ثندردوم
ثندردوم
جزء 8 من 33
وضع القراءة:

الفصل الثامن

التفت (جوبا) و(فيكانوس) ببطء إلى خلفهما، وهما ينظران من أسفل قدميه إلى أعلى رأسه.
_جوبا: من أنت؟ أنا لا أعرفك، تبدو لي غريبا عن المنطقة.
_أدعى (سالكو أكسل)، ليس مهما من أين أنا، ولكن عليك أن تثق بي، لن يصدقك أحد غيري هنا، أ... أ... قبل أن تقول أي شيء اسمع اقتراحي.
إما أن تفعل ما برأسك وتجعل من نفسك مسخرة أمام أهل السوق وتشوه صورتك المحترمة، أو أن تثق بي وتضع يدك في يدي، وأضمن لك أن ذلك الغراب سيسقط أمامك، ولكن... لكل عمل ثمنه، وأنا لن أطلب منك الكثير ولن تدفع لي حتى ترى عملي بعينيك (مد يده ليصافح (جوبا) وهو يمدها لوقت طويل بعدما أنهى كلامه)
لم يتفوه (جوبا) بكلمه بل بقي نظره على ذلك الشاب، وهو ينظر لعينيه ويحدق فيه، فجأة غط (جوبا) في السهو يرى أحلام اليقظة مجددا، الجثث والمجرفة من جديد، وضع (فيكانوس) يده على كتف (جوبا)، ففزع بعدما كان ساهيا.
_فيكانوس: (جوبا) لقد وجدت من سيصدقك، إذا كان الكلام الذي قلته صحيحا فعليك الاستماع لهذا الشاب لا تضيع هذه الفرصة يا أخي، سأرافقكم بنفسي لأرى هذا الغراب العملاق.
لم يجد (جوبا) خيارا آخر، فصافح (أكسل) ووافق على اقتراحه، وخرج ثلاثتهم والفتاة من السوق مرورا من الوحل، ركبوا في عربة (جوبا) وعادوا لمنزل (فيكانوس)، منزله القديم المهترئ صغير له باب خشبي ينمو عليه الفطر الجاف، وله ثقب في الحائط بدل النافذة، سقفه من أعمدة الشجر والقصب ومن أعلاهما التراب، وفراشه من فرو الخراف والبقر، الذي يجمعه من جزاري السوق.
جلس (جوبا) وهو يحدق بتأمل في ذلك المنظر ويشد في لحيته، بينما بقيت (سيليا) في الخارج، جلس (أكسل) في الزاوية يمد قدمه اليمنى أمامه واليسرى يتكئ عليها بمرفقه، ويمسك من ذلك الشيء المغطى بالقماش بيمناه.
_فيكانوس: أهلا بك يا (جوبا) في منزلي المتواضع، تقبلنا فقط، أعرف أنه ليس فخما لكن يفي بالغرض.
_جوبا: لا تقل هذا يا صديقي، إنه...
_أكسل: إنه يقيك... احمد ربك أنه يقيك من البرد والحر، بعض المنازل بالجنوب جماجم البشر مغروزة في جنباتها، وبعضهم يعيش في المطامير، وأنا منهم.
ينظر له (جوبا) و(فيكانوس) وهما مصدومان من قوله.
_فيكانوس: سأحضر لنا بعض الشاي وأثناء ذلك فكر يا (جوبا) في خطة، أم سنفكر لك بذلك أيضا هاه؟ أمزح فقط، تعلم أن هذا هو عملي أن أضحك الناس.
_جوبا: حسنا. اه... عندما ذهبت عند العراف أخبرني أن أثق في الذي أفكر فيه، بصراحة... سأخبركما بالخطة التي في رأسي، ليست خطة جيدة ولكن فلنجربها، (يتنهد ثم يكمل...) أ... حسنا، أحضرت معي بعضا من الأعشاب المنومة، وأيضا سأضحي ببعض من ماشيتي لعلي أصل إلى ابن اخي.
سنقوم بذبح بعض الأبقار ونسكب عليها الأعشاب المنقوعة في الماء، على ما أظن ستخدر الغرابين وتفقدهما القدرة على الحركة بإرادتهما، ولكن لا أضمن لكما أنهما لن يهربا.
_أكسل: خطتك ممتازة رغم أنه يوجد أفضل منها ولكن ستفي بالغرض، وستسهل علي عملي.
