظلت تتابعه بعينيها حتى غادر الجناح، ولم تُزح نظرها عن الباب إلا بعدما اختفى تمامًا.
عندها التفتت إلى إحدى خادماتها وقالت بهدوء:
- كادي... اذهبي إلى رئيسة الخدم رانسيا، وأخبريها أن تجهز الجواري لاستقبال الملك.
انحنت كادي باحترام، ثم غادرت مسرعة، جلست السلطانة في مقعدها، وأطلقت زفرةً طويلة كأنها تخرج معها ثقل شهرٍ كامل من الخوف والانتظار.
ثم التفتت نحو خادمتها الأولى... أو بالأحرى، صديقة عمرها وأمينة أسرارها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة امتزجت بالراحة والامتنان، وهمست بصوتٍ خافت:
- لقد عاد الملك... يا جودي.
بادلتها جودي الابتسامة بكل إخلاص، فهي لم تشعر يومًا أنها مجرد خادمة، فقد كانت السلطانة تعاملها كصديقة حقيقية، أجابتها بمحبة:
- نعم يا سلطانة... لقد عاد، وعادت معه قوة مملكة آستورياس كما كانت.
أومأت السلطانة برأسها، ثم سرحت بنظرها نحو النافذة، تهتف بصوتٍ يحمل شيئًا من القلق:
- أخبريني يا جودي... هل تظنين أن شهريار سيتزوج يومًا؟
توقفت قليلًا، ثم أضافت بأسى:
- حياته كلها حروب، وإن عاد إلى القصر انشغل بأمور المملكة، وحتى الجواري لا ينظر إليهن، أعلم ذلك، لكنني أريده أن يجد من يشاركه حياته.
ابتسمت جودي ابتسامة خفيفة، ثم أعقبت:
- ألم تعرضي عليه الزواج من الأميرات يا سلطانة؟ وماذا كان جوابه في كل مرة؟
أطلقت السلطانة زفرة طويلة، ثم أجابت بهدوء:
- قال إنه لا يريد الزواج بأميرة، لأن ذلك سيكون زواج مصالح وتحالفات، كما أنه لا يريد لأحد أن يتدخل في حكمه أو يشاركه قراراته... إنه يريد أن يدير مملكته بنفسه، ولا يسمح لأحد بخيانته.
تنهدت جودي وهي تستعيد طفولته، فقد كانت من اعتنى به منذ صغره، وتعرف قلبه أكثر من الجميع، كان يريد زوجة تمنحه قلبها...لا امرأة تطمع في تاجه.
______***
في أحد أركان القصر، كان أحد الحراس يسير بخطواتٍ سريعة وهو يحمل بين ذراعيه فتاة فاقدة للوعي، وجدها خلف أسوار القصر ببضعة أمتار.
توقف أمام رئيسة الخدم رانسيا، ثم أنزل الفتاة بحذر وهو يخاطبها:
- رانسيا، لقد وجدت هذه الفتاة خلف القصر... ماذا أفعل بها؟
نظرت رانسيا إلى الفتاة بقلق، وتأملت ملامحها الشاحبة قبل أن تسأله بخوف:
- هل هي ميتة؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه فيكتور، وهز رأسه مستنكرًا:
- سامحكِ الله يا رانسيا، هل يمكن أن أحضر إليكِ الموتى؟ إنها حية ترزق، لكنها فاقدة للوعي فقط.
اقتربت رانسيا منها وهي تفكر في الأمر، ثم وضعت يدها أسفل ذقنها محاولة فهم ما حدث، وسألته:
- ألا يوجد شيء معها؟
رفع فيكتور يديه باستسلام، مجيبًا:
- لم ألمسها؛ لذلك جئتكِ، تفقديها بنفسك أولًا.
انحنت رانسيا نحو الفتاة، وأخذت تتفحص ثيابها الرثة، ثم أدخلت يدها في جيب فستانها بحثًا عن أي شيء قد يكشف هويتها، لكنها لم تجد شيئًا، رفعت عينيها نحو فيكتور وأمرته بهدوء:
- حسنًا فيكتور دعها هنا واذهب إلى عملك.
نظر إليها باستغراب قبل أن يسأل:
- وما الذي ستفعلينه معها؟ هل ستخبرين السلطانة بالأمر؟
أجابته رانسيا دون تردد:
- أجل يا فيكتور، وهل أستطيع إخفاء أمر كهذا عنها؟ اذهب ولا تشغل بالك.
