الفصل الخامس والعشرين
استمر يضغط علي الوقت كله، عندما حلت تلك الليلة لم أستطع سوى جمع أنفاسي والتوجه نحو طاولة العجوز، كان الحراس يراقبون السجناء بكثافة، ذهبت عند أحد المساجين وأخبرته أن أحدهم يسبه ويقول أنه جبان، أثرت غضبه فذهب مسرعا وارتمى عليه من فوق الطاولة وراح يخنقه، حتى اجتمع الحراس ليوقفوهم، أثناء ذلك تسللت إلى خلف أحدهم وسحبت المسدس منه بسرعة، كان العجوز أمامي والحراس خلفي.
بدأت أسمع خفقات قلبي تعلوا صراخ الجميع، الحراس يصوبون نحوي والعجوز يزيل الوشاح من على رأسه ببطء، ركب الخوف على ظهري ولم أعد أستطيع التحرك، أنفاسي ترتجف، ألقى العجوز الوشاح البرتقالي المخطط بالأبيض على الأرض، ولم أعلم ما حصل حتى تزعزعت يداي بشدة من قوة الرصاصة، كان المشهد بطيئا والدخان يخرج من فوهة السلاح بكثافة.
تتجه الرصاصة أمام عيناي إلى الشخص الذي لم يحقق حلمه ودخل مظلوما، وهو رافع سبابته يطلب من الله أن يسامحه، رميته بسرعة وقفزت نحو العجوز الذي لم تنزل منه قطرة دم قط، الحراس خلفي يركضون نحوي، أمسكت الوشاح ورحت أبكي على رأسه أن يسامحني.
رموني في الانفرادي، ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن رؤية العجوز أمامي، يحثني ويجيبني في كل الوقت، حتى جاء اليوم الذي استطاع فيه رفاقي أن يخرجوني من السجن البائس خفية عن المنظمة، ومعي العجوز في قلبي كما قال لي تماما.
اغتنمت الفرصة لأرى ابنى ولنرحل عن ذلك المكان الذي جلب لنا البؤس، لم أعاني في إقناعه بما حصل لي ولأمه، لكن اكتشفت المنظمة أمر خروجي من السجن وأن لي ابنا فطالبت الشرطة بالقبض علي، وبالفعل أمسكوني وابني ونحن على قارب وسط البحر، ركبنا في قاربهم وكان ما يراودني أنداك هو العجوز، يقول لي هل تريد أن يعيش ابنك داخل السجن طوال حياته، ومن جهة أخرى زوجتي التي ماتت، وألوم نفسي على البشر الذين جعلتهم يعانون باكتشافي.
أخذانا إلى معسكر اعتقال شديد السرية وسط غابة في مكان ما، به العديد والكثير من الأشخاص المتنوعين ومن ألوان مختلفة، الذين يتدفقون فيه بالمئات كل يوم وينتظرون نهايتهم المحتومة وهي الإعدام. ومن الواضح أنهم من معارضي أخوية العين الثالثة.
كانت الوحدة المكلفة بهذا المعتقل والخبيرة في الحرب النفسية تختار من ستجرى عليه التجارب ويعيش حياة الجرذان، ومن لم يختَر يقتل في الحين كما حصل بمجموعة من الناس. وكان خطابهم أنداك؛ (نعتذر عن أي إزعاج تعرض له أحد، النساء من فضلكن انزعن الحلي. سرعان ما ستنتقلون لمقراتكم للراحة، لكن قبل ذلك خذوا بطاقات التعريف هذه.
ومن المتوقع منكم المساعدة هنا ولكن حافظوا على صحتكم لتفادي انتشار المرض). لم أتوقف عن التساؤل عما سيحصل لنا هناك، ولحسن الحظ كنت وابني من الأشخاص الذين ستجرى عليهم التجارب، أي أننا سنعيش بضعة أيام، كنت أعمل مجبرا كمساعد لهم، بينما يعمل ابني في تنظيف القذارة التي تخلفها تجاربهم على الناس، من أجل ضمان استمرار أرواحنا.
