الفصل العاشر
_فيكانوس: ألن تكمل لنا قصتك تلك يا (أكسل)؟ نتمنى أن تكمل لنا.
_سيليا: نعم يجب أن تكمل لنا لأن ذلك البرتقال...
_جوبا: دعوه يرتاح، إن صدره يؤلمه.
_سيليا: لما تقاطعني دائما يا أبي، لما؟
_فيكانوس: ها... فجأة أصبح والدك معالجا.
_أكسل: لا مشكلة في ذلك، ما دمتم مصرين على معرفة ماضيّ الخاص، فلا مشكلة لدي.
_أكسل: بعدما وصل الجمل إلى القرية متفاديا كل أهلها، رأته أمي من فوق البيت فبدأت تصرخ بصوت عالٍ، خرج جدي ليرى ما يحصل، فلما رآه قادما حاول إغلاق الباب، لكن الجمل بدأ يضربه بقدميه الأماميتين، وجدي من الجانب الآخر وبكل قوته يحاول منع الباب من الانفتاح، لكن الجمل كان أقوى، وأمام عيناي سقط الباب الحديدي بدفعة قوية من الجمل فوق جدي، ولم يبقَ ظاهرا منه سوى رأسه وهو يتألم، دخل الجمل في مشهد بطيء بعدما خفض رأسه لأسفل واتكأ على الحائط، وكأنه يحاول الخروج من الغبار الذي وراءه، تقدم بخطوات بطيئة وهو ينظر إلي بعيون ناهدة ووجه مليء بالدماء، وضع قدمه الخلفية فوق رأس جدي وبدأ بسحقها رويدا رويدا.
قفزت أمي بعدما تعبت من الصراخ من أعلى البيت لتحاول إنقاذ جدي، لكن الجمل بضربة واحدة بقدمه الأمامية قذفها حتى التصقت بالجدار، استمر الجمل بسحق جمجمة جدي واستمر هديره العالي، وبدأ بالقفز لأعلى والسقوط عمدا على البوابة الحديدية، حتى أصبح جدي كالفريسة التي نهشتها الضباع.
بعدها يَمَّمَ نحو أمي التي كانت فاقدة الوعي، اقترب منها فأدلى عنقه وقام بشمها، بعد ذلك وأمام عيناي اللتان لم تصدقا ذلك المنظر، قام الجمل بضربها بلكمة خطافية على رأسها بقدمه اليمنى، بعدما وضع اليسرى على الجدار حتى انفجر رأسها ولطخ الجدار.
وقف الجمل مستقيما على قدميه الخلفيتين وهو يمسح الدماء على جوانبه متجها نحوي، تشنجت في مكاني ولم أستطع التحرك، قدماي من شدة الخوف ومن هول الرعب الذي رأيته فشلتا، سقطت على ركبتي وبدأت أبكي بصوت عالٍ، وضع الجمل رأسي بين قدميه الاثنتين ورفعني لأعلى وبدأ بالهدير بصوت عالٍ ضاغطا على رأسي، حتى بدأت أسمع صوت جمجمتي تتكسر.
لكن وفجأة سمعت صوت انفجار صاخب من فوق المنزل، تفجر رأس الجمل وتناثر في الأرجاء، انسللت من بين قدميه وسقطت على الأرض، فخرج من جسده شيء كالظل واختفى في المجهول.
كان من أنقذني هو ذلك الشاب الذي اعتبرته أخي وعائلتي، أصبح هو ملجأي الوحيد، لقد رباني على يديه، وعلمني استخدام البندقية، كنا نبحث عن الصبار ونبيعه لأهل القرية، فيقومون بحرق أشواكه وإطعامه للأبقار، بعدما صرت كبيرا أعطاني بندقية والده وأخبرني أني أستحقها، كانت السنين التي عشتها معه قد أنستني فيما عشته سابقا من كوابيس.
