ثندردوم
ثندردوم
جزء 16 من 33
وضع القراءة:

الفصل السادس عشر

اتجه الشابان معا نحو الخيمة الكبيرة التي كانت تبعد عن القرية مسافة طويلة، الخيمة واسعة بيضاء من الخارج تعكس ضوء الشمع، ولا يظهر داخلها إلا الظلام، اتجه الشاب ليدخلها، حاول (ليث) بشتى الطرق إقناعه بالعدول عن رأيه لكنه لم يستطع إقناعه.
تراجع (ليث) وعاد أدراجه، دخل الشاب ببطء إلى الخيمة وهناك وجد ثلاث موائد مستديرة مغطاة بقماش أبيض اللون، وفوقها مأكولات عديدة ومتنوعة، من فراخ الدجاج ومن اللحم والأرغفة، ومن الخضر المطبوخة، ومن الفواكه المختارة بعناية وخوابي المياه، دخل الشاب بسرعة إلى الخيمة متلهفا للأكل.
جلس الشاب على الأرض وبدأ يأكل من ذلك الطعام، كانت الخيمة شبه فارغة كما ظهر له، لكن من حيث لا يعلم ولا يدري، ضربة قوية خلف رأسه جعلت وجهه يغطس في صحن الطعام.
وقف الشاب ببطء وهو يمسح وجهه بثوب الرداء الذي يغطيه، رفع رأسه ببطء ليرى أمامه فتاة، كان شعرها الأسود عاريا ومقصوصا لحد الرقبة، بشرتها بيضاء وعيونها رمادية، متوسطة الطول والوزن، ترتدي ثيابا بيضاء عليها رموز غريبة بخيوط خضراء، حافية القدمين ومكبلة بسلسلة طويلة.
أمسك الشاب من رأسه وهو مصدوم وساهٍ في نفس الوقت ويتألم من الضربة، استمر في النظر إلى وجهها وهي تصرخ في وجهه.
_الفتاة: أبتعد عني، أخرج من هنا... هيا تحرك، (وهي تحمل العصى في يدها وتهدده).
أزال الشاب الغطاء عن رأسه وهو يحك مكان الضربة.
_الفتاة: ألم تَكْفكَ كل البنات اللائي أخذتهن؟! لما لا تدعنا وشأننا؟ أخرج من هنا هيا.
رفعت العصا تحاول ضربه لكنه أمسك العصا وأنتزعها منها.
_الفتاة: أرجوك دعني أذهب، لما تحاول فعل ذلك بي؟ أرجوك.
_لاين: ليس لدي فكرة عما تتحدثين، لكنك مخطئة في اتهاماتك.
_الفتاة: لا تحاول التذاكي علي، أنت الذي يهبونه بنات القرية أرواحهن وأجسادهن في سبيل بقاء القرية آمنه، أليس كذلك؟ وها قد جاء دوي.
_لاين: إن كلامك مجرد افتراء لا أساس له من الصحة.
_الفتاة: لو لم تكن أنت هو فلما دخلت إلى الخيمة؟ ألا تعلم أنه لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها؟!
_لاين: دخلت الخيمة لأكتشف من بداخلها، لم أستطع مقاومة الطعام لأني كنت جائعا.
_الفتاة: أنا لا أصدقك.
_لاين: لو كنت أنا هو من تدعين لما أطلت الكلام معك، بل لفعلت ما يفعله بالبنات.
_الفتاة: أنت محق نوعا ما، لكني لا أثق بك.
_لاين: وأنا لا أنتظر أن تثق بي.
_الفتاة: لما أتيت إلى هنا؟ لما أتيت وحدك ألست خائفا؟!
_لاين: سمعت أن اليوم يوم الأضحية، وأن ابنة الزعيم ذاك أو الإمبراطور داخل هذه الخيمة.
_الفتاة: لا توجد ابنة زعيم هنا، إنها في غرفتها كالعادة ترتاح وتستريح من الراحة.
_لاين: ألست ابنة الزعيم.