بدى القتل عندهم سهلا، وكان أغلب المحتجزين قد تقبلوا فكرة موتهم داخل ذلك الحجز وأن هروبهم مستحيل. كنت أفكر دوما في طريقة للخروج لكن لم يكن هناك أي مهرب، بل كنا نتعرض للعنف كل يوم لأننا لم نكن نملك الشجاعة. أملنا الوحيد هو كلما احتاجت الوحدة خدماتنا فسنعيش يوما جديد. لكن إذا كان سبب وجودنا الأول هنا هو حكم الإعدام فمن الواضح أن دورنا في الموت سيكون قريبا جدا.
دارت الشائعات داخل ذلك الحجز بأن الإعدام الجماعي سيكون بعد ثلاثة أيام، كان العديد من المحتجزين يحاولون الهرب لكن تمت تصفيتهم، وكان قائد الوحدة يلقي علينا الخطابات بعد كل عملية هروب؛ (لقد جرت عدة محاولات للهرب من قبل زملائكم لكن الحظ لم يحالفهم، وللأسف يجب تذكيركم بأن هذا الأمر غير مسموح به هنا، سيتم إعدام ثلاثة من كل ثمانية أشخاص من مجموعات العمل).
كان يقوم بالعد وهو ينظر إلينا بطريقة مرعبة، ونحن في صفوف نرجو ألا يتم إعدامنا، تم أخذ عشرة أشخاص وإعدامهم، حينها ما كان يرعبنا هو معرفتنا باستحالة الهرب لأن أشخاص آخرين سيدفعون الثمن.
لكن لم نتوقف يوما عن التفكير في خطط للهرب عندما كنا نجتمع ليلا، لم نتعلم كيف نحارب ولم نملك أية أسلحة، لكن حصل ما قد نسميه برحمة من الله علينا، وهي وصول مرتزقة من الجنود المعارضين لأخوية العين الثالثة، وعلى رأسهم زعيمهم، كنا ننظر إليه بإعجاب ونعلم أنه أملنا للخروج من هناك.
كانت لدينا معلومات بأن الوحدة المكلفة بنا ستقتلنا كلنا بعد ثلاثة أيام، لكن المشكلة كانت في عددنا الكبير.
هو وجنوده الذين اختارهم بعناية كانوا يبحثون عن مكامن الضعف في الحجز، وبعد محاولات تمكنوا من اكتشاف ثغرة في الحراسة، حتى نحن حينها لم نفهم كيف كانت تلك الثغرة، كل ما علمنا به هو كل شخص سيقوم بتأدية دوره دون خطأ في هذه العملية، كلفت أنا وابني بإشعال النار في المختبر، بينما الاخرون يؤدون أدوارهم أيضا.
تمكنت من فعل ذلك وانطلق جرس الانذار، فأصيب المساجين بالذعر وساروا يفرون هروبا من كل مكان، بينما يطلق عليهم الجنود النار من الخلف، تمكن البعض من الهرب، وبينما كنت أجري وابني سقطت عليه احدى الاسطوانات العملاقة، كان يطلب مني الهرب لكني رفضت تركه، وبقيت أحاول مساعدته، بدأت ألسنة النار تحاصرنا من كل مكان ولم يعد لنا مهرب، تقبلنا فكرة موتنا هناك، اشتدت النار أكثر وفي لمح البصر وقع انفجار هائل منطلقا من الأسطوانة، فكنت أرى الهواء والمكان وكل شيء يتمزق أمامي، كانت صدمتي لا توصف، ثم وقع انفجار آخر وحينها انتهى كل شيء.
