الفصل الثالث عشر
_العجوز: كان يا مكان شاب متوسط العمر، كان يحب عائلته جدا، لكن اكتشف بأنه مريض، فذهب عند عراف خرفٍ أعطاه دواء، ذلك الدواء بعدما شربه ومرت أيام بدأ يفقد عقله، بل أصبح مجنونا لا يعرف نفسه ولا عائلته.
أخذه والده إلى العراف من جديد فأعطاه دواء آخر، لكن هذه المرة ازداد جنونه جنونا وخرج من القبيلة تاركا زوجته وابنه الرضيع، وتقول الأسطورة بأنه تحول إلى حمار في أحد الأيام، ينهق بصوت عال ويتشقلب في الأرض ويتصرف بطريقة غريبة.
يقول البعض بأنه كان جحشا صغيرا يتشقلب في الأرض وتتطاير منه هالات غريبة، حفر بها الأرض كما لو أن صخرة من السماء سقطت واكتسحت تلك المساحة، لكن بعد مرور سنوات تهاطل المطر وملأ الحفرة بالماءَ لتصبح بحيرة، اجتمع الناس حولها وسكنوا بجانبها وتأسست قرية جديدة سميت "بحفرة الجحش".
_لاين: ما هذا الجنون، (بعدما حصل لي اليوم لا مفر أمامي سوى الإيمان، آمل ألا يكون ذلك الحمار الذي تحدثت عنه هو نفس الحمار الذي صادفته أنا)، ومن أخبركم بذلك.
_العجوز: لقد وصلنا يا صغيري، ألم تقل بأنك لا تريد الاستماع للأساطير.
منزل العجوز منعزل عن القرية، تنموا أمامه شجيرات صغيرة، وخلفه أشواك وصبار، البيت له باب خشبي قديم ونافذة صغيرة بعرض الذراع في الخلف، سقفه كسقف منزل (فيكانوس)، وفي جانبه الأيسر بيت صغير من الأعشاب والخشب تخزن فيه الحطب.
فتحت العجوز الباب فكان البيت مزدحما بالكتب الجلدية والمخطوطات القديمة وأقلام القصب والحبر الأسود، وفي منتصف البيت طاولة خشبية بلون الباب، لون قريب للرمادي يظهر بعد مرور أكثر من جيل على ذلك الخشب، وبجانبها كرسي وأسفلها كرسي آخر عليه كتاب فوقه كوب خزفي، عند الجدار القصير فراش العجوز من جلد الخراف، والغطاء من جلد البقر.
طلبت العجوز من الشاب الصعود فوق البيت، وهناك وجد فراشا آخر من نفس ما تفترشه، على جوانبه من كل اتجاه كتب مغلقة وأقلام القصب، وأدوات غريبة من النحاس عليها رموز وأرقام أغرب (رقم ثلاثة.)
نزل بسرعة ليغسل حاله من القرف والغبار الذي عليه وعلى ملابسه، سكبت العجوز له الماء في قشرة صخرة كلسية تشبه الإناء موضوعة على الأرض، جلس على صخرة مقابلة لها وسار يغرف منها ويغتسل، بعدما انتهى خرج ليرى الحصان المربوط عند أقرب شجيرة، كان الجو هادئا ومعتدلا والنجوم تتلألأ وتتبلج في السماء السوداء، أمسك رأس الحصان وسار يقبل أنفه الناعم ويطلب منه العفو عما فعله بأمه، سمع من داخل البيت نداء باسمه، فذهب مسرعا للداخل.
فتح الباب وريح الفتح كانت ستطفئ الشمعة المنيرة في الوسط، صحن من الطين مليء بالشعير المطهو، فوقه الزبدة تذوب وفي الجوانب زيت الزيتون بلونه الأخضر ويتصاعد منه بخار ضبابي، تتكئ مغرفتان من الخشب الصنوبري على الصحن.
سحب الشاب الكرسي من أسفل الطاولة وأزال من فوقه الكتاب وما فوقه، جلس عليه وشبك أصابع يديه ووضعهما أسفل سرته وخفض رأسه لأسفل، طلبت العجوز منه أن يبدأ الأكل فسمى الله وبدأ.
_العجوز: من الواضح أنك بعيد جدا عن المنطقة ولا تعرف أعرافها.
_لاين: أتقصدين مثل عدم اختيار وسيلة النقل أثناء الهجرة؟
_العجوز: نعم نوعا ما، وأيضا مثل تحية الطعام التي قلتها، هنا يقولون كلاما آخر.