_فيكانوس/جوبا: وما هو عملك بالتحديد؟ ما الذي ستقوم به؟
_أكسل: قناص.
_جوبا/فيكانوس: ماذا؟ ماذا تقصد؟
_أكسل: إنه مصطلح جديد عليكم، لنقل أني مثل رامي السهام ولكن ضرر سلاحي أخطر من القوس والسهم بألف مرة، السلاح الذي بين يداي لا يوجد منه ببلادكم سوى عدد قليل، ولا يجيد أحدكم استخدامه غير عائلتنا التي تم إفناؤها، أنا متأكد أنكم لم تروا مثله من قبل، اسمه البندقية، كل ما عليكما القيام به هو تنفيذ خطتكما واتركا الباقي لي، طلقة واحدة من سلاحي ستتكفل بالأمر.
_جوبا: أنا أثق فيك، أتمنى ألا تخذلني، (فيكانوس) فلنذهب لا أريد تضييع الوقت، (أتمنى أن أخرج جثثه، لا أريد أن يكون قبره في غراب، فأخي سيسخط علي).
_فيكانوس: ولكننا لم نشرب الشاي... حسنا حسنا ولكننا سنشربه عندك يا (جوبا).
_أكسل: كف عن المزاح، هيا، فلننطلق أمامنا عمل.
أخذ الرجال عددا من الأبقار واتجهوا بها مسيرة طويلة نحو "بحيرة عوا"، ورافقتهما (سيليا) التي رفضت البقاء في المنزل، قاموا بذبح حوالي ثلاثا وثلاثين بقرة وسكبوا عليها سائل الأعشاب المنومة والمخدرة، ذلك كان بعدما قاموا بسلخ الأبقار من جلودها ونشروها قرب البحيرة في الصباح الباكر، وجلسوا تحت الشجرة الكبيرة، كانت هي نفس الشجرة التي رآها (جوبا) في حلمه.
_أكسل: أنهينا الجزء الأسهل من العمل، ولكن هذا لا يضمن نجاحنا، لم يبقَ الآن سوى عملي، اسمعوني ستصعدون إلى الشجرة ومهما حصل إياكم والنزول منها، سآخذ معي بعض أغصان الشجر لأموه نفسي مع هذا السهل الأخضر، الذي لا توجد فيه سوى شجرة واحدة وتل واحد، سأذهب فوق التل وأقوم بعملي.
_جوبا: حسنا يا بني سوف نفعل ذلك، لكن أنتبه لنفسك لا نريد أن نفقدك أنت أيضا.
_أكسل: لا تخف، هذا هو عملي، (وإن كانت نهايتي فسأكون سعيدا لأنه سيكفر عن الخطأ الذي ارتكبناه).
_جوبا: اسمعي يا ابنتي، (يتنهد ثم يكمل...) إذا لم نجد (يونَكّت) فعليك أن تتقبلي الواقع.
_سيليا: لما تقول هذا؟ هل أنت نادم على خسارة أبقارك، لا تخف أنا متأكدة أنه لا يزال حيا، أشعر بذلك في داخلي.
_جوبا: لست نادما على شيء، إنه ابن أخي كيف أندم إن خسرت شيئا صغيرا لأجل أمانة تركها لي أخي، نعم إنه أمانة.
_سيليا: عليك أن تخبرني أكثر عن عمي فأنا لا أعرفه بعد، أخبرك العراف أن تأخذني لقبره ماذا قصد بكلامه؟
_جوبا/فيكانوس: لا، لا ليس ميتا، من قال هذا!
_سيليا: لم أقل إنه ميت، عما تتحدثان أنتما الاثنان، أبي! هل تخفي عني شيئا ما؟
_جوبا: ماذا أخفي؟ لا شيء.
_فيكانوس: (جوبا) لا تؤخر الأمر أكثر من هذا الزمن الذي أخرته، عليك أن تخبرهم بالحقيقة، ولكن ليس الآن، عليك أولا أن ترى ابنه إن كان... إن كان لا يزال في بطن الغراب، وبعدها أخبرهم.
استلقى (سالكو أكسل) على بطنه فوق التل بعدما موه نفسه بأغصان الشجر التي قطعها سابقا، ينظر باتجاه أجساد الأبقار المسلوخة يمينا ويسارا، بعد طول انتظار وهو مستلقى على بطنه من الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة، رغم أنه كان يغير وضعية استلقائه إلا أنه شعر بالتعب وصدره يتألم.