أومأ لها بطاعة، وغادر المكان، بينما التفتت رانسيا إلى بعض الخادمات وأشارت إليهن بالاقتراب:
- تعاليا إلى هنا... احملا هذه الفتاة واتبعاني.
اقتربت الخادمتان منها، ثم حملتاها بحذر وسارتا خلف رانسيا التي توجهت إلى إحدى الغرف داخل القصر.
ما إن دخلن حتى أشارت لهما بوضعها على السرير، ثم التفتت إلى الحكيمة الموجودة في المكان:
- أهلاً آيلن... انظري إلى هذه الفتاة.
وقفت آيلن بكبرياء، ونظرت إلى الفتاة الراقدة على السرير، ثم سألت رانسيا باستغراب:
- هل هي إحدى الجواري اللواتي قدمن إلى القصر؟
هزت رانسيا رأسها نفسًا قبل أن تجيبها:
- لا.
ازدادت حيرة آيلن، وسألتها:
- إذن من تكون؟
نظرت إليها رانسيا بضجر، ثم ردت:
- آيلن، افعلي ما طلبته منكِ فقط... ودعي الأسئلة جانبًا
نظرت إليها آيلن بضيق، لكنها لم تجادلها، فتقدمت نحو الفتاة وبدأت بفحصها، وضعت أصابعها تتحسس نبضها، ثم أخذت بعض الكالونيا وقربتها من أنفها.
وبعد لحظات، بدأت الفتاة تفتح عينيها ببطء، وكأنها تحاول العودة إلى الواقع بعد غياب طويل.
كانت أول صورة رأتها أمامها هي وجه آيلن، فتاة في منتصف العشرينات، ملامحها هادئة ونظراتها متفحصة.
وضعت الفتاة يدها على رأسها عندما شعرت بالدوار، فأسرعت رانسيا بمساعدتها وهي تسألها بقلق:
- هل أنتِ بخير يا آنسة؟
اكتفت الفتاة بإيماءة ضعيفة، ثم أمسكت بكأس الماء الذي قدمته لها آيلن، وشربت منه ببطء، بينما كانت عيناها تتحركان بين الوجوه المحيطة بها بحذر.
وضعت رانسيا يدها على رأسها بحنان، لكن الفتاة ابتعدت عنها فجأة بخوف، وكأنها اعتادت أن تخشى كل اقتراب، عقدت رانسيا حاجبيها باستغراب، وسألتها:
- هل أنتِ بخير؟
أومأت الفتاة بخوف، بينما أمسكت الجزء العلوي من فستانها بقوة، وأحكمت إغلاقه وكأنها تحاول حماية نفسها، لاحظت آيلن تصرفها الغريب، فسألتها بتعجب:
- هل هناك ما يزعجك؟
هزت الفتاة رأسها بالنفي بتوتر، بينما وقفت رانسيا واقتربت منها قليلًا، ثم أشارت لها:
- تعالي معي.
لكن ما إن تحركت نحوها حتى التصقت الفتاة بالحائط خلفها، وقد ازداد خوفها بشكل واضح.
زاد ذلك من استغراب رانسيا وآيلن، فتقدمت رانسيا منها بابتسامة مطمئنة محاولة تهدئتها:
- لا يوجد داعٍ للخوف يا آنسة... تعالي معي، سنذهب إلى السلطانة.
نظرت إليها الفتاة بعدم تصديق، وكأنها لا تستوعب أن أحدًا يريد مساعدتها دون مقابل، أومأت لها رانسيا مؤكدة، فأنزلت الفتاة قدميها على الأرض ببطء، ثم سارت بجوارها بخطوات مترددة، تاركة آيلن خلفها وهي تكاد تموت فضولًا لمعرفة قصتها.
______***
طرقت رانسيا باب جناح السلطانة، وما إن فُتح الباب حتى دخلت وهي تسير بجوار الفتاة، رفعت إليزابيث نظرها إليها، ثم سألتها باستفهام:
- هل الجواري جاهزات؟
انحنت رانسيا باحترام وهي تجيب:
- نعم يا سلطانة، لكنني أريد إخباركِ بأمر.
