الصياد
الصياد
جزء 5 من 26
وضع القراءة:

الفصل الرابع

الصياد
الفصل الرابع: الرجل الذي لا يعرفه أحد
لم تكن ليان تبحث عنه.
على الأقل، هذا ما أقنعت به نفسها.
كانت في طريقها إلى المطبخ حين سمعت صوتا يأتي من الجهة الخلفية للقصر.
صوت طفل.
توقفت.
عبست.
لم يكن هناك أطفال في القصر، أو هكذا ظنت.
اقتربت بضع خطوات.
كان الباب نصف مفتوح.
سمعت صوتا آخر.
هذه المرة كان صوت كايان.
لكن نبرته كانت مختلفة.
هادئة.
دخلت ليان قبل أن تفكر.
ثم توقفت.
كان كايان جالسا على الكرسي أمام فتاة صغيرة لا تتجاوز السابعة.
كانت الفتاة تبكي.
وفي يدها لعبة مكسورة.
رفع كايان اللعبة أمامها.
"توقفي عن البكاء."
ازدادت الفتاة بكاء.
تنهد.
"حسنا... لا تتوقفي."
رفعت الفتاة عينيها إليه.
"أنت لا تعرف كيف تصلحها."
نظر كايان إلى اللعبة.
"أنا أصلح أشياء أسوأ."
"لكن هذه لا تعمل."
"لأنها لعبة."
"إذن لا تعرف."
للمرة الأولى، رأت ليان شيئا يشبه الابتسامة على وجهه.
ابتسامة صغيرة جدا.
"أنت عنيدة."
قالت الفتاة:
"أمي تقول إنني أشبهك."
تغيرت ملامح كايان قليلا.
مد يده وأخذ اللعبة منها.
"أمك مخطئة."
"لماذا؟"
"لأنك ألطف مني."
ضحكت الفتاة.
كانت ليان لا تزال واقفة عند الباب.
لكن كايان رفع عينيه فجأة.
التقت عيناه بعينيها.
اختفت الابتسامة.
عاد وجهه باردا كما تعرفه.
قال:
"ماذا تفعلين هنا؟"
ارتبكت للحظة.
"أنا..."
نظرت إلى الفتاة.
"سمعت صوتا."
قال:
"والآن سمعته."
ابتسمت.
"لم أكن أعرف أنك تعرف كيف تتعامل مع الأطفال."
نظر إليها.
"أنا لا أتعامل معهم."
تدخلت الفتاة:
"هو يكذب."
ضحكت ليان.
كايان رمق الفتاة بنظرة.
"وأنت أيضا."
قالت:
"لكنني رأيتك تبتسم."
سكت.
ثم قالت ليان:
"أنت تبتسم إذن."
"أحيانا."
"لم أتوقع ذلك."
"ولا أنا."
نظرت إليه باستغراب.
"ماذا تقصد؟"
نهض.
حمل اللعبة.
"لا شيء."
ثم التفت إلى الفتاة.
"سأعود."
هزت رأسها.
خرج كايان من الغرفة.
مرت ليان بجانبه.
لكنها توقفت.
"من هي؟"
"ابنة أحد رجالي."
"ولماذا هي هنا؟"
"والدتها في المستشفى."
تغير وجه ليان.
"آه."
لم تقل شيئا آخر.
تابعت طريقها.
لكنه قال:
"لا تخبري أحدا."
التفتت إليه.
"بماذا؟"
"بما رأيت."
ابتسمت.
"أي شيء تحديدا؟"
نظر إليها.
"أنني ابتسمت."
ضحكت.
"لا تقلق."
ثم أضافت:
"لن أخبر أحدا أنك إنسان."
نظر إليها ببرود.
"لم أقل إنني إنسان."
ضحكت وهي تبتعد.
ولم تنتبه إلى أنه تابعها بنظره حتى اختفت.
---
في المساء، جلست ليان مع ميرا في غرفة الجلوس.
قالت ميرا:
"أنت هادئة."
"أنا دائما هادئة."
"كذابة."
ابتسمت ليان.
"لماذا؟"
"لأنك منذ دخلنا هذا القصر وأنت تتحدثين عن كايان."
رفعت ليان رأسها.
"أنا لا أتحدث عنه."
"كنت تتحدثين عنه قبل دقيقة."
"كنت أذكر شيئا."
"شيئا اسمه كايان."
تنهدت ليان.
"رأيته اليوم مع طفلة."
تغيرت ملامح ميرا.
"كايان؟"
"نعم."