لكن السعادة لا تدوم طويلا، في إحدى الأيام كان الرعد صاخبا، الرياح عاصفة والجو متقلبا، خط عملاق من الرمال يكسي السماء بلون الأرض، يتجه نحو القرية، لما وصل إليها استمرت الرياح والرمال في التطاير، خرج من وسط ذلك الغبار مخلوق غامض يشبه النمر في شكله ولكنه أكثر وحشية، أسنانه الناهدة ولعابه كان يسيل على الأرض، عيونه المحمرة وفروه الخشن يثير الرعب.
وقف المخلوق الغريب على قدميه الخلفيتين كالبشر أيضا، وبدأ بمهاجمة الناس والحيوانات دون شفقة أو رحمة، كان المنظر مروعا، هربنا من ذلك المكان بعدما أطلق عليه أخي طلقة بالبندقية ولم تأثر فيه، نزلنا إلى إحدى المطامير ذات الفم الضيق، واستمرينا في مشاهدة ذلك المنظر المخيف.
بعدما مزق وافترس كل أهل القرية التي لم ينجوا منها سوى نحن الاثنان، قَدمَ فوقنا وعرف مكاننا لكنه لم يستطع النزول بسبب ضيق المدخل، أطلق عليه أخي طلقة اخترقت عينه فأمسك منها وهرب، لكن ما خلف هو الجثث أو ما تبقى منها، وترك داخلنا رعبا آخر، حينها لم نستطع مساعدة أهل القرية، أهلنا الذين عشنا معهم وكبرنا بينهم، لقد دمرنا جميعا، استمرينا في العيش في تلك الحفرة حتى التقينا بـ(يونَكّت) وحصل ما حصل...
_جوبا: ذلك الوحش هو نفسه الوحش الذي أعطاني البرتقال.
_سيليا: وهو نفسه من اختطفني، وأخبرني أيضا عن الشجرة والبرتقال، وشيء ما عن انفجار وجوهرة.
_فيكانوس: ما الذي يجري هنا، هل أنا أحلم أم ماذا.
_سيليا: أخبرني أن البرتقال يحتوي على شيء ما يمنح الجسد قدرة خارقة، وأيضا أن سكان تلك القرية لم يكتسب أحدهم القوة، لكن أنا أملكها كما رأيتم، لم يستطع أكلي لأنه كلما كان يقترب مني يتحول جسده إلى شكل بشري مثلنا.
_أكسل/جوبا/فيكانوس...: ماذا! هل أنت متأكدة من هذا؟
_سيليا: نعم لماذا؟
_جوبا: الأمر بدأ يزداد غرابة يوما بعد يوم، بما أن لديك قدرة خارقة، فأ...
_ماريا: فأخوها سيمتلك قدرة أيضا يا (جوبا)، لازلت أذكر اليوم الذي وجدتني فيه نائمة بدموعي، كنت حينها قد أخفيته عنكم، لأن قرنا غريبا قد ظهر بجبينه.
_جوبا: ماذا! ولما لم تخبريني بذلك؟
_ماريا: وهل تظنني صدقت ما رأته عيناي؟ ولو كانت حقيقة فكيف أفسر لك ذلك؟
_أكسل: هل أكلتن من البرتقال؟
_توناروز/ ماريا: نعم أكلناه، لما؟
_أكسل: إذن يجب أن تكتسبا قدرة خارقة كما حصل لأولادكن، أليس هذا صحيحا؟ وكما حصل للجمل.
_ماريا/توناروز: نعم ربما، هذا ما نظنه.
_أكسل: إذن ذلك الرجل الذي سميناه أبو الخير قد ضحك علينا، واستغلنا ليكتسب القوة على ظهورنا، سحقا له... المصيبة أن كل أهل القرية لم يكتسبوا أي قوة، لأنهم جميعا أكلوا ذلك البرتقال، ما عداي، برتقالتي أكلها الجمل... لا أصدق، الجمل اكتسب القوة وهي التي جعلته يقتل عائلتي كلها...
_فيكانوس: السؤال هو لما اكتسب الجمل القوة، وأهل القرية لم يكتسبوا سوى عضات المخلوق الغريب؟
_أكسل: أعتقد سنعلم عما قريب، ان شاء الله.
