الفصل العشرين
_جوبا: خرجت ذات يوم فجأة متجها نحو الغرب أصعد وأنزل بين تلك التلال الصغيرة والمتفرقة، نحو المزرعة المتنقلة في الأراضي الخضراء، بينما أسير نحو الغروب متباطئا، التقيت مع الغريب الذي أعطاني الكيس، تلقفته ومن صدمتي لم أفحصه، وصلت وكان ابن أخي، يلعب قرب أقدامي، يجري خلفي ويقفز فرحا.
دخلت إلى الحظيرة أبحث عن الرجل، لكني سمعت أنينا غريبا... أسقطت من يدي الكيس ودخلت مسرعا، كان المنظر الذي رأيته لا يتمنى أي أحد منكم رؤيته على الإطلاق، جثث الأطفال الصغار عارية وملقاة أمامه، وهو يحمل مجرفة في يده يرمي بها الرمال خارج الحفرة، وقفت عليه مصدوما، أسأله عما يفعله، ففزع ونظر إلي نظرة خوف، حمل الفأس وخرج من الحفرة يحاول مهاجمتي، طلبت منه أن يتمهل لكنه لم يسمع الكلام.
استمر في مهاجمتي بالفأس حتى ضربني على كتفي بعدما حاصرني في الزاوية، فلم أجد بجانبي سوى المجرفة، أمسكتها وضربته على رأسه حتى دخلت زاويتها الحادة في جمجمته، رميتها بسرعة وخرجت من الحظيرة، وجدت ابن أخي عند الباب فدفعته بعدما أخذت الكيس من على الأرض، أغلقت الحظيرة بالقفل، وذهبت مسرعا إليك يا (فيكانوس)...
لم أتوقف عن التفكير في تلك الجثث البريئة طوال الطريق إليك، عندما عدنا معا للحظيرة وجدناه واقفا وينزف بالدماء، حاول مهاجمتي مجددا لكنك أمسكت المجرفة وقسمت رأسه نصفين، وأنت تعرف الباقي، جئت وساعدتني في دفن الجثث، كنت سندي النفسي شكرا لك، لكني لازلت لن أغفر لنفسي، ربيت (يونَكّت) واعتنيت به حتى كبر، شكرا...
الكل مصدوم من كلام جوبا، لا يكاد أحدهم يستوعب الكلام الذي خرج من فمه، لم تتوقع أن يكون والدها قاتلا، ولم تتوقع (ماريا) ذلك، أما (توناروز) فكانت تمسك من تغرها وتذرف الدموع فقط، بينما كان (يونَكّت) قد سمع كلامه، بدأت عيونه تدمع وهو غير قادر على الحركة، يتذكر ماضيه مع الشخص الذي ظنه والده، ويبكي ويحمل الحقد تجاه عمه، بدأ يحرك يديه حتى قاوم التصلب، فكسر ما تبقى بيديه وبدأ يبكي أمامهم:
_يونَكّت: أنت الذي فعل ذلك، كنت أظنه مات لأنه مريض فقط، أنت قتلت أبي، لما فعلت ذلك؟ حرمتني من طفولتي، حرمتني من الحنان، لما جعلت حياتي بائسة هكذا؟ أتعلم لا تجبني لأنك ستقنعني بأن لا أنتقم منك، سأجعلك تدفع الثمن.
خرج يجري بسرعة من المزرعة والكل يناديه، لكن أغلق أذنيه واستمر بالجري، يجري وسط الرمال المتطايرة، بدأ الرعد يزعزع المكان وبدأ جسده بالتوهج، وأكمل جريه مسرعا، وفي لحظة تحول إلى طائر بطول رجلين لا ريش له سوى جلده الأخضر القريب للاسوداد، حلق أمام الجميع وطار في الأعال وصوته يسمع من بعيد.
_فيكانوس: هذا ما كان ينقصنا.
_ماريا: كل الحق عليك يا رجل، كيف تخفي عنا كل هذا؟
_جوبا: ابني ينتظرني، إذا كنتم تريدون المجيء معي فهيا بنا، (سيليا) كان السبب الذي دفعني لئلا أبحث عنك هو أني أرجعت الأمانة لصاحبها، لم أعتبركم أبنائي ولم أكن يوما أحاول التقرب منكم، لأني كنت أعلم أنه سيأتي يوم وأفقدكم فيه.
لم أخبركما يا زوجتاي بذلك لأنكما لن تصبرا على فراق صغيراكما، لكن يا ابنتي عندما كنت تصرخين في وجهي تلك الليلة، شعرت حينها أني أرتكب خطأ في حقكم جميعا، أنا السبب في كل ما يحصل هنا، أنا لا أستحق العيش، لكن سأفعل ما بوسعي لأحاول اصلاح الأمور، أنا أعدكم، هيا بنا.
