ثندردوم
ثندردوم
جزء 3 من 5

الفصل الثالث

{right}{/right}
اختفت معالم البهجة منذ الحدث الأخير، لم تعد هناك أميرة وسط ذلك المنزل الواسع، ولم يعد هنالك شاب غامض، فقط البؤس والصمت في الأجواء، اتفقوا على أن تبقى الأمور سرا بينهم بعدما أخبرنه بالذي فعلنه بالكيس، لم يصدق الأمر عندما سمع أن ما كان في الكيس مجرد برتقالة مقشرة وأخرى سليمة للمرة الثانية.
_جوبا: هذا لا يصدق، لما سيفعل شخص بقوته كل تلك الحالة لمجرد برتقالتين؟ ما المميز فيهما؟ آه لقد حرمني من ابنتي، على الأقل (لاين) بخير ومن الجيد أنه لم يرَ هذا.
جالس لوحده فوق جذع شجرة يابس، يضع يديه على خديه ويغطي عينيه، ولا يفارقه التفكير في الماضي(...).
وصل إلى البيت ابن أخيه الذي مر عليه حينما كان جالسا، والذي لطالما رحبوا به وفرحوا لقدومه، لكن هذه المرة لم يكن هناك كلام أو صوت، فقط برودة دم وصدمة على وجوههم، دخل مع الباب وهو يبتسم، لكن البرودة على ملامحهم لا تكاد تتزحزح، يسأل عن (لاين).
_يونَكّت: يا خالتي أين (لاين)؟
_ماريا: اختفى.
_يونَكّت: مزحة جيدة، يا خالة لم أكن أعلم أنك تحبين المزاح هكذا.
_ماريا: (اقتربت منه ونظرت مباشرة في عينيه)، هل يبدو لك أني أمزح، نحن لم نره منذ مدة، الواضح أنه سافر كما قال والده، (أو أنه... لا، لا أظن).
_يونَكّت: حسنا، حسنا لا تغضبي هكذا أظنه بخير، يا خالة (توناروز) كيف حالك؟ أين (سيليا)؟ أريد أن أعطيها شيئا جميلا.
لم تخبره بالحقيقة طبعا، بل اجتمعوا على كذبة واحدة وأخبروه أنها ماتت وقاموا بدفنها، أخذته إلى قبر دفنت فيه كل ملابس ابنتها لتنساها، جلست عند ذلك القبر وبدأت تبكي وتدخل وتخرج في الكلام، وذلك ما لاحظه (يونَكّت)، سمعها تبكي وتقول ليتني استطعت إنقاذك منه، يا ليته لم يأخذك ويذهب، أضاف كل هذه الشكوك إلى كلام عمه الذي طوال الوقت يقول أنا ضعيف لم أستطع إنقاذاها، ويتحدث تارة أخرى عن أمانة أخيه.
في الليل عاد إلى المقبرة ليحفر القبر، في ذلك الجو الهادئ والظلام الدامس، مع أصوات البوم والخفافيش، يتحرك بين القبور ذات الشاهد ويدوس من ليس لهم شواهد، فهو لم يصدق كذبة موت الفتاة التي كان معجبا بها،
أشعل شمعة عند شاهد القبر، وبدأ بالحفر فيه دون توقف، ليكتشف أن الحفرة التي يحفر بها ليست قبرا، بل كانت لحدا مقفلا بالرصيص، أزاله بصعوبة ودخل في ذلك اللحد الصغير، فلم يجد سوى الملابس التي أخذ منها قميصا وترك اللحد مبعثرا، وقبل خروجه منه أطفأ الشمعة، ولم يعد يبصر شيئا أمامه كالمغشي عليه.
ذاهبا إلى حصانه وكلبه، يحاول فهم الذي يجري، وكيف سيبحث عن (سيليا)، لكن فجأة هزيم الرعد يسبق البرق من العدم ويضيء المكان بالكامل، ذلك الصوت كاد أن يفجر طبلة أذنه، بل حتى الأرض شعر كما لو أنها تحركت من مكانها، لم يسمع بعد توقف الصخب إلا تسارع دقات قلبه، ولم يفلت القميص من يده. اتجه نحو حصانه وكلبه ذاهبا إلى "سوق العفاريت" في ذلك الوقت المتأخر من الليل.
