الفصل الأول
الصياد
الفصل الأول: حين التقت الفريسة بالصائد
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين توقفت السيارة السوداء أمام البوابة الحديدية الضخمة.
لم ينزل منها أحد.
ظل محركها يعمل، بينما شقت المصابيح الأمامية الظلام وكشفت للحظات الطريق المؤدي إلى القصر.
كان المكان هادئا بشكل غير مريح.
وقف أربعة رجال مسلحين بالقرب من البوابة، يرتدون ملابس سوداء، وأعينهم تراقب كل شيء من حولهم بحذر.
ثم انفتح الباب الخلفي للسيارة.
نزل رجل واحد.
ولم يحتج إلى أن يسأل أحد عن الطريق.
الجميع يعرفه.
كايان روسي.
الصياد.
بمجرد أن وطأت قدماه الأرض، خفتت الأصوات من حوله حتى اختفى آخر همس.
أغلق باب السيارة خلفه بهدوء، ثم رفع عينيه نحو القصر.
لم يكن في ملامحه شيء يدل على التعب أو الاستعجال.
كان هادئا.
هادئا بطريقة جعلت الرجال من حوله أكثر توترا.
اقترب أحدهم بسرعة.
"السيد روسي، الجميع في الداخل بانتظارك."
لم يجبه كايان.
أخرج سيجارة من جيبه، أشعلها، ثم أخذ نفسا بطيئا قبل أن يتجه نحو المدخل.
تبعه الرجال.
لكن قبل أن يدخل، توقف فجأة.
"أين ريان؟"
تبادل الرجال النظرات.
أجاب أحدهم:
"في المكتب."
"وحده؟"
تردد الرجل لثانية.
"لا."
رفع كايان عينيه إليه.
"مع من؟"
"مع فتاة."
سكت كايان لحظة.
ثم قال ببرود:
"اسمها؟"
هز الرجل رأسه.
"لا نعرف."
ثبت كايان نظره عليه لثانية أخرى، ثم ألقى سيجارته على الأرض وسحقها بحذائه.
بعدها دخل دون أن يسأل مرة أخرى.
لكن شيئا واحدا ظل عالقا في ذهنه.
فتاة.
في قصر روسي.
في منتصف الليل.
---
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ليان موريل تلعن اليوم الذي قررت فيه قبول تلك الوظيفة.
جلست في المقعد الخلفي للسيارة، وأسندت رأسها إلى الزجاج وهي تحدق في الطريق المظلم.
قالت بضيق:
"كان بإمكاني البقاء في المنزل."
لم تجبها ميرا، التي كانت تجلس بجانبها.
تنهدت ليان.
"كان بإمكاني مشاهدة فيلم، أشرب شيئا، وأنام مثل أي إنسانة طبيعية."
ضحكت ميرا.
"أنت من قلت إنك تحتاجين المال."
"كنت أحتاجه، نعم."
نظرت إليها.
"لكنني لم أكن أعرف أن العمل سيكون في آخر العالم."
ضحكت ميرا مرة أخرى.
"مر عشرون دقيقة فقط."
التفتت إليها ليان.
"وهذا هو الجزء المرعب."
"أنت تخافين؟"
نظرت ليان إليها باستنكار.
"أنا؟"
"نعم، أنت."
ابتسمت ليان بثقة.
"أنا لا أخاف."
توقفت لحظة، ثم أضافت:
"أنا فقط أكره الأماكن التي لا يوجد فيها أشخاص طبيعيون."
قالت ميرا:
"ومن قال إن الأشخاص في الحفلات العادية طبيعيون؟"
"على الأقل لا يحملون مسدسات."
اختفت ابتسامة ميرا فجأة.
"لحظة."
رفعت ليان حاجبها.
"ماذا؟"
أشارت ميرا إلى المرآة الأمامية.
نظرت ليان.
سيارة سوداء كانت خلفهم.
ثم ظهرت أخرى.
وبعدها ثالثة.
ظلت تحدق فيها لثوان.
ثم قالت:
"رأيتها."
قالت ميرا بصوت منخفض:
"ليان..."
"لا تقولي شيئا."
"هل هذا طبيعي؟"
نظرت ليان إلى السيارات مرة أخرى.
"إذا كان هذا طبيعيا في عالمهم..."
تنهدت.
"فأنا أريد العودة إلى عالمي."
لكن السيارات لم تتوقف.
بل واصلت السير خلفهم حتى وصلوا إلى الطريق المؤدي إلى القصر.
---
توقفت السيارة أمام البوابة.
كان أول شيء لاحظته ليان هو الرجال الواقفون في الخارج.
كلهم يرتدون الأسود.
كلهم مسلحون.
وكلهم ينظرون إلى السيارة.
قالت ميرا:
"لا تنزلي."
التفتت ليان إليها.
"لماذا؟"
"لأنني أشعر أن نزولنا فكرة سيئة."
نظرت ليان إلى القصر.
ثم إلى الرجال.
"وأنا أشعر أن البقاء داخل السيارة لن يغير شيئا."
فتحت الباب.
"ليان!"
"سأعود بعد عشر دقائق."
نزلت وأغلقت الباب خلفها.
وضعت قدميها على الأرض، ثم رفعت رأسها.
القصر كان أكبر مما توقعت.
وأكثر ظلمة.
كانت نوافذه مضاءة من الداخل، لكن ذلك لم يجعله يبدو أكثر أمانا.
على العكس.