استمروا في الحديث جميعا في العربة وكان كلامهم بالنسبة لـ(جوبا) بمثابة طنين في رأسه، مكملين طريقهم نحو المكان الذي أوى (لاين)، أصوات حدوة الحصانين وأصوات قطرات المطر على سقف العربة تسمع بعد الصمت الذي شهدته، بدأ الظلام يحل شيئا فشيئا، وفجأة ارتعب الحصانان وتوقفا، كان أمام العربة رجل يلبس الأسود ويضع قناعا على وجهه، يحمل عصى طويلة ويقف تحت المطر، نزله له (جوبا وفيكانوس).
_فيكانوس: ما بالك أيها المجنون، ألا ترى أمامك؟ مهلا أنت لا ترى فعلا!
_جوبا: هيا ابتعد عن الطريق، لدينا أمور هامة للقيام بها.
_ذا القناع: لكنها ليست أهم من الكلام الذي سأقوله لك يا (جوبا).
_جوبا: لا أريد أن أسمع منك شيء هيا ابتعد.
_فيكانوس: كيف عرف اسمك!
_جوبا: لا يهمني كيف عرفه، أنا لا أعرفك ولا أريد معرفتك.
_ذا القناع: أنا أتأسف عن سوء الفهم الذي يحصل بيننا ولكن...
حاول (جوبا) لكمه على وجهه من شدة الغضب والانزعاج، لكن ذا القناع تفاداه بسهولة وضربه بالعصى خلف ركبتيه حتى جلس أرضا، وقف أمامه ثم وضع يده على كتفه ثم قال:
_ذا القناع: ابنك بأمان معي، اتبعني إن أردت رؤيته.
_جوبا: (مصدوم لا يتحرك).
_فيكانوس: ما الذي قاله لك ذلك الرجل؟
_جوبا: اركب العربة واتبعوني.
تبعوا الرجل حتى نزلوا معه أسفل الشجرة، هناك حيث (سالكو) يجلس بنفس الطريقة المعتادة، و(لاين) مستلقي على الأرض في غيبوبة أو غائب عن الوعي والفتاة تجدد دواء جروحه، عندما رأت (ماريا) ابنها في تلك الحالة انهارت بالبكاء وسقطت على ركبتيها تعانقه، ونفس الشيء لضرتها، أما (جوبا) فكان مصدوما مما رآه، حاولت أخته أن تشفيه بطاقتها، لكنها فشلت في ذلك لسبب ما.
_جوبا: من فعل به هذا؟
_ذا القناع: لا أظنك تجهل السبب يا جوبا، أنا آسف جدا على هذا ولكن قدر الله ذلك، تفضلوا بالجلوس... ابنك بخير سيتحسن عما قريب، سأجهز لكم بعض الطعام اجلسوا ارتاحوا.
أزال ذا القناع قناعه وملابسه المبللة، صدمت (سيليا) عندما رأت ملامحه، فقد تذكرت أنه الشخص الذي كان يقوم بشنق العراف في السوق ويسخط عليه أمام الناس.
_سيليا: أنت... أنت هو ذلك الرجل الذي...
_ذا القناع: نعم أنا هو، وأنا الذي وضعت الرسالة في جيبك.
_سيليا: ولكن لما لم تعطها لي مباشرة؟
_ذا القناع: الكثير من الأسئلة والقليل من الأجوبة، أولا، من سيأخذ شيء من عند متشرد؟ ثانيا، من سيصدق المتشرد؟ ثالثا، لو أعطيتك إياها مباشرة ماكنت لأعود إلى منزلي، فوالدك سيأخذني معه.
_جوبا: أذكر أن محتوى الرسالة كان أمرا هاما وخطيرا في نفس الوقت.
_ذا القناع: لا تستعجل يا جوبا، لا تستعجل، كل شيء في وقته.
_فيكانوس: انتظر فقط حتى نشرب الشاي، فلم نشربه لا ببيتي ولا ببيتك، لا يجب أن تتكرر الحالة نفسها هنا.
_ذا القناع: أظن في البداية عليكم معرفة من أكون، وبعدها ستتضح الأمور جليا بعد قراءة هذه المذكرة.
اسمي (الشّوتا سومي) عمري ثلاثا وثلاثين، من "ليكوسة"، أ لازلت تذكرني أم لا، (وهو يغسل الأكواب، ويراقب الإبريق على النار)، كنت لا أزال طفلا عندما هاجرت من البلدة، كنت حينها أراك من فوق التلة وأنت راحل.