لم يفكر في طريقه وهو على حصانه إلا في الطريقة التي سيعثر بها على (سيليا)، بعدما وصل إلى "سوق العفاريت" لم يوصله تفكيره المحدود إلا إلى طريقة غبية واحدة وكانت بتشجيع من أحد العرافين السحرة، الفكرة أن يدعي بأنه بائع متجول. فاشترى قدر ما استطاع من الأعشاب المتنوعة وشباك المسامير والسكاكين والملح، بوصية من العراف الخرف.
بعد بزوغ الفجر، أمسك مجددا القميص الذي ربطه على خصره وقام بشمه للمرة الأخيرة، بعدها وضعه على أنف كلبه الذي سرعان ما بدأ الجري في طريق مستقيم، لحقه على حصانه الأسود المحمل بالأمتعة، وراح يهرول وراء كلبه.
في الناحية الأخرى من البلاد وداخل قرية مساكنها الفارغة من ساكنتها، لا إنسان فيها أو حيوان، فقط قطرات الدماء السوداء المتطايرة على الجدران وبقايا الجثث والعظام، أبواب مخلوعة ونوافذ مكسورة، ورمال الجفاف تكتسح المكان، والغبار المتناثر يحجب الشمس والأفق.
في قلب قرية "النعيم" التي أصبحت جحيما، لا حياة بها ولا نبات، وصلت آثار أقدام تشبه آثار نمر أو فهد إلى داخل منزل تحيط به العظام والجماجم البشرية والحيوانية، بعضها عالق بالسقف والبعض الآخر ملتصق ومشقق الجدران، كما لو كان ما غرزها مطرقة.
في الداخل كان الغريب بملابسه السوداء قد وصل ومعه (سيليا) التي لم تتوقف عن البكاء منذ لحظة اختطافها، ملابسها المبللة المغطاة بالغبار التصقت على جسمها، خلع الغريب ردائه الأسود الطويل أمام عينيها، لم تصدق ما رأته حينها، كان شكله ووقفته كالإنسان لكنه بفروٍ أو زغبٍ غريب، لعابه يسيل على الأرض وأنيابه البراقة كالخناجر ومخالبه التي تثير الرعب...
حاولت (سيليا) الهرب لكنه تلَقَّفَ رقبتها ورماها عند الزاوية حتى طرحت أرضا، تصرخ طالبة النجدة، ولم يكن هناك من يستجيب أو من يسمع صراخها وينجدها، اقترب منها ببطء ولعابه يسيل على الأرض، لم تكن فيه ذرة إنسانية أو شعور، أوصل عيناه إلى رأسها وهي تبكي مغمضة العينين.
(هزيم الرعد من جديد يزلزل المكان ويسقط العظام من أعلى)، يستعد لالتهامها، فلما خفض رأسه نحو عنقها بدأ يشمها وهي تبكي، حتى سقطت الدموع على أنف الغريب من ذقنها، حوَّل نظره إلى القطرات فوق أنفه، لم تعد عيونه تلمع باللون الأحمر بل عادت إلى طبيعتها كعيون البشر، لم يتغير فيه شيء أبدا، فتحت (سيليا) عينيها ببطء تحاول معرفة ما يجري، فلم ترى منه سوى عينيه اللتان كانتا تنظران في عينيها مباشرة، بدأت بمسح دموعها ومستمرة بالتحديق فيه، بعدما رأى تلك العيون الزرقاء وفي جوانبها ومركزها السواد، بدأ في تذكر بعض الأشتات (يرى انفجارا بلون أزرق مهول، و شظايا كالزجاج تطير في كل مكان ومربعٍ، ورجل يلبس الأبيض يمسك من عينه اليسرى وينظر في اتجاهه ويبكي ويصرخ عيني... عيني فقأت)، كانت تلك اللحظات في ذاكرته تمر ببطء شديد مر السحاب.
عندما رأته (سيليا) ساهيا وغافلا حاولت الانسلال والهرب، لقد نجحت في الخروج من الباب لكنها وجدته أمامها، أعادها مجددا، لكن هذه المرة لم يلاحظ ما كان يحصل له، عندما حملها مجددا ورماها على الزاوية كانت يداه قد ردَّتا إلى شكلهما الخلقيّ الإنساني، حاول الاقتراب منها كالمرة السابقة، لكن هذه المرة اكتشف الأمر، كلما حاول الاقتراب يتفسخ عنه شكل الوحش الغريب، وكلما تراجع يعود لوحشيته، لقد دخله الشك والارتباك وبدأ يتحرك في كل مكان ويصرخ في البيت، فجأة توقف وقال.
