الحقيقة خلف الصمت
_______***
كان الصمت يخيّم على المكان بصورة ثقيلة، وكأن شيئًا ما يختبئ خلف الجدران، ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر، رفع داني نظره نحو الحارس الواقف أمامه، وحثّه على الحديث بنبرة هادئة تخفي خلفها شيئًا من التوجس:
- ماذا لديك يا أنطونيو؟ أخبرني.
ابتلع أنطونيو ريقه، ثم أجابه باحترام، وقد بدت علامات التوتر واضحة على ملامحه:
- لقد تعرضت الأميرة الصغيرة للاعتداء من...
لم يتمكن من إكمال جملته، فقد كان إدوارد قد وصل إليه في لحظات، وأمسك بتلابيب ثيابه الحرسية بعنف، وقد انقلب الهدوء في عينيه إلى غضب صريح:
- ما الذي تقوله أيها الحارس؟
ارتجف أنطونيو تحت قبضته، وسارع إلى توضيح الأمر:
- الأميرة الصغيرة... لقد هاجمها أحد الحراس المتواجدين في القصر.
اشتدت قبضة إدوارد حول ثيابه للحظات، ثم دفعه بعيدًا عنه بقوة، فسقط الحارس أرضًا، استدار إدوارد بعدها نحو داني، الذي كان لا يزال جالسًا بهدوء غريب، وكأن الخبر الذي هزّ المكان بأكمله لم يصل إليه بعد.
تقدم منه بخطوات غاضبة، ولم يستطع إخفاء صدمته من ذلك السكون:
- ما الذي يقوله هذا؟ ثم لماذا أنت ساكن بلا أي ردة فعل؟ أليست هذه ابنة أخيك؟ أجبني!
أخذ داني نفسًا عميقًا، ثم رفع عينيه إليه محاولًا تهدئته:
- اهدأ يا إدوارد، لا داعي لهذا الغضب، فشهرزاد ليست أميرة حقيقية ك...
لكن إدوارد لم يسمح له بإكمال حديثه، فضرب بقبضته الحائط بقوة، وانعكس الغضب في صوته:
- لا تُصبني بالجنون والغضب أكثر من هذا يا داني! أجبني، ما الذي تعنيه بقولك إنها ليست أميرة حقيقية؟ لقد كررتها كثيرًا!
زفر داني بضيق، ثم أوضح ما يقصده دون مواربة:
- أعني أنها ليست عذراء، هل فهمت؟
تجمّد إدوارد في مكانه، بدت الصدمة واضحة في عينيه، وكأن الكلمات التي سمعها لم تجد طريقها إلى عقله بعد:
- كيف هذا؟ هل تمزح؟ ومتى حدث ذلك؟
زفر داني بملل، بينما وجد أنطونيو نفسه مضطرًا للتدخل قبل أن يتفاقم الأمر أكثر:
- بعد إذنك مولاي، لكن هناك شيء آخر عليك معرفته.
التفت الاثنان إليه في اللحظة ذاتها، ينتظران بقية حديثه، أكمل أنطونيو بهدوء واحترام:
- لقد استعادت الأميرة الصغيرة صوتها عندما قامت بالصراخ.
اعتدل داني في جلسته دفعة واحدة، وظهرت الصدمة على ملامحه:
- وما الذي حدث بعد ذلك؟
أجابه أنطونيو بثبات:
- لا شيء، سوى أن جلالة الملك شهريار سيقتص من الحارس.
اشتدت ملامح داني، ثم أشار إلى أنطونيو بحزم:
- ارجع إلى هناك بسرعة، ووافني بآخر الأخبار.
استدار أنطونيو وغادر على الفور، بينما بقي إدوارد واقفًا أمام داني، وقد بدأ يفهم الصورة كاملة، رمقه بنظرة تحمل الكثير من الاستهزاء والعتاب، ثم خاطبه بمرارة:
- ها هي خطتك قد انكشفت يا داني، لكنني الآن لن أقف مكتوف اليدين، لن أسامحك إن حدث لها شيء، سوف أذهب إليها الآن.
مد داني يده محاولًا إيقافه:
- انتظر يا إدوارد، لا تذهب، دعني أفكر في الأمر.
لم يجبه إدوارد، وإنما استدار مبتعدًا عنه، بينما أطلق داني زفرة طويلة، ثم حاول طمأنته:
- اطمئن يا إدوارد، فلن يفعلوا لها شيئًا، لأن شهريار بدأ يحبها، وهي لا تقوى على مواجهة أي رجل.
اشتعل الغضب في عيني إدوارد، وانفجر صوته:
- اصمت يا داني! اصمت! كل هذا منك أنت، أنت من وضعتها داخل خطتك اللعينة!
نظر داني إليه بطرف عينه، ثم حاول التعامل مع غضبه بشيء من البرود:
- إدوارد، كبّر عقلك، في النهاية هي مخطوبة لك، فلا تقلق، لن تتفوه شهرزاد بشيء، أي أنها لن تذهب بنا وراء الشمس، أنا أعرفها جيدًا.
زفر إدوارد بضيق، وانخفض صوته هذه المرة، إلا أن الخوف ظل واضحًا فيه:
- أتمنى ذلك، لكنني أخشى عليها يا داني، إنها روحي التي لا أستطيع العيش بدونها، لكن كيف حدث لها أجبني، لم ينتهي الموضوع
نظر إليه داني بملل واضح، ثم أشار إليه بالانصراف:
- اذهب لإكمال أعمالك، ودعني أفكر في الأمر كيف سنخرجها ثم أخبرك بالقصة.