_لاين: كان علي التفقه في الثقافات والأعراف قبل القدوم إلى هنا.
_العجوز: لن أكذب عليك، أمثالك غير مرحب بهم هنا، خاصة طائفتكم، أ تدري أن ثقافة "نيكروس" تحرم عليك الزواج من هنا؟ إنهم يعدمون السارق وينفون الكاذب...
_لاين: لا أعلم ذلك، ولا أريد الزواج.
_العجوز: ها قد بت تعلم الآن، لو كنت ابن المنطقة وتتبع خليطهم الديني كان سيباح لك الزواج والطلاق عدد ما تشاء... هذا ليس موضوعنا.
_لاين: معك حق، ناوليني بعضا من الماء لو سمحت.
_العجوز: من الواضح أن سفرك كان طويلا.
_لاين: لا لم يكن كذلك، سافرت من الصباح حتى الآن، كنت قادما من نواحي "تيمغسن" ومتجها نحو "ليكوسة".
_العجوز: ربما لم يسبق لك السفر من قبل يا صغيري، لو كنت قادما فعلا من المكان الذي تقول عليه لاستغرقت ثلاث أيام على الأقل، تقول إنك قادم من "تيمغسن" متجها إلى "ليكوسة" صحيح؟
_لاين: (يهز رأسه وهو يأكل).
_العجوز: ألا تعلم أن "تيمغسن" أقرب لـ"ليكوسة"؟ دعني أوضح لك أمرا، لنتخيل أنك الآن في منزلك بـ"تيمغسن"، جيد؟ حسنا تريد السفر إلى "ليكوسة" ستتجه شمالا يعني الشمال الغربي، لكنك سافرت جنوبا أو باتجاه الجنوب الغربي، لقد ضللت طريقك يا ولدي.
_لاين: (خرج الطعام من فمه وأنفه بعدما أدرك ظلاله)، ماذا!
_العجوز: لماذا تريد السفر إلى "ليكوسة" يا صغيري؟ ... وهي في تلك الحالة.
_لاين:(يمسح فمه وقميصه) لماذا تعامل معك أهل القرية بتلك الطريقة؟
أدلت العجوز رأسها من الذل وصمتت.
_لاين: لا أحب التدخل في الأمور الشخصية.
_العجوز: هل ترى كل تلك الكتب بجانبك، هي سبب مشاكلي، يعتقدون أني ساحرة، لكنهم نصف محقون.
_لاين: يعني أنك كنت ساحرة؟
_العجوز: كلا لم أكن ولن أكون كذلك، المشكلة هي...
_لاين: تستخدمين السحر.
_العجوز: ... لا تقاطعني مجددا، أخبرتني سابقا أنك رأيت حمارا يمشي على قدمين، وفوق كل هذا استطعت حمل الصخرة، هذا يعني أنك لست مثل باقي البشر.
_لاين: وهذا يعني أيضا أنك تمتلكين قدرة ما جعلت الناس يطلقون عليك اسم الساحرة.
_العجوز: في الواقع نعم ولا، سأخبرك لكن يجب أن يبقَ الأمر سرا بيننا، هل تعدني؟
_لاين: لم أقطع عهدا من قبل، لست متأكدا من الأمر لكن سأحاول.
_العجوز: لا مشكلة، أتمنى أن تصدقني، ناولني الكتاب لأني دونت فيه من أنا، لأني أفقد الذاكرة أحيانا، هناك صفحتان ممزقتان من الكتاب لا أعرف من مزقهما، ناولني بسرعة.
*سنعود بالزمن لأكثر من ثلاث وثلاثين سنة أو... لا أتذكر، كنت فتاة جميلة وهبت حق أنثيين من الجمال، عشت في أسرة بسيطة في المناطق الجبلية، كانت قبائلنا مسالمة لا تدخل في الحروب إلا دفاعا عن الأرض المقدسة، ترعرعت بينهم وأصبحت شابة، تزوجت من أحد الزعماء الأقوياء بعد سنوات.
في إحدى السنين شاعت أخبار بين القرى بأن زعيمنا العسكري والذي كان زوجي قد قتل، في إحدى الحروب بالشرق على يد جيش لا يتراجع حتى لو كان خاسرا، كان ذلك الجيش أقوى ما واجهته قبائلنا، عاد من بقي حيا في تلك الغارة إلى القبيلة التي كنت أقطن فيها أذلاء لا يرفعون رؤوسهم أمامنا، وجروحهم خطيرة.