_ الغريب: هذا غير معقول، تلك القدرة... لا أعرف كيف حصلت عليها، (اه بالطبع) بالطبع لقد أكل والدك ذلك البرتقال (لم أتوقع أن تنجح بعد كل هذه السنين يا سيد... نسيت اسمك مع الوقت) ... لم أتوقع أن تكون في ذلك الكيس بعد كل تلك المحاولات الفاشلة، لا يجب أن تكون لك هذه القدرة إنها من حقي أنا هل تسمعين، من حقي أنا.
_سيليا ديلودو: ما... ماذا؟ أي قدرة؟ و... وأي برتقال؟
_الغريب: لا تدعي الغباء أعرف أن... لماذا أتعب نفسي بالشرح، كان كل ذلك جزء من خطته للحصول على القوة، وأنا أخيرا يمكنني القول إني نجحت.
_سيليا: أي قوة تق...تقصد (وهي ترتجف من الخوف)؟
_الغريب: إذن أنتم لا تعرفون عن تلك الجواهر شيئا، هذا مطمئن، مطمئن جدا... وبما أن نهايتك ستكون على يدي أو يديه، أظن لا بأس بأن أرجع ذاكرتي قليلا.
"أنا لا أذكر الكثير من الماضي، لكني أتذكر بعض الأشياء المهمة، كان لدي شجرة برتقال ولم تكن مجرد شجرة برتقال، كانت ثمارها لا تنضج بسرعة ولا تيبس بسرعة، لم يكن هذا أمرا عاديا، تلك الشجرة تحللت في داخلها قطعة صغيرة من جوهرة ما كما أخبرني، أم أنني عشت ذلك الحدث؟!
على أيّ، أصبحت الشجرة تحتوي على قوة لا متناهية، انتظرت تلك الشجرة عدة سنوات لتكبر وتضع ثمارها، وبما أني وحش كما يقول عني البشر، فأنا لا أستطيع تناول البرتقال، (لا لا، أعتقد أن السبب شيء آخر)، لذا فكر وفكر في طريقة تمكننا من الحصول على تلك القوة، عرف أن الطريقة الوحيدة هي أن يعطي سكان هذه القبيلة البرتقال ليأكلوه، وأنا سأراقبهم عن كثب، فالذي سيحصل على تلك القوة سأقتله وآكله لأستولي على قوته.
أهلكت هذه القرية بأكملها ولم أربح شيئا سوى تلك العظام بالخارج، أظن البرتقال الذي يحتوي على القوة نادر، وبقي معي عدد قليل من البرتقال، فتوجهت به لقبيلتكم، كان سعيد الحظ هو والدك، كان ذلك قبل ألف سنة، كنت أعلم أنه من المستحيل أن يرجع لي البرتقال بعد مرور ذلك الوقت، أنا لا اذكر جيدا.
والآن، أنت أحد الأشخاص الذين يمتلكون قوة جوهرة الرعد، أظن الاسم جميلا صحيح؟ سميتها بنفسي، المهم أنت محظوظة لأني الآن لا أستطيع أكلك، فكلما اقترب منك أنسلخ وأفقد شكلي هذا، ولكن هذا لا يعني أنك ستذهبين إلى مكان ما، ستبقين هنا معي، حتى أعثر على بقية القوى، وحتى الآن لا نعرف نوع قوتك، لكن هو سيعرف كيف يتعامل معك."
_سيليا: رجاء دعني أذهب، أريد رؤية أبي وأمي وأخي، وأنا ليس لدي أي قوة كما تقول، أرجوك.
_الغريب: أخوك! يعني من المحتمل أن يكون لديه أيضا جزء من طاقة البرتقال؟ ما هذا؟ دائما نفس الحالة، الأمر متعب حقا لكن إما هو أو أنا، لا أستطيع التضحية بنفسي، يجب أن أعثر عليه، لكن أولا...
(ليتني أموت وأرتاح فقط، تعبت من هذه الحياة، فكل هذه السنين وأنا أعاني، تدمرت وفقدت إنسانيتي، أريد إنهاء عملي أولا، بعدها سأطلب منه أن يريحني من عذابي هذا).
ربطها بسلسلة حديدية، واستلقى على ظهره من شدة التعب، فتلك الطاقة التي جعلته يتحول إلى شكل وحش وأعطته تلك السرعة الرهيبة، من المحتمل أنها تهلك الجسد وتتعبه، ويحتاج وقتا من أجل الشفاء والعودة إلى اللياقة والقدرة على التحمل.
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.