_الفتاة: هذا ليس من شأنك، أخرج من هنا ودعني ألاقي مصيري هيا أخرج.
_لاين: حسنا لكن سأعود مجددا.
_الفتاة: لا تعد إلى هنا مجددا.
خرج (لاين) وهو ساهٍ يحاول تذكر المكان الذي لمح فيه تلك البنت، تأتيه الذكريات مشتَّتَة الغبار، لكن تذكر أنه كان حلما قد راوده منذ سنوات قليلة.
"كان في أرض منبسطةٍ لا ارتفاع أو انخفاض فيها، تكسوا تلك الأرض أعشاب قصيرة لا تتجاوز مفصل القدم، في مكان مضاء دون شمس وسماء فاتح لونها دون غيوم، كانت خلفه ثلاث شجرات متوسطات الطول، وقف ببطء وبدأ يستكشف المكان الذي لا حيوان او حشرات به ولا حتى إنسان.
يسير متباطئا ومديرا رأسه يمينا ويسارا حتى لمح شيئا غريبا أمامه، كان جسد انسان يطفو فوق ذلك العشب، اقترب منه أكثر فظهرت ملامح فتاة وسط ذلك الضوء الأبيض الساطع، اقترب أكثر فبدت له يداها مضمومتان إلى صدرها ومشبوكتا الأصابع، مغمضة العينين ولا تكاد تتنفس، مد يده ليخترق ذلك النور ويحاول لمسها، فلما وضع الأصابع على النور فتحت العيون فتحا بضوء أصفر وهاج والتصقت أصابعه.
حاول سحب يده لكنه لم يستطع إلى أن زال الضوء من عينيها، فتحت يديها ببطء وأدلت اليسرى له حتى يمسكها، وأمام صدمته الكبيرة رفع يده وهي ترتعش ليلمسها، فلما لمسها ظهر ضوء أبيض ساطع فأغمض عيناه، بعد أن شعر باختفاء الضوء فتحهما وهو لا يزال يلمس يدها.
كان الظلام حالكا لا يَرَ شيئا سوى الفتاة التي أمامه، بدأ يسألها أين أنا ومن أنت فرفعت بصرها باتجاه جبهتها كما لو أنها كانت تنظر لأعلى -ففي ذلك الظلام لا يعرف أعلى من أسفل ولا شرق من غرب-بنظرات حزينة، فرفع رأسه بنفس الاتجاه، كان ما رآه أعمدة حديدية الجسم شاهقة الطول وهائلة العرض، طول كل واحد ثلاث مئة جذع نخلة فوق بعض، وعرضها بعشر جذوع، وتفصل كل واحد عن الآخر مسافة عرض جبل، كانوا على شكل دائري لولبي من الأعلى.
استمر في النظر إليه ساهيا دون أن يرمش، وفجأة من حيث لا يدري أحد هزيم الرعد القوي يكاد يفجر طبلة أذنه، ويكاد يكسر الأعمدة التي كانت تشكل قبة هائلة وعظيمة، الرعد من جديد وهذه المرة كان البرق يسير على الأعمدة نحو الظلام، وفي نفس الوقت كانت الفتاة تتراجع إلى الخلف وإلى وسط القبة، بينما كان يحاول اللحاق بها رغم عجزه عن الحركة حتى اختفت، وضرب البرق رأسه حتى تشققت جمجمته من ناصيته".
هذا ما كان قد رآه حينها وتذكر ملامح الفتاة التي راودته في الحلم، كانت تشبهها بعض الشيء، استمر الشاب في السير مبتعدا عن الخيمة متجها نحو البئر حيث يجتمع أشداء القرية لحمل الصخرة.
دخل من باب القرية الكبير الآجوري، وهو يمشي ببطء والدلو على كتفه، لمح أن بعض هؤلاء الرجال كانوا يتدربون معه، فلما رآه أحدهم أقنع رفاقه أنها الفرصة المناسبة للانتقام منه على ما فعله برفيقهم، حاصروه أمام أهل القبيلة الذين يحملون أوعيتهم وخزفياتهم ودلائهم التي يدلونها، فاجتمعوا حوله مشكلين دائرة في تلك العشية.