غيمت الأجواء وبدأت الرياح تهب، صوت الرعد يزلزل الأرض، وأخيرا جاء ما كانوا بانتظاره، غرابان عملاقان برفقة سرب صغير، يحوم في دائرة بالسماء، وصوته يعلو المكان بعدما هدأ صوت الرعد، نزلت الغربان على الوليمة، وبدأت بالأكل بينما كان العملاقان يبتلعان كل بقرة في نقرة واحدة، لا زال (سالكو) ينتظر انتهائهما من الأكل حتى يتخدرا.
أكملت الغربان الأكل وحلقت في السماء كما لو أنها لم تتأثر، ارتفع السرب أكثر فأكثر وبدأ يحوم من جديد في دائرة، لكن بدأت الغربان العادية تتساقط من السماء فجأة كالمطر بعدما مر قليل من الوقت، لكن الغرابين العملاقين لا يزالان في السماء ولاحظ (أكسل) أن حركتهما لم تعد طبيعية، لقد تخدر جسداهما وفقدا السيطرة، لكن استمرا في التحليق، كان الأمر صعبا على (أكسل) خصوصا أن حركاتهما كانت عشوائية، لكن تطلب الأمر منه بعض التركيز، ورغم ذلك الصخب إلا أن (أكسل) يكاد يسمع صوت دقات قلبه، أخذ نفسا عميقا، وأخيرا ضغط على الزناد.
صوت البندقية الصاخب يرفع قطرات الماء من البحيرة، خرجت الرصاصة من فوهة البندقية ترافقها النيران، المنظر يمر ببطء كما لو أن كل ثانية ساعة، الرصاصة تتجه إلى الأمام وتدور باتجاه اليسار، تخترق قطيرات المطر وتبخر كل قطرة تخترقها من شدة حرارتها، تزداد سرعة الرصاصة أكثر فأكثر، حركة الغرابين بطيئة وكل رفرفة جناح ثقيلة.
الرصاصة تصل إلى الغراب الأول الذي تنحى عنها بعدما مرت من قرب عينه، لكن الثاني لم يرها، فاخترقت الرصاصة أسفل منقاره الضخم مرورا بدماغه حتى اخترقت جمجمته من أعلى، حاملة معها الدماء وأشتاتا من المخ وتدلت عينه من مكانها، في منظر بطيء تكاد ترى الغراب يسقط وترى قطرات المطر الحمراء بالدماء تسقط معه.
وقع الغراب على الأرض، فحركت سقطته الماء من البحيرة وارتفع مسافة شاهقة في السماء ثم هبط مجددا، زعزعت السقطة الشجرة من جذعها فكادت أن تنكسر ولكن تمسك (جوبا) و(فيكانوس) بالأغصان، أما (سيليا) فلم تكن محظوظة، سقطت من فوق الشجرة على الأرض بعدما أمسكت من سروال (فيكانوس) ونزعته، لمحها الغراب وفي نفس الوقت رمقها (أكسل) الذي لم يعجبه الأمر، احمرت عين الغراب وتجهز للانقضاض عليها رغم فقدانه للسيطرة، ارتعبت (سيليا) رعبا مهيبا، هل سيحصل لها ما حصل لـ (يونَكّت)؟
حاولت الوقوف والهرب لكنها لم تستطع، بل كانت تهرول وتسقط، الغراب قريب منها ولم يبقَ له إلا أمتار قليلة ليصل، (أكسل) يغير اتجاهه نحو (سيليا) ويستلقي مجددا.
يقفز (جوبا) من فوق الشجرة أمام ابنته ليحميها، (فيكانوس) على الشجرة يلبس سرواله، يسل سيفه وينتظر الفرصة المناسبة للقفز فوق الغراب، الغراب قريب جدا و(أكسل) ينتظر، (جوبا) يغطي ابنته بذراعيه، (فيكانوس) يقفز من فوق الشجرة وهو يصرخ ويمسك السيف بيديه إلى الأعلى، رآه الغراب فالتف الأخير ليسقط (فيكانوس) على الأرض وتنكسر ساقه.
(جوبا) مرتعب، (سيليا) تصرخ، وعين الغراب يختفي احمرارها، إنها الفرصة المناسبة، أطلق (أكسل) الرصاصة الثانية التي قطعت عنق الغراب، فالتف رأس الغراب المقطوع بسرعة كبيرة جدا، ومر من فوق (جوبا) و(سيليا) فاخترق منقاره جذع الشجرة، ليبقَ مغروزا فيها وقطرات المطر تغسله من الدماء، سقط جسد الغراب على الأرض أمام (جوبا) وفعل ما فعله الغراب الأول، لكن بدأ جسدا الغرابين يتحركان حركات عشوائية كما يحصل بعد ذبح الدجاج.