"وماذا كان يفعل؟"
"كان يصلح لعبتها."
سكتت ميرا.
ثم قالت:
"مستحيل."
ضحكت ليان.
"هذا ما قلته."
"هل ابتسم؟"
توقفت ليان.
"نعم."
وضعت ميرا يدها على صدرها.
"هذا أخطر مما توقعت."
"ماذا؟"
"أن تكتشفي أنه ليس وحشا."
سكتت ليان.
لم تعجبها الجملة.
لأنها كانت تفكر فيها منذ رأت المشهد.
قالت:
"لم أقل إنه ليس وحشا."
"لكن؟"
نظرت ليان إلى النافذة.
"ربما ليس كما يبدو."
---
في الطرف الآخر من القصر، كان كايان في مكتبه.
أمامه عدة ملفات.
لكن عينيه لم تكونا على الأوراق.
قال ريان:
"أنت لم تقرأ الصفحة منذ خمس دقائق."
رفع كايان عينيه.
"اخرج."
ضحك ريان.
"أصبت."
"ريان."
"حسنا."
جلس أمامه.
"ما الذي تفكر فيه؟"
"لا شيء."
"ليان؟"
سكت كايان.
ابتسم ريان.
"إذن هي."
أغلق كايان الملف.
"هل لديك عمل؟"
"نعم."
"اذهب إليه."
"أنت الذي تحتاج إلى العمل."
رفع كايان عينيه.
"أنا أعمل."
"لا. أنت تفكر."
"في ماذا؟"
"في فتاة."
سكت كايان.
ثم قال:
"هي مختلفة."
توقفت ابتسامة ريان.
"أخيرا."
نظر إليه كايان.
"ماذا؟"
"اعترفت."
"لم أعترف بشيء."
"قلت إنها مختلفة."
"لأنها كذلك."
"وهذا هو بداية المشكلة."
وقف كايان.
"لا توجد مشكلة."
قال ريان:
"أنت لا تتحدث عن أحد بهذه الطريقة."
لم يجب.
فتح الباب.
لكن قبل أن يخرج، قال ريان:
"كايان."
توقف.
"انتبه."
التفت إليه.
"لأنك إذا اعتدت وجودها، لن يعجبك غيابها."
نظر كايان إليه لثوان.
ثم خرج دون جواب.
---
في وقت متأخر من الليل، خرجت ليان إلى الشرفة.
كانت تحتاج إلى الهواء.
وقفت وحدها، تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة.
سمعت الباب خلفها.
لم تلتفت.
قالت:
"إذا كنت كايان، فاذهب."
جاءها صوته:
"ولماذا؟"
التفتت.
كان واقفا عند الباب.
"لأنني لا أريد رؤيتك."
اقترب.
"كاذبة."
"كيف عرفت؟"
"لأنك لم تنظري إلي."
رفعت حاجبها.
"أنت واثق من نفسك كثيرا."
"أعرف."
وقفت أمامه.
"كنت مع الطفلة اليوم."
"نعم."
"لماذا لم تخبرني أنها ابنة أحد رجالك؟"
"لم تسألي."
"لم أكن أعرف أنني بحاجة إلى طلب إذن."
نظر إليها.
ثم قال:
"هي ليست موضوعا للنقاش."
فهمت من نبرته أن الأمر حساس.
"حسنا."
ساد الصمت.
ثم قالت:
"كنت لطيفا معها."
تغير وجهه.
"لا."
ضحكت.
"بلى."
"لم أكن."
"كنت."
"ليان."
"ماذا؟"
اقترب خطوة.
"لا تحاولي أن تعرفيني."
سكتت.
ثم قالت:
"لماذا؟"
لم يجب.
بقي ينظر إليها.
ثم قال:
"لأنني لا أريدك أن تعرفيني."
"وأنا لا أفهم لماذا."
اقترب أكثر.
"لأن بعض الأشياء إذا عرفتها، لن تنظري إلي بالطريقة نفسها."
نظرت في عينيه.
"ربما."
ثم ابتعدت عنه.
"لكنني لا أظن أنني أخاف بسهولة."
توقف كايان.
كانت هذه أول مرة يقول فيها أحد شيئا كهذا له دون خوف.
راقبها وهي تدخل إلى الداخل.
وبقي وحده في الشرفة.
رفع عينيه إلى السماء.
ثم أدرك شيئا لم يكن يريد الاعتراف به:
لم يعد يريد منها أن تخاف منه.
بل بدأ يريد شيئا أسوأ.
أن تراه كما هو.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.