بعد سنوات قليلة، جاء كل زعماء القبائل واجتمعوا بجبل "عجل الظل"، يناشدون الناس أن يتقدموا لدخول المعمعة، لكن لم يرغب أحد من الشباب في التقدم أو التطوع، كانت الغيرة في قلبي على أرضنا كبيرة، أخفيت نفسي في ملابس الرجال وصعدت أمام الجميع على قمة الصخرة، الجميع ينظر إلي:
جعلت صوتي أجشا، يا إخواني اسمعوني... هناك من يدخل أراضيكم... أراضينا التي نأكل منها ونشرب منها، إذا تركناهم يدخلونها دون مقاومة فلن تكون لنا مكانة بينهم، وقد نكون مجرد عبيد لهم... نخدمهم، ألم تروا كم سَبوا من بناتكم، أخواتكم اللائي لازلن صغيرات، ألَسنَ من لحمكم ودمكم... لا زال الوقت أمامنا لنصدهم، على الأقل سنحاول، إذا كانت النخبة منا قد ماتت في سبيل المقاومة... فلا يجب علينا أن ندع أرواحهم تذهب هباء، نستطيع تأسيس نخبة جديدة، نحن لا نملك أي قوة تضاهيهم... لذا نحن لا نحتاج الدخول في حرب مباشرة معهم، سنقوم بدراسة تحركاتهم، ونهاجم الأقلية منهم، ونتراجع.
فلتسمح لي سيادتكم بأن أكون أول من يتقدم، إذا لم تدعوني أحاول فلن نعرف ما قد يحصل لنا... أنا أطلب منكم يا من أعرفه ومن لا أعرفه... أن تقدم روحك لتعيش عائلتك في أرضها حرة... ألا تخدم أختك أحد، ألا يمس أمك أحد، وألا يبيع اخوتك الصغار أحد، هناك الكثير من الخيارات... أن تهرب وتدع أرضك يحتلها الغير، أن تستسلم وتدع أرضك يحتلها الغير، أن تنضم لهم وتصبح خائنا لأرضك، أن ترفع يديك وتباع في سوق الرقاب.
لكن أن تقاوم لتكون لك مكانة، أن تحمل سلاحا وتمسك قبضة، وتقاوم من يهاجمنا ليسلبنا أرضا، فإن مت فستكون لك قيمة روحية، ستناضل لتكون حرا، سيعيش من بقي حيا من دمك، وسيحمل نفس همك، ولن تخمد المقاومة مهما حصل، من معي...؟ أنا لا أسمع بعد... من معي؟
بالفعل وافق الزعماء على كلامي واستطعنا أن نجمع عددا لا بأس به من الرجال، تدربنا جيدا، وفي إحدى الليالي كانت أول هجمة لنا على معسكرهم في منتصف الليل، قتلنا منهم الكثير وتراجعنا بعدما اغتنمنا منهم بعضا من الأسلحة.
عندما عدنا كشفت وجهي أمام الجميع وعرفوا أني خليفة وزوجة الزعيم السابق، لم تكن أية معارضة منهم وبقيت أتزعم التنظيم، استمررنا على هذه الحال حتى أطلق الخصوم علي اسم الكاهنة أو الساحرة، لأني كنت أصنع السم من الأعشاب وسم الثعابين وغيرها، وأضعها على الرماح والسهام والسيوف، فإن لم يقتلهم السلاح يقتلهم السم.
في إحدى السنين حاصروني في أحد الجبال وقاموا بقتلي ظنا منهم.
ذات ليلة فتحت عيناي على النجوم في السماء والهدوء في المكان، كنت مرتاحة جدا، رفعت يدي نحو السماء فكانت جلدا على عظام كالجثة، من خلفي سمعت صوتا يقول لا تتحركي، دخل شيء برقبتي ولم أشعر به يخترق جلدي، لأن الجلد كان شبه ميت، التفت إلى الخلف، فكان شخص ما يمسكني من الخلف، يداه عبارة عن عظام وجسده مغطى بالكامل برداء أسود، ورأسه جمجمة حمار، تشع عينه اليسرى بضوء أخضر، قال لي أنت خادمتي من اليوم فصاعدا، سأرجع لك شبابك...*
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!