في إحدى السنوات هجم علينا (المعاشي) بقطيع من الكلاب المسعورة، رأيت زوجتي تموت أمامي هي وطفلي الصغير بنهش الكلاب، لم أنجوا من ذلك، ولكن تمكنت من الهرب بعيدا عن القرية، لم أتمكن من النوم أو الأكل لعدة أسابيع من كثرة البشاعة التي شهدتها، وأصبت بالأرق.
توجهت في أحد الأيام إلى ذلك العراف بسوق قريب منا، حكيت له ما حصل وأعطاني جرعة كي أنام، عدت إلى المكان حيث اختبئ من المجهول، شربت تلك الجرعة المقرفة وغططت في نوم عميق لم أستيقظ منه أبدا. كنت في مكان مظلم لا نور فيه، كما لو أني داخل نفسي أو كما لو أني أحلم، أحاول التحرك لأستيقظ لكن دون فائدة.
لا أستطيع التنفس حتى، كما لو أني صرت ميتا، أحاول أن اصارع للتحرك دون فائدة، وبالفعل تمكنت من السيطرة على إرادتي، بدأت أشعر بنوع من الحركة بأصابعي، كما لو أني لأول مرة سأتحكم بجسدي، احتجت مجهودا كبيرا لأحرك إصبعا واحدا فقط، والمشكلة أني لا أعرف كيف سأرتاح لأني داخل حلم أو داخل سجن من الظلام.
أشعر بالإرهاق الشديد بينما الأيام تمر بالخارج مر الغيوم بالسماء، بدأت المشاهد المروعة تظهر أمامي في ذلك الظلام، مشاهد موت طفلي وزوجتي وتتكرر مرارا وتكرارا، كل مرة أتمكن من تحريك عضو من جسدي، أخيرا ولأول مرة بعد زمن طويل أرى الضوء، كما لو أني أنظر من نافذة من مكان مظلم للخارج، كانت عيناي كالثقب الذي أنظر منه للخارج.
رفعت يدي ونظرت لها من الثقب، كانت جلدا على عظام وبدأ الدود يأكل من داخلها إلى خارجها، جسمي بالكامل يتساقط منه الدود بعدما تمكنت من الوقوف، أنا داخل حلمي وأحرك نفسي وأنا نائم وفي نفس الوقت أشاهد الواقع المعاش، لكني لا أكاد أصدق أني أصبحت جثة يأكلها الدود.
أصابني الهلع حاولت الجري ولكني لم أعرف الطريقة لذلك، سقطت على وجهي، وبدأت أزحف خارجا ووجهي بالأرض يحتك، تشقلبت خارجا وسقطت في بركة صغيرة من مياه المطر، بينما هذا الأخير يتساقط على وجهي، بدأت أصرخ وأنزع الجلد من وجهي الذي كنت رافعا إياه للأعلى.
رحلت عن ذلك المكان بصعوبة، وبدأت ألبس هذه الملابس كي أخفي بشاعة جسمي، أسافر من مكان لآخر بالليل فقط، حتى وصلت إلى هنا، التقيت بهذا الشاب (ليث)، الذي تصادف أنه من نفس قريتي وجاء هنا، وبما أنه لا يوجد شيء نخفيه بيننا، فهو يمتلك قدرة غريبة، تمكن من شفاء جسدي لكنها ليست من نفس قدراتكم، ولكني لازلت نائما حتى الآن، لكن بما أنك هنا يا (جوبا) فستساعدني لأستيقظ، أنت من السلالة الأصلية التي سكنت هذه البلاد، فأنت ابن الحاكم ستساعدني.
_الشّوتا: معي هذا القضيب المعدني الرقيق، (وهو يحركه داخل النار)، ستغرزه في قلبي، سأستلقي وأنت ركز جيدا... جيدا أقول، وبضربة واحدة أدخله في صدري حيث يوجد القلب.
_جوبا: ما هذا الهراء؟! ألا توجد طريقة غير خطرة؟
_الشّوتا: مشكلتك أنك لا تثق بأحد، أنا أتحمل المسؤولية الكاملة لما سيحصل لي، فقط افعل ذلك.
_فيكانوس: لنشرب الشاي أولا.
_سالكو: أعتقد أن عليك أن تقرأ لنا من المذكرة، لأني ألاحظ أن الذي جمعنا هنا هو نفس الهدف، وهذا ليس صدفة.
_الشّوتا: بالفعل، أنت على حق فيم تقول، سنقرأ هذه المذكرة جميعا لأول مرة، ولكن لا أستطيع القراءة وأنا نائم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!