_(جوبا): (يتنهد ثم يكمل...) اسمعني يا بني، لا أعرف كيف أقول هذا ولكن... ابني في خطر، أرجوك ساعده، أنا أرجوك، ستجده في "ليكوسة" لقد أرسلته إلى هناك، أرجوك ارجعه لي.
_أكسل: حسنا يا سيدي... سأفعل، لكن قبل ذلك أحتاج إلى صنع مواد قابلة للاحتراق من أجل بندقيتي.
_سيليا: أبي أنظر ماذا وجدت في جيبي، إنها رسالة ومحتواها...
وقبل عدة أيام...
لم يبقَ على (لاين) سوى التنفيذ، بعدما ارتدى تلك الملابس التي أعطاه إياها أبوه، اتجه كما أخبره عند قطيع الأحصنة، ليأخذهم للواد للارتواء، وأول من يرفع رأسه يمتطيه بسرعة ويذهب في طريقه، طبعا هذه من العادات الغريبة للمنطقة هناك، لا يجب على من سيكون عابر سبيل أن يختار وسيلة نقله، بل كانوا يستعملون هذا النوع من التطير أو الحظ.
_لاين: لا أعرف السبب الذي دفع أبي لأن يجعلني أشد حالي بسرعة هكذا وأرحل، ها... اذهب إلى "ليكوسة" لتتعلم بعض فنون القتال، لما سأتعلم فنون القتال مجددا؟ الكل يعرف أني مسالم بطبعي أحيانا، تماسك يا (لاين) أنت تتحدث كثيرا وهذا طبع سيئ فيك، علي أن أسرع فالظهيرة ستحل قريبا، لا لا يزال الوقت مبكرا، آمل ألا ألاقي شيئا غريبا في الطريق، أظن سألتقي بساحرة، العلم لله.
أخذ (لاين) الأحصنة إلى النهر لتشرب وترتوي، لكن كان بينهم حمار رمادي قريب للأبيض وقصير القامة، واقفا في مكانه لم يرغب في الحركة، منعزل ويحدق في (لاين) بشكل غريب جدا، لا يتزحزح نظره عن عيون (لاين)، يحاول بصعوبة أن يحركه ليذهب إلى النهر وبدون تأثير، فقط يستمر في النظر إلى (لاين)، شعر هذا الأخير بالغرابة من ذلك الحمار، فتركه خلفه وساق القطيع إلى الواد.
ابتعد عن الحمار مسافة طويلة والتفت إلى الخلف ليراه، وبشكل مفاجئ يدير الحمار عنقه في نفس اللحظة التي استدار فيها (لاين)، ويحدق بشكل غريب فيه، استدار مجددا وأكمل قيادة القطيع للواد، ابتعد ضعف المسافة السابقة والتفت خلفه، وفي نفس الوقت التفت الحمار إلى الشاب، وهذه المرة ظل (لاين) يحدق في الحمار والحمار يحدق فيه، فجأة يظهر لـ(لاين) بأن الحمار يتجه نحوه بسرعة كبيرة دون أن يقوم الحمار بأي حركة، بل واقف على نفس وضعيته ويدير رأسه نحو (لاين)، اقترب كثيرا منه، فأغمض عينيه وفتحهما فوجد الحمار يعود للخلف كما كان قادما نحوه دون القيام بحركة واحدة.
شعر (لاين) بالريبة وأكمل طريقه دون الالتفات إلى الخلف، وصل أخيرا إلى النهر وبدأت الخيول بالشرب، وكانت أول من رفعت رأسها من بين ذلك القطيع فرس عجوز حامل، بلون بني وفي شهرها الأخير.
ليس لدى (لاين) حل آخر، ركب الفرس وبدأ في مسيرته الطويلة إلى "ليكوسة" محاذيا للوادي الواسع الذي يمر منه الواد، كانت الفرس لا تسرع في طريقها و(لاين) لا يرغب في أن يصادف قطاع الطرق، حذوة حذوة تسير، والشاب غارق في التفكير بأحلامه التي سيحققها وماضيه الذي عاشه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!