لا أعرف كم مضى من الزمن منذ ذلك الحدث، لكن كل ما عرفته حينها هو اننا لم نعد في المكان ولا الزمان الذي نعيش فيه، فقد وجدت نفسي وابني في عالم بدائي لا تطور فيه، ولحسن الحظ كان بجوارنا الأساطين وبعض المعدات التي سحبت معنا.
قمنا بجولة في ذلك المكان بالكامل، ومن الواضح أنه في العهد القديم حيث لا تكنولوجيا ولا أي شيء، مضى على وجودنا سنوات ونحن نحاول اكتشاف طريقة للعودة، لكن دون جدوى. إلى ان اكتشفنا مصدرا للطاقة، وذلك حينما كنا ننظف هذا الكهف، كانت جوهرة زرقاء بحجم قبضة اليد، حاولت فهم طريقة عملها، لكن حينها كل ما توصلت إليه هو أنها يمكن ان تشحن اجهزتي بالطاقة لكي تعمل.
كنت أفكر وأبحث طوال الوقت عن طريقة لتوظيفها، كان ابني معي في كل لحظة ولم ييأس أبدا، وبينما الجوهرة على الطاولة في أسطوانة مليئة بالحمض، بدأت عاصفة رعدية بالخارج، كان صوت الرعد صاخبا، فبدأت الجوهرة بالتوهج باللون الأزرق، وبشدة قوة العاصفة بدأ الكهف يتزعزع، فتساقطت العظام المعلقة على السقف والتي كنت أدرسها أيضا، سقطت فوق الطاولة وكسرت الأسطوانة، كنت أجري لأخذ الجوهرة، ومع اقترابي منها ولمسها تنفجر وكل ما يحيط بها، كان الضوء الأزرق والدخان المزرق يخرجان منها نحو كل مكان.
كان المشهد وأنا أمام الانفجار يمر ببطء كبير، حاولت تدوير رأسي نحو ابني لأراه، وبينما أحركه يسارا كانت تلمح عيني اليسرى جزء من الجوهرة وهو يخترقها، لم أكن اقوى على فعل أي شيء، وكان الصمت يغطي المكان، وبعد لحظة من اختراق الشظية لعيني تسارع الوقت مجددا وبدأت أسمع الانفجار وهو يزداد صخبا، فدفعتني قوته لأرتطم بالجدار، فتحت عيني اليمنى لأرى ابني، فكان يمسك بصدره وهو ينزف حتى سقط أرضا، حاولت الوقوف لأطمئن عليه لكني سقطت بدوري.
داخل عالم الغيبوبة التي دخلتها، كانت الحواس المادية معطلة ولم أكن قادرا على تحريك جسدي، ومع ذلك، تفتحت لي عوالم جديدة في عقلي ووجداني، حيث تحولت الواقعية إلى مشهد أكثر تجريدا وتركيزا على العقل والوعي. كان عالم الغيبوبة مليئا بالظلمة والسكون، حيث لم يكن هناك صوت أو حركة ملموسة في البداية، كانت أفكاري ومشاعري هي التي ترسم في جدران ذلك الظلام، لقد امتزجت الواقعية والخيال بشكل غريب.
كان الامر صعبا ومرهقا خصوصا الشعور بالوحدة، خلال هذه الفترة الصعبة، ظهر لي العجوز حينها وبدأت أتذكر الكلام الذي قاله لي سابقا، فكان العجوز وجودا معرفيا وسندا لي، كما لو أنه واجهة للعالم الخارجي حاملا لي العديد من المعلومات والمعارف العلمية، فكان طوال الوقت الذي لم أكن اعرفه يلقنني دروسا عن العلم والآلات وقوانين الطبيعة والنفس، وهنا بدأت بإغناء ذلك الظلام بالعلم والمعرفة.