تغيرت ملامح إليزابيث قليلاً، وسألتها بقلق:
- هل هناك خطب ما يا رانسيا؟
أمسكت رانسيا بيد الفتاة، ثم قدمتها أمام السلطانة تجيبها:
- سلطانة... لقد وجد فيكتور هذه الفتاة خلف القصر ببضعة أمتار، ولا نعرف ماذا نفعل بها.
نظرت إليزابيث إلى الفتاة بتركيز، ثم ابتسمت لها بحنان وأشارت إليها بالاقتراب:
- تعالي إلى هنا.
اقتربت الفتاة منها بخطوات مترددة، وكانت على وشك البكاء من شدة الخوف، نظرت إليها السلطانة بلطف وسألتها:
- ما اسمكِ؟ ومن أين أنتِ؟
لم تجب الفتاة، بل أخرجت ورقة صغيرة من داخل فستانها السفلي، ثم توجهت نحو الطاولة وأخذت ريشة، وبدأت تكتب... بخطٍ متردد، وكأن كل حرف يحمل جزءاً من ألمها وحكايتها.
وبعد لحظات، رفعت الورقة وقدمتها للسلطانة، قرأت إليزابيث الكلمات المكتوبة، لتتعرف لأول مرة على اسم الفتاة وقصتها:
"اسمي سينثيا، عمري تسعة عشر عامًا، قدمت من قرية باغان التي تبعد عن مملكتكم نحو ألف متر... لقد أرسلني عمي إليكِ، وهو يستأمنكِ عليّ."
رفعت إليزابيث عينيها نحوها للحظة، ثم أخذت الورقة الأخرى التي مدت بها سينثيا يدها، كانت رسالة تحمل بين سطورها الخوف والاستغاثة والرجاء:
" بعد التحية والسلام،،،،،
إلى ملكتنا وسلطانتنا العظيمة إليزابيث...
أكتب إليكِ وأنا على يقين بأنكِ ستعتنين بابنة أخي سينثيا، لقد أمر الملك جايك بقتل جميع الفتيات اللواتي لا يملكن والدين، وسينثيا ليس لها أحد سواي....
لقد توفيت والدتها منذ صغرها، أما والدها فقد قتل عندما كان يقاتل مع جيش الملك....
أطلب منكِ أن تعتني بها جيدًا حتى عودتي أعلم أنني شخص من شعب لا تحكمينه، لكنني آمل أن تهتمي بها، يمكنكِ تشغيلها أو جعلها جارية إن أردتِ يا سلطانتنا.
لقد نسيت أن أخبركِ أنها لا تستطيع التحدث بسبب تعرضها لصدمة بعد قتل والدها، لكنها تستطيع السمع جيدًا، دمتِ بخير."
أنهت إليزابيث قراءة الرسالة، وبقيت صامتة للحظات، بينما امتلأت عيناها بالدموع وهي تنظر إلى الفتاة الواقفة أمامها.
لم تكن ترى أمامها مجرد فتاة غريبة دخلت قصرها، بل رأت طفلة فقدت أهلها واضطرت للهرب بحثًا عن الأمان.
وحين لاحظت سينثيا دموع السلطانة، انهمرت دموعها هي الأخرى، وكأنها وجدت أخيرًا شخصًا يشعر بألمها، فتحت إليزابيث ذراعيها لها بحنان، ونادتها بصوتٍ دافئ:
- تعالي إلى هنا يا سينثيا.
لم تتردد الفتاة، فأسرعت نحوها واختبأت بين ذراعيها، تبكي بقوة وكأنها أفرغت كل ما حملته داخلها من خوف وحزن.
احتضنتها إليزابيث بحنان، وظلت تربت على ظهرها حتى هدأت قليلاً.
بعد مدة، ابتعدت سينثيا عنها، ومسحت دموعها بسرعة، ثم انحنت برأسها معتذرة، وكأنها تخشى أن تكون قد تجاوزت حدودها، نظرت إليها السلطانة بابتسامة حانية تتفحصها، ثم التفتت إلى رانسيا وأمرتها:
- اذهبي وجهزيها جيدًا... أريد أن أرى جمالها كما يجب.
أومأت رانسيا بطاعة، ثم التفتت نحو سينثيا:
- تعالي يا آنسة.