_ أنظروا من أتى هنا! أليس هذا هو الذي اعتدى على (طارزة)!؟
_ نعم، لا ريب في ذلك، هيا اطرحوه أرضا كما طرح رفيقنا.
_ أنظروا إليه لم يتفوه بكلمة من شدة الخوف! (وهم يضحكون).
بينما كان (ليث) يشاهد متخفيا عنهم جميعا في زاوية بيتٍ هناك.
كان الشاب واقفا وسطهم بهدوء تام لا يتحرك حركة واحدة، حاول أحدهم مباغتته من الخلف لكن الشاب بكل رشاقة انبطح أرضا، ثم أدار رجله اليمنى بشكل دائري وسرعة كبير، اكتسح بها كلتا قدمي الشاب الآخر من على الأرض، حتى ارتطمت أسنانه بالرصيص وانكسر أنفه.
استقام (لاين) واقفا فأغلق الجميع أفواههم وهاجموه دفعة واحدة، سدد إليه أحدهم لكمة فأمسكه من ذراعه وضربه بشخص يتقدم على يساره، هاجمه اثنان آخران فضرب أحدهما براحة كفه على ذقنه حتى طار من مكانه والدم يسيل، بينما أمكسه الآخر من الخلف لا يتزحزح، وقف أحدهم ممسكا سكينا وهو يضحك، ينوي على شرٍّ، رآه (لاين) فباعد بين ساقيه وبحركة خاطفة بخلف وركه يضرب ورك الذي يمسكه من الخلف حتى ارتمى من فوق ظهره وسقط أمامه.
حاول (لاين) ضرب الشاب الذي يمسك السكين، لكن الذي سقط أمامه أمسكه من كلتا رجليه، حاول صاحب السكين طعن (لاين)، لكن من حيث لا علم لأحد صخرة صغيرة من الرصيص تخترق عينه اليسرى، فأفلت السكين وأمسك من عينه وهو يصرخ ويجري هاربا.
هرب الجميع، منهم من يمسك أنفه ومن يمسك فكه ومنهم من أخذ عينه في يده، حصل ذلك أمام أهل القرية الذين فرض عليهم الاحترام، اتجه نحو البئر وهو يغطي رأسه بردائه الأسود، أدلى دلوه وقال قالت لك العجوز خذ ما به وآتني ماءا، سحب الدلو بعدما ملأه من بالبئر وانصرف من أمام الجميع.
يمسك بالدلو والماء يتدفق منه احيانا، يسير خارجا من القرية نحو منزل العجوز هناك، بعدما ابتعد مسافة طويلة عن القرية خرج له (ليث) وهو يضحك ومنبهر.
_ليث: لقد أبهرت جميع الناس بالقرية، دمرتهم جميعا، هذا مذهل! كيف فعلت ذلك؟ كيف تعلمت تلك الحركات؟
_لاين: دافعت عن نفسي وحسب.
_ليث: كدت تموت لكنك أنقذت نفسك في آخر المطاف، عليك أن تعلمني.
_لاين: لا، بل هناك من أنقذني.
_ليث: أتقصد الذي فقأ عين صاحب السكين؟! ألست أنت من فعل ذلك؟
_لاين: نعم لولا ذلك الشخص لكنت الآن في عداد الموتى.
_ليث: نسيت أن أسألك، اسمعني، ما الذي وجدته داخل الخيمة؟ قل ماذا وجدت؟
_لاين: وجدت بعض الطعام وفتاة تقول إنها ليست ابنة الزعيم.
_ليث: هذا فقط! ألم يحصل لك شيء؟
_لاين: طردتني، لكني سأعود لها لاحقا.
_ليث: جميل، اسمعني، الشجرة التي أخبرتك عنها موجودة هناك، لنلتقي بالغد عندها.
_لاين: لك ذلك، وداعا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.