وبتعلمي للعديد من الأشياء، بدأت استكشف قدراتي النفسية المكتملة الصنع، كالتركيز العميق والتصور الابداعي، اكتشفت حينها أني أستطيع تحليل المشاكل والالغاز العلمية بطرق مبتكرة وسهلة، هذه القدرات النفسية والعقلية اعطتني الارادة الصلبة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
ومع اشتياقي لابني وارادتي المتزايدة للاطمئنان عليه، تزايدت رغبتي في الخروج من تلك الغيبوبة والعودة إلى العالم الحقيقي. رغم أني كنت محاصرا الا أني بمساعدة العجوز تمكنت من التواصل مع العالم الخارجي، كان دائما ما يقدم لي النصائح التي أجد صعوبة في فهمها، لكني اعرف ما كان يدفعني أليه حينها، فكان يقول لي كما اذكر:
_العجوز: "عندما تتسع العقول وتتمدد الأفكار في أفق اللاشكل واللازمان، تتلاشى حدود الوعي وتنفتح أبواب الادراك على رؤى متعددة. في هذا الشغُور تتجاوز الفكرة البسيطة وتتوسع إلى اعماق لا نهاية لها، حيث تلتقي الافكار والأحلام في زمردة من الدوافع المتصارعة. في حضور الروح القائدة تتشابك الخيوط المعرفية لتنسج تحفة فريدة من التعقيد.
إن الأماني المؤجلة تتحول إلى ندم، فلا تؤجل أحلامك وتدفنها في قبو الأمل، أطلق سراح أمانيك وتوقعاتك للحال، واحتضن الحياة قبل ان تغرب الشمس عن سماء وجودك، فالموت يأتي دون استئذان، فلا تنتظر لحظة الرحيل لتشعر بأهمية الحياة.
اعشق اللحظة واحتضن الأمل في اعماقك. قبل ان تنطفئ شمعة حياتك، احرق كل لحظة بعاطفة وجودك، فالموت ليس نهاية دون حساب، بل فرصة لترك بصمة أبدية في ذاكرة العالم."
كان كلامه يحتاج الكثير من الوقت لفهمه. كان الأمر أشبه بشيء لا يمكن وصفه أو التفكير به، رغم ذلك عرفت وقتها بعد تعلمي لكل تلك الأشياء، أن السبب في تعلمي لها يرجع لجزء الجوهرة التي اخترقت عيني ودخلت إلى مخي، فمنحته طاقة كبيرة وجددت الخلايا التي تعرضت للتلف داخله، وهنا أدركت أن كل الذي مررت به كان بسبب هذه الجوهرة، كان لدي دافع يجعلني أعيش وهو الذي نشطها.
رغم اكتسابي لهذه القدرة الفائقة إلا أنني كنت امر بصراع داخلي عميق، والذي انقسم إلى رغبة في استخدام هذه الطاقة لجعل العالم أفضل، أو تدمير هذه الطاقة كي يعيش العالم المستقبلي في سلام، أو ترك هذا العالم القديم كما هو والعودة لدياري، حيث اوقف تلك المنظمة، كانت افكاري متشتتة. وجدت أخيرا ان الخيار الأفضل هو أن اجمع هذه الطاقة لأعود إلى عالمي وانهي تلك المهزلة، أخيرا استيقظت ووجدت جسدي أصبح نحيفا على وشك الموت، لكن رأسي كان كما هو وعيني لم تتجدد لكنها كانت تشع بالأخضر.
بعد العديد من النظريات اكتشفت اننا سحبنا إلى هنا عن طريق ثقب دودي، وذلك بسبب الانفجار القوي الذي حصل، والذي تسبب في تمزق في الزمكان، والطريقة الوحيدة للعودة هي عن طريق ثقب آخر، ولكن يجب ان يكون الامر دقيقا.
من اجل ايقاف كل هذا الهراء الحاصل يجب علي ان اعود للماضي وامنع نزول النيزك... الامر فعلا متعب، كثرة الشرح جعلتني اتوه مجددا، يا بني فلتعش لنحقق ما أردناه".
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!