كان هناك شيء في المكان جعلها تشعر بأنها مراقبة منذ اللحظة الأولى.
أخذت نفسا عميقا وسارت نحو المدخل، متجاهلة عشرات النظرات التي كانت تتبع خطواتها.
وقبل أن تصل إلى الباب، خرج رجل منه واصطدمت به.
تراجعت خطوة.
"آسفة."
نظر إليها.
كان ريان روسي.
قال:
"أنت ليان؟"
"نعم."
"تعالي."
استدارت ميرا بسرعة وكأنها ستلحق بها، لكن أحد الحراس وقف أمامها.
"السيدة موريل وحدها."
التفتت ليان.
"ميرا."
قالت ميرا:
"أنا هنا."
هزت ليان رأسها، ثم تبعت ريان إلى الداخل.
كانت تمشي خلفه في الممر الطويل حين بدأت تسمع أصواتا قادمة من الجهة الأخرى.
رجال يتحدثون.
خطوات تقترب.
ثم...
ساد الصمت فجأة.
توقف ريان.
توقفت ليان أيضا.
رفع ريان رأسه نحو نهاية الممر.
وقال:
"وصل."
لم تفهم.
"من؟"
لكنه لم يجب.
ابتعد فقط عن منتصف الممر.
نظرت ليان إلى الجهة التي كان ينظر إليها.
وهناك رأته.
رجل يقترب.
خطواته بطيئة.
ثابتة.
لا يبدو مستعجلا.
ولا يبدو مهتما بمن حوله.
كان يرتدي معطفا أسود، ويداه في جيبيه.
كلما اقترب، بدا أن المكان كله يفسح له الطريق دون أن يطلب ذلك.
رفعت ليان عينيها إلى وجهه.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، شعرت بشيء غريب.
لم يكن خوفا.
كان إحساسا آخر.
كأنها دخلت فجأة إلى مجال شخص لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.
توقف كايان أمامهما.
نظر إلى ريان أولا.
"من هذه؟"
أجاب ريان:
"ليان موريل."
انتقلت عيناه إليها.
مرة أخرى.
تأملها بصمت.
ثم قال:
"لماذا هي هنا؟"
أجابت ليان بنفسها:
"لأنني أعمل هنا."
انتقلت عيناه إلى عينيها.
"لم أسألك."
رفعت حاجبها.
"لكنني أجبته."
ساد الصمت.
لاحظت ليان أن ريان أخفى ابتسامة صغيرة.
أما كايان فلم يتغير وجهه.
ظل ينظر إليها.
وكأنها أصبحت فجأة الشيء الوحيد الذي يستحق انتباهه في المكان.
ثم قال:
"أنت كثيرة الكلام."
أجابته:
"وأنت قليل الكلام."
رفع حاجبه.
"هل هذه مشكلة؟"
"لا."
توقفت للحظة.
ثم أضافت:
"لكنها تجعل الحديث معك مملا."
ساد صمت أثقل من السابق.
نظر ريان إلى الأرض، وكأنه يخفي ضحكة.
أما كايان...
فبقي ينظر إليها.
ثانيتين.
ثلاثا.
ثم اقترب منها خطوة.
تراجعت ليان دون أن تشعر.
توقفت في اللحظة نفسها، وكأنها انزعجت من رد فعل جسدها أكثر مما انزعجت منه.
لاحظ كايان ذلك.
لكنه لم يعلق.
قال بصوت منخفض:
"أنت لا تعرفين أين أنت."
أجابته:
"بل أعرف."
"حقا؟"
"قصر روسي."
تغيرت نظراته قليلا.
"وتعرفين من أنا؟"
ترددت للحظة.
ثم قالت:
"كايان روسي."
مال رأسه قليلا.
"وماذا تعرفين عني؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"أن الناس هنا يخافون منك."
سكتت.
ثم أضافت:
"لكنني لم أفهم بعد السبب."
تغير شيء صغير في عينيه.
شيء لم تلحظه ليان إلا لأنها كانت تراقبه جيدا.
ثم ابتعد عنها.
"ريان."
"نعم؟"
"تأكد من أنها تعرف قواعد هذا المكان."
ثم نظر إلى ليان للمرة الأخيرة.
"قبل أن تكسرها."
استدار ومضى.
بقيت ليان واقفة في مكانها، تراقب ظهره حتى اختفى خلف الباب.
ثم التفتت إلى ريان.
"هل هو دائما هكذا؟"
ضحك ريان.
"أسوأ."
عقدت ذراعيها.
"رائع."
"لماذا؟"
نظرت إلى الباب الذي اختفى خلفه.
وقالت:
"لأنني بدأت أكره المكان بالفعل."
ثم مشت.
لكنها لم تعرف أن الرجل الذي غادر قبل لحظات لم يبتعد فعلا.
كان قد توقف خلف الباب.
وكان يسمع كل كلمة.
وبقي للحظات ينظر أمامه بصمت.
ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة.
غامضة.
نادرا ما ظهرت على وجهه.
قال لنفسه:
"ليست خائفة."
أشعل سيجارته.
وأخذ نفسا بطيئا.
ثم أضاف:
"هذا مثير للاهتمام."
وفي تلك الليلة...
لم تكن ليان تعرف أنها دخلت للتو إلى عالم الصياد.
ولم يكن كايان يعرف أن الفتاة التي اعتقد أنها مجرد فتاة عابرة...
ستصبح الشخص الوحيد الذي لن يستطيع إخراجه من رأسه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!