(فيكانوس) قريب جدا من جسد الغراب ولا يستطيع الحركة لأن ساقه مكسورة، لكن تدخل (جوبا) بسرعة وقام بحمله وأحضره قرب الشجرة عند (سيليا)، (أكسل) يغطي بندقيته بثوبها ويضعها على ظهره ويتقدم باتجاههم.
_سيليا: آسفة يا أبي ويا عمي (فيكانوس)، إنها غلطتي، أعتذر بشدة.
_فيكانوس: لا... لا تقولي هذا يا ابنتي، لم تفعل شيئا، إنه ... إنه خطأ (جوبا)، أمزح فقط.
_جوبا: لما قفزت من فوق الشجرة أيها المتهور؟ ألم تخف من الموت؟
_فيكانوس: ها... أردت أن أظهر في مشهد بطولي وأنا أقتل الغراب وأنقذكما، طبعا... فعلت ما يتوجب على أي شخص فعله.
_جوبا: ولا زلت تطلق النكات، انظر لحالك كدت تموت بسببنا.
_فيكانوس: لا (جوبا) لا، لو مت لكنت سعيدا... لأكفر عن أخطائي الماضية، ولكن الحمد لله.
_سيليا: أنظرا انه قادم، ذلك الشاب قادم.
(أكسل) لابسا ردائه الأسود الذي يغطيه من رأسه لرجليه ويرفرف به الريح، يتجه نحوهم ورأسه نحو الأسفل، والمطر لا يزال يهطل، وقف عند رأس (فيكانوس).
_أكسل: هل أنتم بخير؟
_فيكانوس: لم أكن أفضل حالا من الآن في حياتي... أنا سعيد جدا.
_أكسل: كف عن هذا المزاح، أنا جاد.
_جوبا: ساقه مكسورة علينا أن نأخذه إلى المنزل بسرعة.
_فيكانوس: لن تأخذني إلى أي مكان حتى نرى ما في بطن الغرابين، (أكسل) خذ سيفي ستحتاجه لفتح الغرابين، أنت الأولى بالمهمة لأنك أنقذتنا اليوم ونحن مدينون لك بحياتنا.
_أكسل: لم أفعل شيئا إنه واجبي.
_جوبا: اسمعني يا بني، اذهب إلى الغراب الآخر واترك لي هذا، وإن وجدت شيئا ما أخبرني.
سلَّ (جوبا) سيفه وفتح بطن الغراب ولم يجد فيه إلا ما أكله قبل لحظات، خسارة للماشية وحسب، (أكسل) بهدوء تام وقف عند رأس الغراب وسخر منه، يا لك من ضعيف، عيون الغراب تتدلى من مكانها ومخه يغسله المطر من الدماء.
فتح (أكسل) بطن الغراب ولم يصدق ما رأته عيناه، بين أكوام القذارة والقرف شيء غريب، نادى على (جوبا) لرؤية ذلك، كيف سيصدقان ما تراه عيناهما، (يونَكّت) متصلب في شيء كالزجاج، انتشلاه معا من بطن الغراب وحملاه بصعوبة عند الشجرة، (فيكانوس) مصدوم و(سيليا) مصدومة وسعيدة في نفس الوقت.
_سيليا: أخبرتك يا أبي أنه لا يزال حيا، ألم أخبرك بذلك؟
_جوبا: (يتنهد...) نعم. ولكن انظري إلى حاله يشبه التمثال.
_فيكانوس: المهم أن أمانة أخيك لازلت تحافظ عليها.
_أكسل: هذا الشاب، سبق ورأيته في مكان ما!
_جوبا: وكيف لا تراه وهو من سكان المنطقة.
_أكسل: لا، رأيته في مكان آخر ولكن الوقت غير مناسب للحديث في هذا الموضوع.
_جوبا: معك حق، لا زال علينا حمل (فيكانوس) إلى العربة التي تركناها بعيدا.
حمل (جوبا) وابنته (يونَكّت)، وحمل (أكسل) (فيكانوس) الذي لم يتوقف عن إطلاق النكات عند رأسه، وركبوا عائدين للمنزل.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.