نظرت إليها سينثيا بخوف وتردد، فأسرعت إليزابيث بطمأنتها:
- اذهبي يا عزيزتي... أريد فقط أن تزيلي عنكِ آثار التعب والتراب، وأريد أن أرى جمالكِ.
تحركت سينثيا بطاعة، وسارت خلف رانسيا، بينما بقيت جودي تراقبهما باستغراب، وما إن ابتعدتا، التفتت إلى السلطانة وهي تفكر في الأمر:
- أليس هذا غريبًا نوعًا ما يا سلطانة؟
نظرت إليها إليزابيث باستفهام:
- ماذا تقصدين؟
ترددت جودي قليلًا، ثم أجابت بمنطق وحذر:
- ربما تكون كاذبة يا سلطانة... وربما تكون هذه خدعة من أحد الملوك الأعداء.
بقيت إليزابيث صامتة للحظات، تحدق في الباب الذي خرجت منه سينثيا، ثم عادت تنظر إلى جودي بابتسامة هادئة:
- لا تقلقي يا جودي... سوف نكتشف الحقيقة مع الوقت.
______****
في المساء، كان القصر قد عاد إلى هدوئه بعد انتهاء الحفل الذي أقيم احتفالًا بعودة الملك، تقدم شهريار في أروقة القصر، يسير بجانب وزيره دانيال، الذي كان يعتبره أكثر من مجرد وزير، بل أخًا وصديقًا حافظًا لأسراره.
كانا يتحدثان عن الحفل الذي أقيم قبل قليل، بينما ظهرت علامات الضيق على وجه الملك، تنهد شهريار بضجر، ثم التفت إلى دانيال عاقد الحاجبين:
- دانيال... ما رأيك أن تأخذ الجواري أنت؟ لقد تعبت من التظاهر بأنني سعيد بهذا الأمر.
ابتسم دانيال بسبب صراحة صديقه، ثم أجابه:
- لا أستطيع يا مولاي... إنهن لك أنت.
أطلق شهريار نفسًا عميقًا، ثم توقف للحظة وهو ينظر نحو جناح السلطانة الأم، فهم دانيال نظرته فورًا، وأومأ له بابتسامة خفيفة:
- اذهب وألقِ التحية عليها قبل أن تذهب إلى جناحك.
تنهد شهريار مرة أخرى، ثم سار مبتعدًا عنه متجهًا نحو جناح والدته، فتح الخدم الباب له، وهم يخفضون رؤوسهم احتراماً، فدخل بخطوات هادئة.
وما إن دلف إلى الداخل حتى وجد السلطانة تتحدث مع جودي، فتقدم وجلس بجانبهم مبتسمًا:
- هيا، أخبراني... عن ماذا كنتما تتحدثان؟
نظرت إليه إليزابيث بحب، لكن جودي سبقتها بالإجابة وهي تنظر خلفه:
- كنا نتحدث عن هذه يا مولاي... شهريار.
التفت الملك بفضول إلى حيث تنظر، لتتوقف أنفاسه للحظة، كانت أمامه فتاة وكأنها خرجت من صفحات أسطورة قديمة.
شعرها الأحمر الطويل ينسدل بانسياب، تتخلله بعض الانحناءات التي زادته جمالًا، وبشرتها البيضاء كالثلج جعلت ملامحها أكثر رقة.
أما عيناها فكانتا أشبه بموج بحر هادئ، تحملان مزيجًا غريبًا بين البراءة والخوف، كان أنفها صغيرًا، وابتسامتها الهادئة تزيد وجهها جمالًا، أما جسدها النحيل فكان يوحي بالرقة والضعف.
في المقابل، كانت سينثيا تنظر إليه بصمت، تتأمل ملامحه وكأنها تحاول حفظها، كان رجلًامختلفًا عن كل من عرفته سابقًا.
فقد طويل القامة، عريض المنكبين، يملك جسد محاربٍ صقلته سنوات التدريب والمعارك، أما عيناه الخضراوان فكانتا أشبه بغابةٍ هادئة تخفي بين أشجارها آلاف الأسرار.
اما بشرته قد اكتسبت بعض السمرة بسبب سنوات القتال والتنقل تحت أشعة الشمس، وبينما وقف كلاهما صامتًا، لم يكن أي منهما يعلم أن هذه اللحظة العابرة ستكون بداية قصة ستغير الكثير من حياتهما...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!