أغمض إدوارد عينيه بقوة، ثم خرج من عند داني، لم يكن يريد أن يدخل معه في خلاف، لأسباب كثيرة يحتفظ بها لنفسه، لذلك قرر أن يسايره خلال هذه الأيام، ريثما يتمكن من الوصول إلى ما يريد وتحقيق غايته.
_______***
بعد مرور عدة أشهر، عادت حياة المملكة إلى مسارها الطبيعي، وبدأت آثار الحادث تتراجع شيئًا فشيئًا، وإن بقيت ذكراه عالقة في نفوس من عرفوا تفاصيله.
أما الملك شهريار، فلم ينسَ ما حدث.
فقد أصدر أمره بنفي ليفاي، بعدما توسلت إليه إليزابيث ألا يؤذيه، كان غضبه حينها قد بلغ حدًا لم يسبق لأحد أن رآه عليه؛ فقد أمر في البداية بقتله، إذ لم يستطع أن يتخيل أن يمد أحد يده بسوء إلى حبيبة قلبه ومليكته.
وبصعوبة بالغة، تمكنت السلطانة إليزابيث من إخراجه من الزنزانة بعدما كان قد أمر بتعذيبه، فقد كان شهريار يومها غارقًا في غضبه إلى درجة أفقدته هدوءه واتزانه.
ولأول مرة، رأت السلطانة ملك البلاد في تلك الحالة من الغضب،
أما شهرزاد، فبعد أن استيقظت، أخذت تتفحص المكان حولها بقلق، محاولة استيعاب ما حدث، كان شهريار إلى جوارها، وما إن رأته حتى اندفعت نحوه وعانقته بخوف شديد، خشية أن تفقده هي الأخرى.
كانت تظن أن ليفاي قد أخبره بكل شيء، لكن التفاف ذراعي شهريار حولها منحها شيئًا من الطمأنينة، سألته عن ليفاي، فأخبرها أنه سيتخلص منه.
ولأن عقلها لم يحتمل الفكرة، تخيلت أنه سيأمر بإعدامه، فبدأت ترجوه وتتوسل إليه ألا يفعل.
وبعد محاولات طويلة من الرجاء، استسلم شهريار على مضض، ووعدها بأنه سيكتفي بنفيه، وألا يسمح له بدخول مملكة آستورياس مرة أخرى.
أما كادي، فكانت تعيش صراعًا مختلفًا تمامًا؛ صراعًا بين خوفها وحبها الذي ظنته مستحيلًا.
كانت تسقي الورود المتناثرة في حديقة القصر، تلك الورود الخاصة بالسلطانة إليزابيث، والتي لم تكن تسمح لأحد بالاقتراب منها سوى كادي.
كانت قطرات الماء تتساقط بهدوء فوق أوراق الورد، بينما كان عقلها بعيدًا تمامًا عن الحديقة، تنهدت بحزن شديد عندما تذكرت دانيال وحبه، ذلك الحب الذي ظنته معدوم الأمل.
فكيف لوزير أن يحب خادمة؟ وكيف يمكن أن يحب امرأة يعلم أنها جاسوسة؟ ومع ذلك، لم تكن تعرف هل عليها أن تفرح لأنها علمت أنه يحبها، أم تحزن لأن هذا الحب نفسه قد يكون سببًا في ألمه وألمها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة وهي تتذكر اعتراف دانيال أمام الملك، قبل الخطة التي وضعوها لشهرزاد بيوم واحد.
نعم، كانت تكن له بعض الإعجاب، وكانا يتحدثان في أمور كثيرة، دون أن يتطرقا يومًا إلى حياتهما الخاصة.
بل إنه أشار ولمّح لها بحبه في إحدى المرات، لكنها لم تأخذ الأمر على محمل الجد، كانت تصرفاته تجاهها كافية لتفضح مشاعره، وغيرته الشديدة كلما ذهبت إليه بحضور بعض الوزراء والرسل لتخبره بطلب من السلطانة، كانت تجعلها تشعر بقيمتها لديه.
ومع ذلك، كانت تتجنبه، كانت تضع أسوارًا عالية حول قلبها، لأنها كانت تخشى أن يتألم كلاهما، وتذكرت ذلك اليوم جيدًا، وكأنه يحدث أمامها الآن.
كانت على وشك طرق باب الملك شهريار، لتخبره بأن السلطانة الأم تريده في أمر مهم، لكنها توقفت ويدها معلقة في الهواء عندما سمعت صوت دانيال من خلف الباب.
كان يتحدث عنها، توقفت أنفاسها للحظة، ثم وصلها صوته شاردًا ومحمّلًا بمشاعر لم تتوقع يومًا أن تسمعها منه:
- إنني أحبها كثيرًا مولاي، لقد تخطيت مرحلة الحب، ولم أعد أجد كلمة واحدة تستطيع وصف مدى حبي لها.
نظر إليه شهريار بسعادة، وقد أثار الفضول في نفسه هذا الاعتراف الصريح:
- أخبرني يا دانيال، من هي التي سرقت قلب وزيري حتى لم يعد يجد كلمة يصف بها حبها؟ من هي؟
أجاب دانيال، وقد بدا الشرود واضحًا في عينيه:
- كادي، مولاي... إنني أحب كادي.
________**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!